في هذا المقال نناقش ترتيب وتنظيم حياتك التكنولوجية، ونبحث في الأسباب المتعلقة بالمواقف المختلفة والأثار المترتبة على اعتماد حياتنا بشكل كامل تقريباً على التكنولوجيا، وأهمية وضع الحدود الشخصية في عالم افتراضي يزداد اتساعاً، وكيف يمكن للأشخاص المقاومين للتغيير التكنولوجي؛ ترتيب حياتهم الرقمية أيضاً.


ذات صلة


المشكلة في التكنولوجيا

هل هو خوف من التغيير، ولماذا يقاوم البعض التكنولوجيا؟
يشكك البعض من الموظفين هذه الأيام في التكنولوجيا الجديدة، وقد يكون السبب في ذلك، هو أن لديهم خبرة كافية لمعرفة.. كيف يمكن للتكنولوجيا أن تفسد العمل! وهناك ثلاثة أسباب قوية على الأقل ورواء مقاومة بعض الموظفين ورفضهم للتكنولوجيا، التي يتم إدخالها إلى مكاتبهم، وتلك الأسباب التي تستند إلى الكفاءة التقنية والخبرة؛ بدلاً من انتشار ما يمكن أن نسميه التكنوفوبيا (الخوف الخيالي من التكنولوجيا) [1] هي:

1- الخوف من التغيير: إذا لم تكن التكنولوجيا مصممة بشكل بديهي لمساعدة المبتدئين على العمل السلس من خلالها؛ فإنها مشكلة فعلية للعامل الذي يقاومها! وإذا لم تكن الوسائل التكنولوجية سيئة التصميم، فإن البرامج الداعمة ستساهم في تعليم سريع لهؤلاء الأشخاص، فعلى الرغم من خوف البعض من التغيير، إلا أن الكثير من التقنيات هي مجرد هراء ومضيعة للوقت وتثبت الطرق التقليدية تفوقاً عليها، لذا فإن رد الفعل الإيجابي لرفض الموظفين التعامل مع التكنولوجية، ما هو إلا فرصة لأرباب العمل والشركات، كي تحسن وتطور ما تدخله من وسائل وتقنيات حديثة على خطوط إنتاجها.

2- المشكلة في تطوير الإصدارات: نظراً للمعاناة من سوء بعض إصدارات التكنولوجيا؛ فإن الموظف قد يرفض تحميل الإصدارات الأحدث لبرنامج ما؛ خشية التعرض للمزيد من المشاكل بعد التعامل معها في البداية وإيجاد الحلول لها، وهذه الميزة الزاحفة للتطور التكنولوجي تزيد الطين بِلة، وتكون العواقب سيئة على الموظف ونتاج العمل في آن معاً، فلنأخذ مثالاً في أرشفة السجلات الطبية بشكل الكتروني أو المعاملات الورقية للأملاك العقارية، حيث تأخذ وقتاً من الموظف حالياً على حساب تسيير شؤون المواطنين، وبعد أن يتم التعامل مع المشاكل المبدئية، قد يسبب الإصدار التالي والأحدث لبرنامج العمل؛ مشكلات جديدة تحتاج إلى حلول جديدة ومختلفة!

3- هل تؤذي التكنولوجيا الموظف!؟ نعم.. من خلال توليد ضغوط عاطفية إضافية أو حالات مرضية متكررة بسبب الإجهاد، حيث لا يحارب الموظفون هذه التكنولوجيا بسبب شعورهم أنهم غير جيدين في استخدام هذه التكنولوجيا، بل يحاربونها لأنها تؤلمهم.. حرفياً!.
فقد لا تسهل بعض التقنيات مهام الموظفين، بل قد تأتي بنتائج عكسية، لنأخذ مثالاً على عمل الروبوتات في مجال البيع في الأسواق الكبرى، ففيها تأثير جانبي غير متوقع، فإلى جانب فقدان بعض العمال وظائفهم، سيفقد آخرون الحيوية في عملهم! من خلال تحفيز الكفاءة المفرطة، حيث حرمت الآلات الموظفين من المهام التي استخدموها لإيجاد متعة، وحددت مهامهم بتدريب زملائهم الجدد على التعامل مع الروبوتات!.
وهكذا في حلقة مفرغة من الإجهاد، ولن نخوض في سلبيات الذكاء الصنعي على مستقبل الإنسان، وما تخبرنا به التجربة حتى الآن؛ هو أن الشكوك الصحية حول التكنولوجيا، هي أكثر من مبرر كلما اقترح أي شخص إدخال تكنولوجيا جديدة في مكان العمل، لأن التظاهر بأن المشكلة هي أن الموظفين؛ يخافون التغيير.. ربما هو شيء غبي إلى حد كبير!... خاصة إذا لم يحاول أرباب العمل فهم السبب الحقيقي لهذه المشكلة.
 

ذات علاقة


ترتيب الحياة الرقمية

كيف يمكن ترتيب حياتك الرقمية التي لن تتخلى عنها؟
لن أتخيل فوضى حياتي الرقمية؛ إلا في شكل منزلي عندما يكون حوض غسيل الصحون مليئاً بالأطباق القذرة والغسيل منثور على كامل الأرض، كذلك تمتلئ الشرفة ومدخل المنزل بالتراب والحصى... الخ، مشهد رعب تعانيه ربما بعد أن تفتح مثلاً صندوق الوارد في بريدك الإلكتروني! 
لا نستطيع التخلي عن التكنولوجيا، على الرغم من أنها قد تسبب مشكلة كما تابعنا أعلاه، لا سيما إذا دخلت في كل تفاصيل حياتنا، كما لن نقاوم أو نقاطع كل هذه التقنيات العجيبة، لكن لنكن منطقيين ونرتب حياتنا الرقمية، حتى يأتي اليوم الذي نستطيع فيه التحكم بحياتنا الافتراضية كاملة ووضع الحدود التي تجعلنا نعيش بسلام.
ما أفعله عادة (متابعة للحديث عن تشوش حياتي الرقمية انطلاقاً من البريد الإلكتروني، وليس انتهاءً مع الدورات التدريبية التي سجلتها عبر الشبكة!)، هو أن أمسح بعض الوارد وأتجاهل غيرها؛ لأشعر براحة مؤقتة، يقض مضجعها كل عملية اطلاع تالية على صندوق الوارد، لذا دعنا نتعلم معاً كيفية ترتيب حياتنا الرقمية، بحيث لا نقاوم ولا نرفض ولا نلغي بشكل كامل حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي [2]:

- توليف التكنولوجيا في حياتك إلى حدودها الدنيا: لم أكن أعلم قبل ثمانية أشهر عندما ألغيت تفعيل معظم حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مدى التشوش والفوضى التي أصابت حياتي الرقمية، حتى لحظة البدء بإعداد هذا المقال، واليوم بعد أن أعدت تفعيل هذه الحسابات، لم أفعّل التطبيقات على هاتفي الذكي ويقتصر تصفحي لها لمدة أقل من نصف ساعة كل يومين أو ثلاثة من خلال فتحها على جهاز الكمبيوتر، بذلك قللت تعرضي لإشعارات الفيسبوك مثلاً، والتي كانت تهاجمني كل لحظة عبر الموبايل، كما قمت بما أحاول شرحه لك في هذه النقطة هنا، وهي تقليل حدودي التكنولوجية للحد الأدنى ولو بمثال بسيط! فأنا في النهاية لست مطوّرة تصاميم أو مواقع وما إلى ذلك من الاختصاصات التقنية، التي تأخذ كامل وقت الشخص المتخصص بها.
بالنتيجة ما أحاول قوله أنه من خلال تبني فلسفة البساطة الرقمية، يمكننا استعادة وقتنا واهتمامنا وعلاقاتنا.. الخ، وبطبيعة الحال من السهل مسح وتنظيف بيئتك الرقمية، فحتى لو قمت بحذف كل تطبيق على هاتفك، لن يحدث شيء ويمكنك فقط إعادة تثبيت تلك التي تستخدمها بشكل ضروري ولا يمكنك الاستغناء عنها.

- إزالة العناصر غير الضرورية: كما في مثالي السابق، بحذف التطبيقات غير الضرورية عن هاتفك وكمبيوترك، كما تقوم بتنظيف منزلك سنوياً قبل العيد؛ امسح سجل المتصفح الذي تستخدمه بشكل دائم للبحث عبر الانترنت، وقم إلغاء الاشتراك في النشرات الإخبارية والبودكاست والمدونات، وأي شيء آخر لا تستفد منه، في قائمة وارد بريديك الإلكتروني.
كذلك لا تصرف أكثر من نصف ساعة أو ساعة على الرد وإجابة الرسائل الواردة والضرورية فقط، لا تستثنِ شيئاً إذا لم تكن بحاجة إلى إصدار جديد من تطبيق تستخدمه فعلياً على الهاتف أو الكمبيوتر المحمول.. قم بإلغائه! وما لم تكن مصوّراً محترفاً وهذه هي مهنتك؛ لن تنتهي حياتك إذا توقفت أسبوعاً أو حتى شهراً كاملاً؛ عن نشر صورك اليومية عبر انستغرام!

- كيف تقرر إزالة بعض العناصر وإبقاء غيرها: ضع في اعتبارك أن التكنولوجيا أمر اختياري، وما لم تكن إزالة بعض التطبيقات المؤقتة؛ مؤذية لحياتك المهنية أو تعطلها بشكل كبير (كأن يكون عملك اختصاصي تسويق على مواقع التواصل الاجتماعي)، فلا تتردد في إزالة ما لا تحتاج إليه، وعندما تقلل من تدفق المعلومات إلى حياتك؛ ستزيد من إنتاجك.

- الحد من تأثير إلهاء التكنولوجيا: إمكانية الوصول والتشتت عبر التقنيات التكنولوجية مغرية؛ بسبب سهولة الوصول إليها، ولأن فترة الصباح هي الأكثر إنتاجية بين معظم الناس، يمكنك إيقاف بث الانترنت عبر جوالك، بذلك تحد أسباب التشتت والانحراف، وتكسب نهارك كاملاً من البداية، ولأن قوة الإرادة لا تعمل دائماً لدينا، هناك تطبيقات تكنولوجيا غاية في الأهمية لحظر عوامل التشتت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً، والتي يشبه الكثيرون إدمانها بإدمان السجائر! وأنت لا تضع ضمن جدولك اليومي وقتاً لتدخين السيجارة، لكنك تشعر بالرغبة بها فقط، هذا هو حال مواقع التواصل الاجتماعي.. أليس كذلك؟!.
لذا امنح نفسك القدرة على التركيز ومعرفة كيفية قضاء وقتك، حيث يمكنك ترك هاتفك الجوال خارج غرفة نومك وقت النوم، وخارج مكتبك أثناء العمل، وخارج المطبخ أثناء الطبخ.. الخ.

- تصميم حياة رقمية تعطيك السعادة: تخيل سطح هاتفك وكمبيوترك حقيقي وأمامك على الطاولة وهو مليء بكل هذه التطبيقات ومشتت بكل الإشعارات الواردة، عليك أن تحتفظ بالضروري فقط، وما يقع عليه اختيارك ومهم لحياتك وعملك أيضاً، حتى مع الصورة التي تضعها كخلفية لشاشة الهاتف أو اللابتوب...

في المحصلة.. مخرجك من هذه الفوضى هو الاستهلاك المتعمد للتكنولوجيا، فتخيل حياتك الرقمية كمنزل جديد تبنيه من الألف إلى الياء، وعليك التعامل مع المعلومات التي تستهلكها مثل الطعام الذي تأكله.
 

نصائح لمقاومي التكنولوجيا

نصائح لكل شخص يرفض التعامل مع التكنولوجيا
بعد أن قمت بترتيب وإعادة تصميم حياتك الرقمية وفقاً لاختياراتك؛ لن تقاوم التكنولوجيا ويمكنك كنظير موازٍ لحياتك الرقمية أن تقوم بالخطوات التالية:

- حمل دفتر الملاحظات: إنه الرفيق المثالي للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وخدمات وتطبيقات إدارة الملاحظات الافتراضية والبرامج الرقمية، التي تحاول ألا تكون عبداً لها، فالكتابة اليدوية من أهم الطرق في التحكم بعوامل التشتيت الرقمية، ومنبر فعلي للخيال والتخطيط وترتيب حياتك الخاصة والمهنية كما تريد.

- قراءة الكتب الورقية: فنحن جميعاً نقوم باحتواء مئات نسخ (PDF) من الكتب، لكن الكتب الورقية أثبتت قوتها أمام النسخ الالكترونية وقدرتها على الاحتفاظ بالتركيز أثناء تصفحها وقراءتها.

- التواصل الحقيقي: لدينا مئات الأصدقاء الافتراضيين، والكثير منهم يتفاعل ويتعاطف معنا عن بُعد، لكن لا شيء يعوض التواصل الإنساني الحقيقي، يمكنك أن تبدأ كخطوة أولى في لقاء أصدقائك على موقع فيسبوك؛ بشكل شخصي وبالتأكيد أولئك المقيمين معك في نفس المدينة أو المنطقة الجغرافية.

في النهاية... عند ترتيب حياتك الرقمية؛ ستتغير حياتك كاملة للأفضل، ستعمل على إدارة يومياتك ووقتك، كما سيكون لديك علاقات أعمق.. وستحقق تقدماً في أهدافك بكل تأكيد، شاركنا رأيك من خلال التعليق على هذا المقال.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال سو شلنبرغر Sue Shellenbarger، "كيف يمكن لبعض الموظفين مقاومة التكنولوجيا"، منشور على موقع wsj.com، تمت المراجعة في 06/08/2019
[2] مقال سرينيفاس راو Srinivas Rao، "سحر التغيير في حياتك الرقمية"، منشور على موقع medium.com، تمت المراجعة في 06/08/2019