تأثير تعامل الأهل السلبي على الطفل

الأثار النفسية الناتجة عن سلوكيات التعامل السلبية مع الطفل، التأثير النفسي لإساءة معاملة الطفل وإهماله، كيف تتجنب السلوك السلبي مع طفلك؟

تأثير تعامل الأهل السلبي على الطفل

تأثير تعامل الأهل السلبي على الطفل

قد لا تدرك أن بعض الممارسات السيئة في التربية؛ تلحق الضرر بأطفالك أكثر مما تنفعهم، سواء حدث ذلك دون عمد أو بشكل مقصود، وسواء كنت تتبع أسلوب تربية حديث أو تقليدي، سنقدم لك في هذا المقال أبرز الآثار النفسية التي يعاني منها الطفل بسبب سلوكيات التربية الخاطئة والتعامل السلبي مع الطفل، وكيفية تجنب السلوكيات السيئة في التعامل مع الطفل.

سلوكيات التعامل السلبية التي تدمر شخصية الطفل
قد تمارس بعض السلوكيات السيئة على طفلك، دون أن تدرك ذلك حتى! بالمناسبة.. أتذكر قولاً شائعاً وكثيراً ما سمعته من أمهات يقمن بالردّ على من يتدخل في أساليبهن القاسية أو السيئة أحياناً بتربية أطفالهن، فيقلن بما معناه: "انظر إلى جارتي.. وهي تشفق على طفلي أكثر مني!"، بالطبع يكون قول ذلك باللهجة المحكية؛ أقسى وطأة ومليئاً بنوع من الحقد من قبل الأم!.

المهم ما أريد طرحه من خلال ذكر هذا المثال؛ بأنك لا بد أن تكون منفتح الروح قبل الذهن، كي تتقبل الحديث عن التأثيرات النفسية القاسية، التي تتركها بعض سلوكيات تربيتك على أطفالك (وهي على الأغلب غير مقصودة ومتعمدة من قبلك، ولن نكون الجارة التي تشفق على أطفالك أكثر منك!).

لنتعرف بداية على بعض من أبرز السلوكيات السلبية التي تسيء لطفلك، وقد أفردنا لبعضها مقالات سابقة ستجد روابطها أثناء القراءة، وهي سلوكيات التعامل التي تترك الآثار النفسية على شخصية الطفل الآن وفي المستقل كشخص بالغ:

- الإهمال العاطفي الطفل: يحمل الإهمال العاطفي تأثيرات نفسية على شخصية الطفل، قد تستمر أو تظهر حتى مرحلة متقدمة من عمره، ويمكنك الاطلاع على هذه الآثار في مقالنا السابق حول؛ التأثيرات بعيدة المدى للإهمال العاطفي على شخصية الطفل.

- الصراخ على الطفل: يُعتبر الصراخ من أكثر السلوكيات السلبية ضرراً لنفسية الطفل، حتى أن هذا التأثير المضرّ يفوق تأثير صفعة على وجه ابنك الصغير! ويمكنك أن تراجع مقالنا السابق حو تأثير الصراخ على الطفل.

- المبالغة في حماية الطفل: كذلك تعد من أكثر السلوكيات التي تضرّ بشخصية الطفل وتترك آثارها عليه إلى مراحل متقدمة من حياته، وقد تناولنا تفاصيل التأثيرات النفسية لمبالغة الوالدين في حماية الطفل في مقال سابق أيضاً.

- عدم وضع القيود في تربية أطفالك: من السلوكيات السلبية التي تترك تأثيرها على الطفل، لأنه لو أخطأ ولم يعرف لماذا، أو فعل شيء لا تريد منه أن يفعله دون أن يعلم سابقاً هذه قواعدك للانضباط وما الذي تتوقعه منه؛ ستكون أنت المسؤول.. فأنت لم تحدد قواعد للطفل مسبقاً ولم تقم بتعريفه على عواقب سلوك مرفوض من قبلك، (اطلع على مقالنا حول أهمية وضع قواعد في البيت للطفل).

- النقد الموجه للطفل: أي كان شكله سيكون النقد للطفل لاذعاً ويؤثر بشكل سلبي على شخصيته، وحول تأثير النقد السلبي يمكننا أن نقرأ في استشارة خبيرة موقع حلوها، الأخصائية النفسية في تربية الطفل الدكتورة هداية، أثناء الرد على استفسار إحدى صديقات الموقع لحل مشكلة الخجل لدى طفلها:
"يجب عدم مقارنة شخصية الطفل بالأطفال الآخرين لأن ذلك يعزز خجله، وعدم نقده أمام الآخرين، بل الاكتفاء بالمدح والتشجيع من أجل أن يكون ذلك دفع الطفل وتنمية ثقته بنفسه، فالنقد يعمل على هدم شخصيته".

- معاقبة الطفل على مشاعره الصعبة والسلبية: مثل صراخك على طفلك لكثرة بكائه، دون معرفة السبب الحقيقي وراء دموع الطفل، خاصة في عمر أصغر من قدرته على التعبير عن مشاعره، بحيث يمكن أن يزداد الأمر سوءاً بأن تقوم الأم بضرب الطفل، مما يمنع الطفل من تطوير مهارات التواصل والقدرة على التعبير عن مشاعره الصعبة.

- أخذ القرار عن الطفل: وهو أكثر السلوكيات الخاطئة التي تحول دون تربية طفل يعتمد على ذاته، وقادر على تطوير شخصية مستقلة، حتى لو كان الأمر بسيطاً باعتقادك وأنك تقوم بالاختيار عن طفلك لأنه خجول أو متردد، عليك أن تمسك نفسك قليلاً وتفسح المجال أمامه ليعبر عن رغبته.

- تنمية الخوف والتردد والشك لدى الطفل: تنمو نبتة التردد وتكبر لتولد الشك، فيجتمع الاثنان معاً في ترسيخ الخوف لدى الطفل، هذا ما تقوم به عندما تربي طفلاً يخاف من الفضول للتعلم والاستكشاف والتجريب، من خلال أساليب تخويف الطفل وتربيته على أساس إرعابه وزرع الهلع في قلبه، بحجة إبعاده عن الخطر!

- تحميل الطفل مسؤولية وذنب إحباط وكآبة والديه: "أنت السبب في أني بقيت مع والدك"، هذه من أقسى العبارات التي يمكن أن تقولها أم لطفلتها أو طفلها، عندما تغضب من الأب! وفي الاستشارة التي تقدمها الاختصاصية النفسية في تربية الطفل على موقع حلوها الدكتورة هداية لأم طفل يبلغ من العمر سنتين فقط، تقول الأم أن طلفها سبب بكائها بشكل يومي؛ أهم ما في استشارة الدكتورة هداية نقرأ التالي:
"احتواء الطفل وتعزيز شعوره بالاستقرار الأسري والأمن، لذا يجب أن تكون الخلافات الزوجية بعيدة عن الطفل، لأن ذلك يزيد من الأثار السلبية عليه، وحاولي ممارسة جلسات الاسترخاء للتخلص من التوتر العصبي الذي تعانين منه، لأن ذلك ينعكس سلباً على طريقتك في التعامل مع ابنك".

- الحب المشروط: تفترض أن الطفل سيفهم حبك الذي عليه دفع مقابله لك من خلال السلوك الذي تفضله أنت والتصرف بالطريقة التي تحبها أنت؛ دون أن يعرف الطفل ما الذي تريده منه أساساً! أو وجود توقعات عالية من الطفل، مما يؤثر على نفسية الطفل ويشكل ضغطاً كبيراً عليه.
 

ما هي الآثار النفسية للسلوكيات السلبية على الطفل؟
كي تربي طفلاً واثقاً من نفسه ومتوازناً في محبة ذاته ومعتمداً على نفسه بشكل صحي، يحتاج طفلك إلى الدعم والدفء والحب والانضباط وتأسيس هيكلية واضحة لحياته، من خلال الإرشاد المناسب لأنك الشخص الوحيد الذي يثق به، لكنك من خلال السلوكيات السلبية التي تحدثنا عن بعضها أعلاه، ستؤسس لتأثيرات سلبية أيضاً، تضرّ بحياة طفلك الآن، ربما يمتد هذا التأثير طوال حياته!.

فيما يلي أكثر التأثيرات النفسية للسلوكيات السلبية على الطفل [1] [2] [3]:
- عدم الثقة وصعوبة تشكيل العلاقات: فإذا لم يثق الطفل بوالديه، بمن يمكنه الوثوق!؟ سيكون من الصعب عليه تعلم الثقة بالناس أو معرفة من هو الجدير بالثقة، بالتالي تصبح لديه صعوبة في الحفاظ على العلاقات في مرحلة البلوغ، أو يدخل في علاقات غير صحية لأنه لم يعرف ماهية العلاقة الجيدة.

- يتعلم الطفل أنه لا قيمة للمشاعر المهمة: إذا قيل للطفل أنت "غبي" أو "غير جيد"، فمن الصعب للغاية التغلب على هذه المشاعر التي تأسست لديه عندما يكبر، قد يهمل تعليمه مثلاً أو يستقر في وظائف منخفضة الدخل لأنه لا يعتقد أنه يستحق أكثر من هذا! 

- مشكلة تنظيم العواطف: لا يمكن للطفل التعبير عن المشاعر بأمان، لأنه يُعاقب إذا بكى أو غضب أو شعر بالحزن، ويمكن أن يصارع مع القلق والاكتئاب أو الغضب غير المبرر مستقبلاً كشخص بالغ، وقد يلجأ إلى التدخين أو تعاطي الكحول أو المخدرات لتخدير هذه المشاعر المؤلمة.

- يكون الطفل متأهباً بشكل اعتيادي للاعتماد على نفسه (أي الانطواء): وخاصة في ظل تعرضه للإهمال العاطفي واللامبالاة من قبل والديه أو أحدهما.

- قد يخشى الطفل الاعتماد على الآخرين: وغالباً ما يكون طفلاً منطوياً على ذاته، وتصبح لديه كشخص بالغ مشكلة في الانفتاح العاطفي على الآخرين.

- يشعر الطفل بالخوف أو القلق: أو التوتر بسبب نقص الدعم الأسري، أو بسبب المبالغة في حمايته، والتي تنمي لدى الطفل شعوراً بقلة الكفاءة الذاتية أيضاً.

- يميل الطفل لإظهار حالات العجز: في الإدراك والتعلق والمهارات العاطفية والاجتماعية، لأن الطفل يحاول إسعاد والديه، ويحمل مسؤولية إحباطاتهم! بالتالي يستمر في لعب هذا الدور عند بلوغه وفي أي علاقة خلال حياته.

- بالإضافة للتأثيرات النفسية الكامنة لدى الطفل بسبب السلوكيات السلبية: يميل الطفل أيضاً للجنوح خلال فترة المراهقة، بالضرورة قد تزداد لديه مخاطر إدمان التدخين وتعاطي المخدرات أيضاً.
 

الحد من سوء معاملة الطفل (لا تعلم أبنائك ما تعلمته من والديك)
تأتي المعاملة السلبية للطفل غالباً؛ من والدين لا يقصدان الإساءة لأبنائهم، لكنهم متأثرين بما تربوا على أساسه من قيم عمقت لديهم سلوكيات التربية السيئة لذريتهم، وإن كنت من هؤلاء الأبوين؛ فيمكنك التوقف عن السلوك السلبي في تربية أطفالك، من خلال تحسين مهاراتك الوالدية لديك، وتحسين مهاراتك في حل المشكلات، كذلك تحفيز سلوك الأطفال الإيجابي وليس فقط من خلال الامتناع عن سوء معاملة الطفل والحد منه [4]؛ بالتالي يمكنك عندها ألا تنقل لأبنائك أساليب التربية المسيئة التي أخذتها عن والديك.

لو توفرت لدينا أسوة ببلدان متطورة؛ برامج تثقيف وخطط دعم للوالدين في تعزيز مهارات الأبوة والأمومة؛ لكان من السهل على الأب أو الأم التي تسيء التعامل مع أطفالها دون قصد، أن تعمل على تغيير هذه السلوكيات المسيئة، من خلال تطوير وممارسة تقنيات الانضباط الإيجابي، وتعلم مهارات المساهمة في نماء الطفل بشكل مناسب لعمره، كذلك تشجيع اللعب والتفاعل الإيجابي بين الآباء والأمهات وبين أطفالهم [5].

رغم ذلك لن نفقد الأمل، وريثما تتوفر لدينا مثل هذه البرامج الداعمة للوالدين في تربية الأبناء بعيداً عن السلوكيات المسيئة، يمكنك دائماً استشارة الخبراء والأصدقاء والأقارب، ممن لديهم نتائج لتجارب ترى أنها مناسبة وإيجابية في تربية أبنائك بعيداً عن السلوكيات السلبية التي تربيت على أساسها.

كما يمكنك أن تبدأ بمنح طفلك فرصة التصرف بشكل جيد، من خلال وضع عواقب لسلوكياته التي قد تقودك للتعامل بسلبية معه، وخاصة بعد أن يبلغ الطفل عمر 3 سنوات، وعليك أن تتعلم كيفية إدارة مشاعرك القوية مثل الغضب، كي تتجنب توجيه الإساءة والأذى النفسي لطفلك، ومثلاً من خلال التزامك الهدوء أو أخذ نفس عميق عندما تشعر بالغضب من تصرف الطفل أو حتى المشي والتحرك بهدوء؛ أنت بذلك تقدم لطفلك مثالاً مهماً على كيفية التصرف عندما لا يستطيع التعبير عن مشاعره الصعبة بسهولة.

تذكر دائماً.. أن طفلك لا يفهم من سلوكك السلبي معه إلا عبارة: "أنا غاضب منك ولا أحبك وأنت سبب كل مشاكلي في الحياة"، فكر جيداً بكل تصرف مسيء لأطفالك قمت به حتى اليوم، وحاول إصلاح علاقتك بهم.

الشيء بالشيء يذكر؛ شاهد بالفيديو كيف يمكن تحويل الخلافات الزوجية أمام الأطفال إلى دروس مفيدة وفرصة لتنمية مهارات الطفل بدلاً من تدمير شخصيته وإلحاق الأذى النفسي به

في النهاية.. لا يسعنا إلا تذكر ما قاله الكاتب الإنجليزي أوسكار وايلد: "يبدأ الطفل بحب والديه، ومع مرور الوقت يحكم الطفل على والديه... ومن النادر أن يسامحهما"، فهل تريد تربية طفلك ليكون صديقك في المستقبل؟ أم أنك ستعيش لترى الآثار النفسية، التي تركتها أساليبك السلبية على شخصية طفلك، والعلاقة بينكما؟ شاركنا رأيك من خلال التعليق على هذا المقال.
 

[1] مقال Kendra Cherry "الأبوة والأمومة اللامبالية"، منشور على موقع verywellmind.com، تمت المراجعة في 20/01/2020
[2] مقال "إساءة معاملة الطفل وإهماله"، منشور على موقع helpguide.org، تمت المراجعة في 20/01/2020 
[3] مقال "سلوكيات الأبويين السيئة التي تضر بالطفل عندما يكبر"، منشور على موقع businessinsider.com، تمت المراجعة في 20/01/2020
[4] دراسة Jeanne Gubbels "فعالية برامج تدريب الوالدين فيما يخص إساءة معاملة الطفل 2019"، منشورة على موقع ncbi.nlm.nih.gov، تمت المراجعة في 20/01/2020
[5] دليل "برامج تعليم الوالدين" منشور على موقع childwelfare.gov، تمت المراجعة في 20/01/2020