لعلّكِ ممن ربطتهم الأقدار بشريك مريض نفسياً، ما يجعل السؤال الذي لا ينفكّ يتبادر لذهنك: كيف سيكون حال الزواج من مريض نفسي؟ ما هي صعوبات الزواج من مريض نفسي؟ وهل من الممكن أن يؤثر الزواج من مريض نفسي على مستقبل الأبناء وصحتهم؟ وهل يكون الحلّ عند اكتشاف المرض النفسي لدى الشريك الاستمرار في الزواج أم إنهاء العلاقة؟

نحاول في هذا المقال الإجابة على بعض ما قد يتبادر لذهنك حول الزواج من مريض نفسي، قد يكون مصاباً بالاكتئاب الذي ناقشناه سابقاً مثلاً، وسواءً كنت بصدد اتخاذ القرار والخطوة، أو إن اكتشفت هذا لاحقاً من خلال التعايش اليومي مع شريك مريض نفسياً، إن كان مصاباً بالوسواس القهري على سبيل المثال. وكنا سابقاً قد أشرنا لعدد من الاعتلالات النفسية وأعراضها وكيفية التعامل مع المصابين بها، كما في حالة انفصام الشخصية مثلاً. 


ذات صلة


صفات الزوج المريض نفسياً

كيف تعرفين أن زوجك مريض نفسياً؟ وما هي الصفات التي تميز الزوج المريض نفسياً؟
لعلّكِ تتساءلين بداية، كيف بوسعك معرفة أن الشريك الذي اقترنت به أو الذي تهمّين بالارتباط به مريض نفسياً. تختلط الأعراض في مرات كثيرة، ولربما يكون عارض منها آنياً أو مرتبطاً بفترة زمنية معينة من حياة الزوج، لكن المرض النفسي يتخذ صفة الديمومة، أي أنه ليس مؤقتاً ولا مصادفة، بل إن نبشت في مرات كثيرة في ماضي الزوج، ستجدين حينها أن للأمر جذور ترتبط بالطفولة والمرحلة المدرسية على وجه التحديد.

في ما يلي بعض الصفات التي بوسعك من خلالها معرفة ما إذا كان شريكك مريض نفسياً أم لا [2]و [1]:

  • في البداية، كثيراً ما يخدعك الشريك المريض نفسياً، من خلال الكلام المعسول والأحاديث المنمقة واللفتات العاطفية الجميلة، لكن سرعان ما ستتكشّف الأمور أمامك من خلال صفات عدة منها الشكّ، بل الشكّ المرضي في مرات كثيرة.
  • كثيراً ما يلجأ الشريك المريض نفسياً إلى الكذب من غير مبرّر، وبمبرّر، والكذب في تفاصيل لا لزوم لها، من قبيل تفاصيل الحياة السابقة أو مواعيد الخروج أو تفاصيل أخرى تتعلق بالصحة أو الوالدين وما إلى ذلك.
  • يميل الزوج المريض نفسياً إلى الدراما ولعب دور الضحية، والرغبة المكشوفة في تحويل حياتك إلى جحيم وإدخالك في دوّامة المتهم والمدافِع عن ذاته.
  • يُقدِم الزوج المريض نفسياً على اقتراف العنف اللفظي والجسدي، والنزوع نحو ارتكاب الجرائم، ويظهر ذلك من خلال محاولات الإيذاء ومن خلال استسهال الضرب والإهانة وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي.
  • كثيراً ما يُهدّد الشريك المريض نفسياً بالانتحار وإيذاء الذات، رداً على مواقف بعينها سواءً كانت مبرّرة أو لا.
  • لدى الزوج المريض نفسياً رغبة واضحة ومكشوفة في تدمير إيجابيات في حياتكما، من قبيل المشروع المادي أو مشروع الإنجاب أو حتى صورتكما الاجتماعية. ستشعر في مرات كثيرة كما لو كان الشريك المريض نفسياً يتعمّد إنهاء كل ما هو جميل وإيجابي؛ ليستمرّ في دور الضحية الذي جرى الحديث عنه آنفاً.
  • تظهر لدى الشريك المريض نفسياً علامات النزق غير المبرّر والغضب المستمرّ والتذمّر الدائم وعدم الرضا بصرف النظر عن أي جهد قد يقوم به الشريك الآخر لتسوية الأمر. وكثيراً ما سينخرط الشريك المريض نفسياً في مشاجرات مستمرة في كل مكان يذهب إليه، في المتجر والبنك والعمل وعند قيادة السيارة وفي المناسبات الاجتماعية وفي البيت. أي بمعنى أن النزوع نحو السلبية وتدمير الإيجابيات سيكون قائماً في مناحي الحياة كافة وليس على الصعيد الزوجي فحسب.
  • عدم وجود شكوى واضحة حين يصار للتحكيم بينك وبين الشريك المريض نفسياً. أي عدم وجود مبرّر واضح ومحدّد للمشاكل التي تنشب والتدهور الذي يعتري العلاقة.
  • لدى الزوج المريض نفسياً نزوع نحو الوِحدة والانطواء الاجتماعي، والانفراد في غرفة وعدم الرغبة في الاختلاط بالعائلة والشريك. وكثيراً ما يدخل الشريك المريض نفسياً في نوبات حزن وبكاء غير مبرّرة، وتحديداً إن وجدَ من حوله بمزاج مختلف عنه، وكثيراً ما سيحمل هذا النزوع صفة جلب الاهتمام نحوه.
  • يعاني الشريك المريض نفسياً من كثير من الخيالات المريضة والتهيؤات والهلاوس والسيناريوهات التي تدور حول الشكّ والريبة ووجود مؤامرة تحاك ضده، وكثيراً ما ستظهر عليه علامات جنون الريبة التي تدور حول أنه محور الكون وأن كل ما يحدث هو بقصد النيل منه.
  • قد يقوم الشريك المريض نفسياً بتصرّفات غريبة من قبيل المشي من دون ملابس أو ترك الموقد مشتعلاً أو ترك حوض الاستحمام حتى يفيض بالماء. ستدور معظم هذه الاعتلالات حول سوء تقدير المواقف والكميات والتوقيت المناسب للتصرّف.
  • كثيراً ما يحاول الزوج المريض نفسياً إيذاء الأطفال والأبناء، بغضّ النظر عن شريحتهم العمرية، ويكون ذلك من خلال إيذائهم جسدياً ولفظياً ومعنوياً.
  • ثمّة ميل واضح لدى الشريك المريض نفسياً نحو الانخراط في علاقات غير سويّة مع آخرين أو أخريات، والدخول في متاهات أخلاقية مثل إدمان الكحول والمخدرات والعلاقات خارج إطار الزواج.
  • يحدث أن يهمل الشريك المريض نفسياً الوظيفة ومصدر الدخل وأن يترك العائلة تواجه التزاماتها المادية والاجتماعية وحدها، وعدم الاكتراث بذلك.
  • كثيراً ما ستجد حين تنبش في ماضي الشريك المريض نفسياً أنه عانى سابقاً من متاعب نفسية واجتماعية في طفولته وخلال مرحلة الدراسة.
  • يصعب على الشريك المريض نفسياً الاعتراف بالخطأ أو تحمّل مسؤولية أي عمل يقترفه، بل هو ينحى باللائمة كلياً على الطرف الآخر.
  • في العادة، يكون الشريك المريض نفسياً مفرطاً في الحساسية في التعامل مع أي شأن يتعلق به. كل كلمة سيقولها الآخر وكل تصرف سيكونان في موضع الاهتمام والتشكيك بالنوايا، وتصوّر أن هنالك محاولة للنيل من كرامته.
  • يفتقر الزوج المريض نفسياً للباقة الاجتماعية، بل لأبسط المهارات الاجتماعية في معظم المرات. لذا، لن يكون غريباً أن يتسبّب هذا الشريك المريض نفسياً بالحرج للطرف الآخر في مناسبة اجتماعية ما حين يصنع مشكلة أو يُحدِث صِداماً مع أحد ما أو يلقي نكتة سمجة أو تنطوي على تلميحات قذرة في محفل اجتماعي رصين أو حزين مثلاً.

ذات علاقة


مخاطر الزواج من مريض نفسي

ما الذي عليك توقّعه من الشريك المريض نفسياً؟
لن تكون الحياة طبيعية أو سهلة كما قد تظنين، حين يكون الظرف هو الارتباط بشريك مريض نفسياً. عليك أن تضعي في حسبانك أمور عدة إن ارتبطت بزوج مريض نفسياً.

في ما يلي بعض ما يجدر بك توقّعه عند الزواج من مريض نفسياً [1] و [3]:

  1. قد يكون للأمر علاقة بالوراثة، سواءً كان الأمر يتعلّق بخلل دماغي أو عصبي أو نفسي، حينها يجدر بك أن تضع في الحسبان أن زواجك من شريك مريض نفسياً قد يجعل الفرصة قوية لظهور اعتلالات من هذا القبيل لدى الأبناء.
  2. الزواج من مريض نفسي سيحرمك من حياة زوجية طبيعية، سواءً كان هذا الصعيد العاطفي أو النفسي أو الجسدي. لن يكون بوسعك التمتع بحياة زوجية سليمة ومكتملة واعتيادية، على الأقل، بل ستظهر هنالك مشكلات عدة عند ارتباطك بشريك مريض نفسياً.
  3. يجدر بكِ التيقّظ والمتابعة الدائمة ولن يكون بوسعك الاسترخاء كثيراً في هذه العلاقة المفتوحة على الاحتمالات دوماً، لا سيما حين يكون هنالك نزوع لدى الشريك المريض نفسياً نحو إيذاء الذات أو إيذائك أنت أو إيذاء الأطفال.
  4. لن يكون بوسعك تجربة الاستقرار بشكل تام حين تتزوّجين من مريض نفسياً؛ سواءً كان هذا على الصعيد المادي أو الاجتماعي أو العاطفي.
  5. ستغرقين في دوّامة من الحزن والأسى على الشريك المريض نفسياً، لا سيما إن كنت قد ارتبطت بقصة عاطفية معه، وعلى نفسك أنت أيضاً حين تشعر أن الزواج قد انقلب لمهمة ثقيلة عنوانها الأبرز هو التعامل اليومي مع مريض نفسياً.

الزواج والمرض النفسي

هل بوسع المريض النفسي الزواج بشكل اعتيادي؟ وهل المريض نفسياً قادر على الحب؟
لعلكِ تتساءلين بعد هذا، هل يجدر بالمريض النفسي الزواج. في الحقيقة، لا إجابة حاسمة حول ذلك؛ إذ ثمة اعتلالات نفسية من الممكن تداركها أو محاولة احتوائها، فيما أنواع أخرى من المرض النفسي والعقلي قد تكون عصيّة على العلاج. [4] و [2]
لا بد من معاملة كل حالة على حدة، ويكون هذا من خلال استشارة المختصين ومراجعة الطبيب النفسي المشرف على الحالة؛ لسؤاله عن مدى إمكانية الشخص المريض نفسياً من الزواج.

من منظور أخلاقي، لا يجدر بك التخلّي عن الشريك المريض نفسياً بسهولة، بل بذل المحاولة تلو المحاولة لمساعدته، لكن من دون أن تغفل متابعة ذاتك ومدى تماسكك أنت وقدرتك على الاستمرار في هذه الدوامة، بالإضافة لضرورة الحذر والمتابعة الحثيثة؛ خوفاً على سلامتك أو سلامة الأطفال، إن كان الشريك المريض نفسياً يُهدّد أو تبدو عليه قابلية إيذاء الذات والآخرين.
ولعلك تتساءلين إن كان بوسع المريض النفسي الحب فعلاً، والإجابة أيضاً تحتكم لنوع الحالة، لكن المرض النفسي لا يحول دون الوقوع في الحب، وإن كان الحب تحديداً والعلاقات العاطفية من بين أكثر الجوانب التي يظهر فيها الاعتلال النفسي واضطرابات الشخصية، لكن قرارك أنت هو الحاسم في الاقتران بمريض نفسي أو الاستمرار معه عند اكتشاف هذا بعد الزواج.

كيفية التعامل مع الزوج المريض نفسياً

  • أول ما يجب عليكِ التفكير به هو قرار الاستمرار أو الانفصال، ولا يمكن لأحد أن يعتبر الإنفصال عن زوج مضطرب نفسياً نوع من الهروب أو قلّة الوفاء؛ خاصّةً عندما يرفض الزواج الاعتراف بمرضه النفسي أو العلاج.
  • إذا كان قراركِ هو الانفصال عن الزوج المريض نفسياً فيجب أن تعيدي بناء نفسكِ من جديد وترميم مشاعركِ قبل أن تفكري بارتباط جديد، أما إذا كان خيارك الاستمرار -وهذا بلا شكِ ينم عن شجاعة وتضحية- فلا بد أن تفكري كيف تساعدين زوجك المريض نفسياً على التعافي من جهة وكيف تحمي نفسكِ وأطفالك من مخاطر المرض أو الاضطراب الذي يعاني منه زوجكِ
  • زيارة الطبيب النفسي المختص لا مفر منها، وإذا كان زوجكِ رافضاً لزيارة الطبيب النفسي حاولي أن تستعيني بالثقات من الأقارب والأصدقاء.
  • شجعي زوجكِ دائماً على التعافي، ارفعي معنوياته وغذي الأمل داخله، وساعديه أيضاً على تقليص الفجوة بينكما والتي تسببها أعراض الاضطراب النفسي.
  • أنتِ أيضاً يجب أن تحصلي على استشارة نفسية متخصصة؛ وليكن هدفك من ذلك:
    1. أن تعرفي كيف تتعاملين مع مرض زوجك بالشكل الأمثل.
    2. أن تتأكدي من علامات التجاوب مع العلاج وأن تتأكدي من المتابعة اليومية المبنية على المعرفة بظروف الاضطراب
    3. أن تكتسبي مهارات احتواء سلوك زوجكِ المضطرب.
    4. أن تكوني أنتِ أيضاً أقل تأثراً بكل ما ينتج عن اضطراب زوجك.
    5. أن تستطيعي تفسير حالة زوجكِ للأطفال وحمياتهم من أي خطر يتعلق بمرض والدهم، والحفاظ على العلاقة الطبيعية بين الأبناء وأبيهم.

أخيراً... تذكري أن عالم الاقتصاد الكبيرة وصاحب نظرية الألعاب جورج ناش كان يعاني من اضطرابات نفسية حادة، ولولا وقوف زوجته إلى جانبه ودعمها المستمر له ربما لم يكن ليتوصل إلى أي من نظريته ولم يكن ليقف على منصة التتويج بجائزة نوبل!.

تجارب مجتمح حِلّوها والزاوج من مريض نفسي

ما ذكرناه سابقاً يحكم طريقة تعاملك مع الزوج المريض نفسياً؛ إذ أنتِ القادرة على تحديد ما إذا كان الاعتلال النفسي محتملاً أم لا. وإن قررت الاستمرار، فعليك حينها سؤال الطبيب النفسي المشرف على الحالة عن الطريقة المثلى في التعامل مع الزوج المريض نفسياً، في أغلب الحالات، سينصحك الطبيب النفسي بعدم إشعار الزوج المريض نفسياً بذلك وعدم تذكيره كل حين بالأمر، وفي الوقت ذاته سيعطيك عدداً من الإرشادات التي يجدر بك مراعاتها عند التعامل مع الزوج المريض نفسياً؛ للتأكد من كونه لم يصل مرحلة خطرة قد تنتهي بالانتحار أو محاولة إيذاء الشريك والأطفال على سبيل المثال.

في واحدة من الحالات التي أجابت عنها خبيرة تطوير الذات د. سناء عبده، حول استفسار زوجة اقترنت بمريض نفسي، عن مدى منطقية طلبها الطلاق؛ بسبب عيشها مع مريض نفسي ما يزيد على عقد من الزمن، كان الأطباء قد شخّصوا خلالها حالة الزوج بنوع من أنواع الجنون، أجابت عبده أنه يُفضّل في حالة كحالة الزوجة (التي لا تجد من يعيلها سواه والتي استطاعت تدبّر حياة طويلة معه)، أن تصبر وتستمر وتحاول الالتفات لصحتها وشكلها ومسؤوليات عائلتها. (السؤال بالتفصيل على الرابط)

وفي إجابة ثانية قدّمتها الأخصائية النفسية ميساء النحلاوي، دَعَت من خلالها لتقييم التجربة بشكل شخصي وأخذ القرار بعد موازنة الاحتمالات كلها وما تنطوي عليه الحالة من إيجابيات وسلبيات، وهو ما يملك صاحب التجربة شخصياً تقييمه وأخذ قرار حوله؛ ذلك أنه وحده القادر على تقييم الموقف وتقديره وأخذ القرار بناءً على كون الاعتلال النفسي يحتمل الاستمرار ومحاولة إعطاء فرصة جديدة أم إنهاء العلاقة الزوجية. (السؤال بالتفصيل على الرابط)

المراجع والمصادر

  1. مقال Emalie Marthe "ما الذي يكون عليه الحال عند زواجك من مريض نفسي؟"، منشور عبر موقع vice.com، تمّت المراجعة في 9 فبراير 2020.
  2. مقال Meg Kehoe "تسع علامات للشريك المريض نفسياً"، منشور عبر موقع romper.com، تمّت المراجعة في 9 فبراير 2020.
  3. مقال Rhonda Freeman "ستة عوائق في علاقتك مع الشريك المريض نفسياً"، منشور عبر موقع psychologytoday.com، تمّت المراجعة في 9 فبراير 2020. 
  4. مقال "هل بوسع المريض النفسي الزواج؟ وهل يحبّ فعلاً؟"، منشور عبر موقع quora.com، تمّت المراجعة في 9 فبراير 2020.