تحدثنا في مقالات سابقة حول بعض مهارات الحياة التي يحتاجها الطفل لحاضره اليوم وفي مستقبله؛ وذكرنا الأبوة والأمومة الإيجابية في أكثر من مناسبة، لكن ما هو مفهومها؟ ما هي مبادئ تطبيقها الأساسية في تربية الطفل؟ ثم ما هي الإيجابية التي تعود عليك، إذا كنت من الآباء أو الأمهات الإيجابيين؟ هذا ما نتعرف عليه من خلال مقالنا.


محتويات المقال (انقر للانتقال):

1- التربية الإيجابية
2- مبادئ التربية الإيجابية
3- فعالية التربية الإيجابية
4- المصادر والمراجع


التربية الإيجابية

هل يمكن أن تكون الأبوة والأمومة الإيجابية.. إيجابية!؟
الشرط الوحيد لتربية الأطفال الإيجابية؛ هو الالتزام (الاستمرارية والثبات).. هذا ما تقوله المدربة المتخصصة بالأبوة والأمومة؛ أيمي ماكريدي[1]، حيث تضفي الإيجابية على تربية الأطفال معايير واقعية من خلال استخدام توقعات واضحة، وتمكين الأطفال من أن يصبحوا مرنين وقادرين للاعتماد على أنفسهم، حيث درس عالم النفس أرثر أدلر[2]؛ في أوائل القرن العشرين، الصورة النمطية التقليدية للأطفال "يجب مراقبتهم لا سماعهم"، ورغم صعوبة تغيير هذه الصورة، فإن أدلر أكد أنه: "يجب معاملة الأطفال باحترام".. هذا مناقض تماماً للنظرة المجتمعية المشتركة للطفل حينها، وهو اليوم مبدأ مقبول على الرغم من صعوبة تطبيقه في تربية أطفالنا.. على الأغلب!

إن تطوير منهجية الانضباط الإيجابي، بأن يكون الوالدان حازمين أولاً، كي لا تتحول التربية إلى مصدر للمشكلات العاطفية والسلوكية لدى الأطفال؛ هو المبدأ الذي تقوم عليه الأبوة والأمومة الإيجابية، فإلى جانب تطويره مبادئ أدلر باحترام الطفل؛ نصح الطبيب النفسي والمربي رودولف دريكيرز (Rudolf Dreikers)؛ الأمهات والآباء "بتجنب إفساد الأطفال بالدلال، لأن استراتيجيات الأبوة والأمومة الإيجابية (لأن تقنياتها إن لم تُطبق بشكلها الصحيح)؛ تؤدي فقط إلى خلق المزيد من المشكلات مثل: مشاعر الاستحقاق والأنانية عند الطفل، كذلك التركيز على الذات فقط، وقلة التعاطف مع الآخرين.. الخ".


مبادئ التربية الإيجابية

ما هي المبادئ التي تستند إليها الأبوة والأمومة الإيجابية؟
يجب أن يكون الوالدين حازمين وحنونين، بمعنى متماسكين ومتعاطفين؛ أمام أطفالهم.. وهنا نأتي على مبادئ الأمومة والأبوة الإيجابية على الشكل التالي: 

المبدأ الأول: شعور الطفل بالانتماء والقيمة: بمجرد أن يتحقق للطفل حاجات المأكل والملبس والمأوى؛ تكون حاجاته الأساسية هي التالية لذلك، بالانتماء والشعور بالقيمة والأهمية، فما الذي يعينه الانتماء بالنسبة للطفل الصغير؟.. الانتماء هو الشعور بأنك مطلوب ومتصل مع الآخرين، لأننا كبشر نتوق إلى أن نكون جزءاً من شيء أكبر من أنفسنا، وبالنسبة للطفل؛ يعني الانتماء الشعور بالترابط العاطفي مع الأشخاص المهمين في حياته ويقينه بمدى ملائمته لهم، فغالباً ما يتأثر إحساس الطفل بالانتماء، عندما تحدث تغييرات كبيرة في حياته، مثلما يحدث عند ولادة (أخ أو أخت) جديد، حيث يمكن أن تؤدي هذه الأنواع من التغييرات إلى سلوكيات نكوص لدى الطفل، بالتالي إذا فهمت من أين تنشأ هذه السلوكيات، ستتمكن بطبيعة الحال من معالجتها بفعالية، أما عن شعور الطفل بالقيمة والأهمية؛ يحتاج الطفل إلى معرفة أنه يمكنه إحداث فرق وتأثير في الأسرة، من خلال تقديم مساهمات ذات مغزى، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون قادراً على ممارسة سلطته الشخصية على عالمه الصغير، وهذه قوة.. وكل إنسان (طفل وبالغ) لديه حاجة أساسية إلى القوة والإرادة الحرة لاختيار كيفية ممارستها، بالتالي إذا كان الأطفال غير قادرين على ممارسة إرادتهم الحرة بطرق إيجابية؛ فسوف يستخدمون طرقاً سلبية للحصول على السيطرة والتحكم، الذي يتوقون إليه من خلال سلوكيات: رفض التعاون، أو التحدث مع والديه مواربة أو بلؤم، أو القيام بعكس ما يُطلب منه، وافتعال المشاكل عن قصد، وغيرها من السلوكيات السلبية، التي تحركها القوة الكامنة لدى الطفل، ثم تدفع الوالدين إلى الغضب!

 المبدأ الثاني: كل سلوكيات الطفل موجهة نحو الهدف: كلها بما فيه السلبي والإيجابي، وهي ليست عشوائية أبداً؛ سواء رفض ابنك المراهق الدراسة للامتحان، أو عانيت من نزاعات لتناول وجبة الغداء مع طفلك في عمر الخامسة، أو عند وقت الذهاب إلى النوم.. الخ، سواء كان طفلك قادراً على التعبير عن الدافع وراء اختياره وسلوكياته، فيجب أن تعلم من خلال أبحاث أدلر؛ "أن السلوكيات السيئة هي ببساطة جهد الطفل لتحقيق الانتماء والأهمية"، وبمجرد أن نفهم أن السلوكيات السيئة، هي ملامح وأعراض وليست المشكلة الفعلية؛ يمكنك معالجة السبب الأساسي، بطريقة تؤدي في النهاية إلى تحقيق نتائج، وهذا لا يعني أن أساليب الأبوة والأمومة التي استخدمتها سابقاً كانت خاطئة، لكنها لا تعالج جذر المشكلة، ولكن.. ببساطة تداوي معظم أساليب التربية التقليدية؛ (مشكلة ذات جذور عميقة).. بشكل على سطحي، بحيث يمكن أن يحدث نزف في أي وقت ولأي سبب كان.

المبدأ الثالث: يتصرف الطفل المُحيط بشكل سيء: فالطفل الذي يسيء التصرف.. ليس طفلاً شريراً أو لئيماً أو وقح وعنيد؛ إنه ببساطة ذو عزيمة هابطة ومُحبط لسبب ما، ووفقاً لألفريد أدلر؛ يشير الإحباط بوضوح إلى أن احتياجات الطفل للانتماء والأهمية لا يتم الوفاء بها، فعندما يرفض طالب الصف الخامس الإصغاء، فهي الطريقة التي يعبر بها عن لسان حاله القائل: "لا أشعر بأنني أنتمي أو ليس لدي سيطرة كافية على حياتي الخاصة، وهذه هي الطريقة الوحيدة، التي يمكنني من خلالها إظهار ما أشعر به"، عندما يسيء طفلك التصرف؛ لا ينظر إليه على أنه سلوك سيء، بل صرخة طلباً للمساعدة، وبسبب شيء غير مناسب له أبداً، ولسوء حظ الأطفال، الذين لم يلمسوا طريقة إيجابية لتلبية احتياجاتهم العاطفية، فإنهم من الطبيعي أن يظهروا السلوكيات السلبية بدلاً من ذلك، وإذا استمرت مشاعر الإحباط لدى الطفل على فترات زمنية طويلة، فإنه يكرر السلوكيات السلبية الشائعة، وبمرور الوقت.. ترسخ لدى الطفل قناعة، بأن تصرفاته السيئة تجلب له الاهتمام الذي يبحث عنه، (حيث يتوق إليه أو يمنحه الشعور بالتحكم)، بالتالي عندما نغير تفكيرنا ونعترف بسوء السلوك، على أنه أحد ملامح أو أعراض مشكلة جذرية لدى الطفل، (قد تكون عاطفية طلباً للشعور بالقيمة والاهتمام)؛ بدلاً من رؤيتها على أنها فشل أو عيب في طفلنا، فسوف نرى تحسناً فورياً في سلوكه.


فعالية التربية الإيجابية

هل يمكنك الاعتماد على تربية الأطفال الإيجابية؟
الآن بعد أن تعرفت على المبادئ الأساسية للأبوة والأمومة الداعمة، يمكنك أن تستنتج: لماذا هي نافعة مع أطفالك، بغض النظر عن ظروفك، وبطبيعة الحال.. لدى جميع البشر نفس الاحتياجات العاطفية الأساسية التي يجب الوفاء بها (الانتماء والشعور بالأهمية)، وسواء كانت لدى الطفل احتياجات خاصة (إعاقة) أو أبوين مطلقين أو 10 أشقاء أو لا يوجد أشقاء أو اختلافات في التعلم أو مشكلة سلوكية؛ فإن لديهم نفس الاحتياجات العاطفية مثلهم مثل جميع البشر، والأبوة والأمومة الإيجابية.. لا تعتمد على أي عوامل خارجية لتكون ناجحة، بل تتطلب استعداد الوالدين أو أحدهما، لتلبية الاحتياجات العاطفية لطفلهم.
ونذكر أن أحد أكبر الفروق بين الأبوة والأمومة الإيجابية وأغلب طرق التربية الأخرى، هو أنها احترازية واستباقية، من خلال استخدام أدوات استراتيجية، بدلاً من الرد على سوء السلوك، بشكل تفاعلي.. ويمكن هنا أن تتساءل
- هل يجب أن أعاقب طفلي؟
- ماذا أفعل إذا كذب طفلي؟
- ما هي العقوبة لعدم قيام طفلي بواجباته المنزلية؟
- ماذا أفعل عندما يتشاجر أطفالي؟

إذا كنت تقضي رحلة الأبوة والأمومة في البحث عن طرق لرد الفعل على السلوكيات السيئة؛ سوف تكون أكثر إحباطاً وغريباً عن نفسك، التي وعدتها أنك ستربي أطفالك بطرق حديثة، حيث أنك لن تصل إلى جذر المشكلة، مما يعني استمرار الصراع على السلطة والتحكم، وفشل فرض دورك كأحد الوالدين.

في المحصلة.. الأبوة والأمومة الإيجابية تساعد الوالدين على الاستعداد بشكل استباقي وتجنب السلوكيات السيئة مستقبلاً، عن طريق تلبية الاحتياجات العاطفية لأطفالهم أولاً، حيث يمكنك أن تتخيل أن لدى الطفل دلوين! كل منهما لحاجة عاطفية مختلفة (الانتماء والاهتمام)، وإليك بعض الأمثلة لمساعدتك في ذلك: 
- يمكنك ملء دلو طفلك المنتمي؛ عن طريق قضاء وقت معه كل يوم، أو أن الطفل سيتصرف ويلفت انتباهك، عن طريق الأنين ونوبة غضب.
- يمكنك ملء دلو طفلك المهم؛ من خلال منحه الخيارات على مدار اليوم، وإشراكه في قرارات ذات مغزى تهم الأسرة ككل، أو سوف يمارس الطفل قوته من خلال سلوكيات جنونية مثل: (الصراخ أو رفض الاستحمام).
- يمكنك ملء دلو طفلك المنتمي؛ من خلال طمأنته بأنه محبوب ويلعب دوراً مهماً بين أفراد العائلة، أو أنه سيفقد قدرته للاعتماد على الذات، ويطلب منك مساعدته على ارتداء ملابسه كل صباح.
- يمكنك ملء دلو أهمية الطفل؛ بتمكينه من المساعدة في جميع الواجبات المنزلية (وفق المناسب لعمره طبعاً)، أو أنه سيشكو ويجادلك في كل صغيرة وكبيرة.

إذاً.. تشجع الأبوة والأمومة الإيجابية الوالدين؛ على ملء دلاء الانتماء والشعور بالأهمية، لدى أطفالهم كل يوم وفي كل لحظة، ومن خلال القيام بذلك.. سوف يقلل الآباء من ردود أفعالهم على سلوكيات أطفالهم، فحتى عندما تقوم بتلبية احتياجات أطفالك، فإنهم سوف يسيئون التصرف من وقت لآخر! لن تكون هناك عصا سحرية إذا بدأت بتطبيق الأسلوب الإيجابي في تربية أبنائك، لاسيما أن الطفل قد يتعب ويفتقر إلى التحكم مع كل تغيير يحدث في حياته.. مهما كان صغيراً، وهنا قد يفشل في إدارة مشاعره الكبيرة (قد يفرح كثيراً بتغيير أسلوبك معه وامتناعك عن معاقبته.. وقد يرتكب الأخطاء.. أمام مشاعره هذه!)، فاصبر.. ستقل هذه الحالات الانفعالية بمرور الوقت، لأن الآباء والأمهات الذين يستخدمون أساليب الأبوة الإيجابية، يقضون وقتاً أقل في التفاعل السلبي، ويمضون أطول وقت في التمتع بالأبوة والأمومة.

في النهاية.. في مقالات لاحقة أكمل الحديث عن هذا النمط التربوي الناجح، كذلك تقنياته وفوائده على المدى الطويل.. لذا شاركونا بآرائكم وأسئلتكم واقتراحاتكم من خلال التعليقات.


المصادر والمراجع:

[1] مقال. المدربة المتخصصة بالأبوة والأمومة؛ أيمي ماكريدي (Amy McCready) الأبوة والأمومة الإيجابية، منشور على موقع: Positive Parenting Solutions، تمت المراجعة في: 25/05/2019
[2] علم. النفس الأدليري لتعزيز مبادئ عالم النفس أرثر أدلر (Arthur Adler) في التربية الإيجابية للأطفال،  تمت المراجعة في 26/05/2019
 

ذات علاقة