يحب العديد منّا الدخول في نقاشات متعددة مع العائلة أو الأصدقاء أو الزملاء حول مواضيع مختلفة نهتم بها، وفي بعض الأحيان تحتد النقاشات بيننا ونصبح مدافعين شرسين عن أفكارنا التي نؤمن بها، إلا أن الخطأ الذي نقع به أثناء هذه النقاشات هو الخضوع لبعض المغالطات المنطقية. سنتعرف في هذا المقال على تعريف المغالطة المنطقية وعلى أنواعها العديدة، تابعوا معنا.


ما هو مفهوم المغالطة المنطقية؟
تستخدم كلمة "مغالطة" للإشارة إلى المعتقدات الخاطئة التي يؤمن بها الناس، أما مصطلح "المغالطة المنطقية" فهي ليست المعتقدات الفلسفية الخاطئة بل هي الأخطاء المنطقية في الجدال أو التفكير أو النقاش. تقوم العديد من الشركات الإعلامية والإعلانية إضافة إلى السياسيين بشكل خاص والأشخاص العاديين بشكل عام بالكثير من أشكال التلاعب البشري المليء بالمغالطات المنطقية كي يقنعوا الناس بأفكارهم الخاطئة غالباً. لذا يجب على كل شخص أن يقوم بقراءة هذه المغالطات كي يتجنب الوقوع فيها عند نقاشه مع الآخرين وكي يتجنب تصديقها عندما تفرض عليه.

ما هي المغالطات المنطقية الاثنتي عشرة؟
بعد أن قمنا بتعريف المغالطة المنطقية، سنقوم في هذه الفقرة بالتحدث عن كل منها على حدى، تأكيداً على أهميتها في نقاشاتنا وعلى خطورتها علينا وعلى المجتمع. تبيّن أنه يوجد اثنتا عشرة مغالطة منطقية منتشرة بين الناس، فهي الأهم والأشهر بينهم، لذا سنقوم بالغوص في تفاصيلها جميعاً، كما سنقوم بعرض الأمثلة التي تساعدكم أعزاءنا القراء على فهم كل مغالطة بشكل دقيق، تابعوا معنا. 

1- مغالطة رجل القش
تحدث هذه المغالطة عندما يقوم خصمك بالإفراط في تبسيط حجتك أو تشويهها أثناء النقاش بهدف تسهيل الهجوم أو الرد عليك. حيث يقوم الخصم بتقديم فكرة مشابهة لفكرتك بشكل سطحي للغاية ويقوم بهزيمتها بدلاً من أن يناقش حجتك الفعلية، وبالتالي يخضعك لوهم يجعلك تصدق بأنك قد هُزمت. 
على سبيل المثال، تقوم أنت بطرح فكرة توظيف شخص جديد في الشركة التي تعمل بها كي يقوم بإعادة تصميم موقعكم، فيقول خصمك بأنك تريد أن تصرف أموال الشركة على الموارد الخارجية بدلاً من بناء فريق تصميم من داخل الشركة وبالتالي يقنعك بأنك ستضر الشركة على المدى الطويل، على الرغم من عدم صحة الأمر. 

2- مغالطة القطيع
لمجرد أن عدد كبير من الناس يؤمنون أن فكرة ما صحيحة، هذا لا يجعلها صحيحة بالفعل. لا يكفي أن يؤمن "القطيع" أو عدد كبير من الناس بفكرة ما للتحقق من صحة الفكرة، على الرغم من أن هذه الحجة تستخدم كثيراً في النقاشات. تعتبر هذه المغالطة منتشرة ومشهورة للغاية في العديد من النقاشات التي تدور بين الأفراد، أو حتى على نطاق أوسع. 
على سبيل المثال، في الكثير من الإعلانات التجارية التي تروّج لنوع معين من معجون الأسنان، يقول الممثل في الإعلان فيها أن 3 من 4 أشخاص ينصحون بهذا المنتج، فيعتقد المشاهد أن المنتج رائع مباشرةً، على الرغم من أنها مغالطة منطقية. 

3- مغالطة مناشدة السلطة
على الرغم من أن مناشدة السلطة ليست أمراً خاطئ أو سلبي بشكل عام، إلا أنه يمكن أن يتحول بشكل سريع إلى مشكلة خطيرة. تحدث هذه المغالطة عندما يحاول أحد أطراف النقاش أن يلجأ إلى شخص واحد ذو سلطة في مجال محدد ويتعمد رأيه على أنه رأي صحيح كلياً، دون محاولة التحقق من الأمر. يمكن بالطبع أن تعتمد على رأي شخص ذو سلطة تتعلق بالموضوع نفسه في نقاشك لكنه من الخطأ أن يكون هذا الرأي هو الركن الذي تستند عليه حجتك بأكملها. 
على سبيل المثال، إن كنت تعمل في شركة ما واقترح أحدهم اقتراحاً جيداً فتقوم برفضه لمجرد أن مدير الشركة لا يظن أنها فكرة جيدة، أنت بذلك تعتمد على رأي الشخص ذو السلطة دون التحقق من صحته.

4- مغالطة المعضلة الزائفة
تقوم هذه المغالطة المنتشرة بكثرة في النقاشات بتقديم أحد القضايا أو الأفكار على أنها معقّدة وتمتلك جانبين متناقضين لا ثالث لهما. حيث بدلاً من أن يقر الخصم بأنه يوجد العديد من الخيارات والاحتمالات لأي فكرة في العالم، يقوم الخصم بحصر هذه الفكرة بخيارين متناقضين فقط. تعتبر هذه المغالطة خطيرة بسبب تجاهلها بشكل واضح لأي حل وسط واعتمادها على خيارين متطرفين فقط.
على سبيل المثال، تقوم أن وأصدقائك بالتخطيط لمشروع ما ومن ثم يقوم أحدهم بتقديم اقتراح لهذا المشروع، فتقول أنت بأنكم أمام خيارين، إما الاتفاق مع اقتراح هذا الشخص أو إفشال المشروع وإلغاءه. إن قمت بذلك فأنت قد وقعت في مغالطة المعضلة الزائفة لأنك ببساطة تجاهلت كل الخيارات أخرى.

5- مغالطة التعميم السريع
تحدث هذه المغالطة عندما يستخلص شخص ما استنتاجات موسّعة تستند إلى أدلة غير كافية. أي أن الخصم يقوم بالقفز إلى استنتاجات معممة وواسعة النطاق بناء على تجارب صغيرة أو على أدلة غير كافية. تستند هذه المغالطة على ادعاءات معممة بسرعة مبنية على الافتراضات غير الدقيقة وعلى الصور النمطية غير الصحيحة والاستنتاجات المبالغ بها.
على سبيل المثال، قام اثنان من زملائك بالعمل بحضور دورة تدريبية حول التحدث أمام الجمهور، وقاموا بالاستفادة من الأمر، فتقوم أنت بافتراض أنه يجب أن تصبح هذه الدورة إلزامية لجميع الموظفين في الشركة كي يتحسّنوا في التحدث أمام الجمهور.

6- مغالطة الاستقراء الكسول
وهي المغالطة المعاكسة تماماً لمغالطة التعميم السريع أعلاه، وتحدث هذه المغالطة عندما تشير الأدلة المنطقية الكافية بقوة إلى استنتاج معين صحيح، إلا أن الخصم يفشل في إدراكه لهذه الأدلة كلياً، ويقوم بإسناد رأيه إلى الصدفة أو إلى شيء غير ذي صلة بدلاً من الأدلة الصحيحة المتوافرة. 
على سبيل المثال، يقوم زميلك في العمل للسنتين الماضيتين بالتأخر في تقديم مهامه المطلوبة، وفي هذا العام لا تصلك المهام في الوقت المناسب، فتقوم أنت بتجاهل السبب الواضح والذي هو سوء مهارات زميلك في إدارة المهام، وتقوم بأن السبب يعود لحدث سيء تعرض له مثلاً.

7- مغالطة الارتباطية والسببية
إذا بدا لك أن شيئين ما مرتبطين فيما بينهما، فهذا لا يشير بالضرورة إلى أن أحد هذين الشيئين تسبب في حدوث الآخر. قد يبدو الأمر وكأن هذه المغالطة سهلة الكشف وقليلة الحدوث، إلا أنها عكس ذلك تماماً، حيث يصعب على العديد من الناس العثور على نوعية الارتباط بين نقطتين ما.
على سبيل المثال، إن كنت تمتلك موقعاً الكترونياً ولاحظت أن عدد زوار الموقع انخفض في شهر نيسان وتذكرت أنه في هذا الشهر نفسه قمت بتغيير لون الموقع من الأبيض إلى الأحمر، فتقوم بالاستنتاج أن اللون الأحمر هو الذي تسبب في انخفاض معدل الزوار، وهي مغالطة حقيقية.

8- مغالطة الأدلة القصصية
بدلاً من الاعتماد على الأدلة المنطقية والصحيحة في النقاش مع الآخرين، يقوم بعض الأشخاص بإسناد حججهم على أمثلة معينة من تجاربهم أو تجارب الآخرين الشخصية. حيث تميل الحجج التي تعتمد بشكل كبير على الأدلة القصصية إلى التغاضي عن حقيقة أن مثال واحد لا يمكن أن يقف بمفرده كدليل قاطع لفرضية كبرى.
على سبيل المثال، يقوم صديقك بإخبارك أن جدّه كان مدخناً شرهاً وأنه كان يدخن ما لا يقل عن 30 سيجارة في اليوم الواحد إلا أنه عاش عمراً طويلاً، فيحاول إقناعك أن كل ما قرأته عن أخطار التدخين أمر خاطئ وأن تجربته الشخصية قابلة للتعميم على الجميع.

9- مغالطة قناص تكساس
سمّيت هذه المغالطة بناء على قصة قنّاص من مدينة تكساس الأمريكية، والذي قام بإطلاق النار من مسدسه على جدار حظيرة ومن ثم قام برسم دائرة حول ثقوب الرصاص كدليل على خبرته في إطلاق النار. يقوم بعض الأشخاص في نقاشهم مع الآخرين باختيار مجموعة من البيانات استناداً إلى استنتاج محدد مسبقاً بدلاً من أن يقوموا باستنتاج الأفكار منطقياً من الأدلة الصحيحة. 
على سبيل المثال، قام أحد أصدقائك ببيع إحدى منتجاته إلى زبون، فتقوم بالتأكيد على أن هذا الصديق بائع ماهر، وتتجاهل أنه قد قام مسبقاً بمحاولة بيع هذا المنتج مراراً وتكراراً ولم ينجح في الأمر.

10- مغالطة الحل الوسط
تفترض هذه المغالطة أن الحل الوسط بين نقطتين متعارضتين كلياً هي الحل الأمثل والصحيح، فتقوم بتجاهل الحجج التي تفترض صحة إحدى النقطتين دون الأخرى أو خطأ إحداهما دون الأخرى، وتواصل الاعتقاد بأن الحل الأوسط بينهما هو الأمر المنطقي وحسب.
على سبيل المثال، يقوم أحد زملائك باقتراح تعديل موقع الشركة بأكمله من أجل تحسين المبيعات بينما يقترح زميل آخر أن أي تعديل صغير على الموقع سيكون له آثار كارثية، فتقوم أنت بدحض النظريتين كلياً وتؤكد على أن الحل الوسط المتمثل بإجراء بعض التغييرات على الموقع هو الخيار الصحيح الوحيد.

11- مغالطة عبء الدليل
إن قام شخص ما بتقديم نظرية فعليه أن يقوم بإثباتها بالأدلة المنطقية، من الممكن أن يقوم هذا الشخص بإجبار الطرف الأخر على إثبات عدم صحة نظريته بدلاً من أن يثبتها هو. وتستند هذه المغالطة على أن الخصم يقوم بإجبار الطرف الأخر على التصديق بنظريته ليس لامتلاكه الأدلة بل لعدم امتلاك الطرف الآخر أي أدلة. بمعنى آخر، لمجرد عدم وجود دليل ضد شيء ما، هذا لا يجعل من الشيء صحيح أبداً.
على سبيل المثال، يقوم أحد أفراد عائلتك بإجبارك على تصديق الفكرة التي تقول بأن منزلكم مسكون بالأشباح، وعلى الرغم من عدم امتلاكه أي دليل، إلا أنه يقوم بإجبارك على التصديق بناء على عدم امتلاكك أنت على دليل يثبت عدم وجود الأشباح في المنزل.

12- مغالطة التشكيك الشخصي
إن كنت تواجه صعوبة ما في فهم سبب وجود شيء أو حدوثه، فهذا لا يعني ببساطة أن هذا الشيء غير صحيح أو غير موجود. يقوم بعض الأشخاص بافتراض عدم صحة بعض الأمور بسبب عدم وجود فهم شخصي أو حتى جماعي للشيء. 
على سبيل المثال، يقول له زميلك في العمل أنه لا يستطيع فهم الإقبال الكبير للزبائن على الشركة بسبب تغيير الديكور الداخلي لها، فيفترض تلقائياً أن هنالك سبب آخر لإقبال الزبائن لمجرد أنه لم يفهم العلاقة بين السبب والمسبب.

في النهاية، نتمنى أن يكون هذا المقال قد قدّم لكم صورة واضحة عن المغالطات المنطقية التي يقع في فخّها العديد من الأشخاص دون أن يشعروا، والتي يستخدمها أيضاً العديد من الناس دون قصد. الهدف من مقالنا هذا هو التحذير من الوقوع في هذه المغالطات التي تجعل حجتك ونظريتك التي تؤمن بها وتدافع عنها تبدو ضعيفة للغاية.
 

ذات علاقة