عندما اخترع تيم بيرنرزلي (Tim Berners-Lee) شبكة الويب العالمية (World Wide Web) في عام 1990؛ لم يكن أحد يتوقع التغييرات الثقافية العميقة اللاحقة، وتحول العالم إلى قرية صغيرة فتستطيع أن تتشارك الأحداث لحظة وقوعها في الصين وأنت جالس في الربع الخالي (شرط أن تتوفر لديك شبكة الانترنت).
في مقالنا حول الاختلاف الثقافي بين الأجيال: أثر هذا الاختلاف على النفس؟ وما هي علامات الاختلاف الثقافية بين الأجيال؟ وهل من حلول للفجوة الثقافية بين الأجيال؟


ذات صلة


فهم اختلاف الأجيال الثقافي

ما هو الاختلاف بين قيم وثقافة وعلاقة الأجيال؟
كتعريف للجيل هو: "مجموعة من الأشخاص الذين ولدوا في نفس الفترة الزمنية تقريباً، ونشأوا في نفس المكان أو الظروف... كما يُظهر جيل من مجموعة المواليد نفسها؛ خصائصَ وتفضيلاتٍ وقيمٍ متشابهة طوال حياتهم" [1]، وفيما مضى كانت المعرفة والمعلومات مقدسة وكان الاستحواذ عليها وتخزينها قوة، واليوم فيما عدا ما يشكل تهديداً أمنياً ووطنياً، فإن البيانات متاحة بحرية على الإنترنت، مع ذلك وفي الجيل ما بعد الرقمي؛ لا تزال المعرفة ذات قيمة، ولكن يجب إيلاء الاهتمام لكيفية مشاركة هذه المعرفة تقنياً،
لذا فإن الاختلاف بين الأجيال وفجوة الأجيال، هو اختلاف في الآراء بين جيل وآخر فيما يتعلق بالمعتقدات أو السياسة أو القيم والثقافة، وتشير الفجوة بين الأجيال إلى الهوة التي تفصل بين الأفكار التي يعبر عنها أعضاء جيلين مختلفين، وبشكل أكثر تحديداً؛ يمكن الحديث عن فجوة الأجيال لوصف الاختلافات في الأفعال والمعتقدات والأذواق، التي يظهرها أعضاء الأجيال الشابة، مقارنة بالأجيال الأقدم [2].
ويلعب الاختلاف الثقافي بين الأجيال دوراً كبيراً في قطاع الأعمال، بالتالي لتحقيق النجاح يجب إيجاد طرق لتحقيق التوازن بين احتياجات وآراء الأفراد من مختلف الفئات العمرية، من خلال إدراك الشركات وأصحاب الأعمال؛ حقيقة تغير التركيبة السكانية لقاعدة عملائها، مما يمكن أن يؤثر بشكل كبير على دورات الأعمال وخطوط الإنتاج الأساسية، في ظل اختلاف الأجيال في: مهارات الاتصال، كذلك القدرة على التكيف مع التغيير، والقدرات أو المجالات التخصصية.

ثم أن هناك اختصارات للتعبير عن الأجيال، من بينها تلك التي تشكل القوى العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، زيمكن التعبير عنها على الشكل التالي [3]:

  • الجيل الصامت أو التقليدي (Traditionals) (مولود قبل عام 1946).
  • (Baby Boomers) جيل الطفرة الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية، (مولود بين 1946-1965 ).
  • جيل X (Generation X) أو الجيل العاشر، (مواليد بين بين عامي 1965 1977).
  • جيل الألفية (Millennials)، (من مواليد ما بعد 1977).

ويأخذ كل جيل سمات الفترة التي وُلد خلالها، ويعيش نمط حياته متأثراً بالتكنولوجيا، وحول ما اُصطلح على تسميته أسطورة الاختلاف بين الأجيال في مكان العمل.. نوضح أن [4]:

  1. كل الأجيال لديها نفس القيم الأكثر أهمية مثل العائلة.
  2. الكل يريد الاحترام لكن كل جيل على طريقته (يعني الاحترام بالنسبة للجيل التقليدي؛ الإصغاء لما يقوله وإعطائه وزنه وقيمته، وبالنسبة للجيل الشاب يعني الاحترام الإصغاء وسماع ما يريد أن يقوله مهما كان مختلفاً).
  3. يريد كل الناس من مختلف الأجيال؛ قادة يمكن الوثوق بهم.
  4. لا أحد يحب التغيير ومن أي جيل كان، مقاومة التغيير لا علاقة لها بالعمر؛ يتعلق الأمر بالمقدار الذي ستكسبه أو تخسره نتيجة التغيير.
  5. اختلفت قدرة الولاء لمكان العمل والانتماء المهني بين الأجيال، فالأجيال الشابة أقل ولاء لمكان العمل من الأجيال الأكبر.
  6. الكل ومن جميع الأجيال يريد أن يتعلم، فالتعلم والتطوير من بين القضايا التي تهم الناس من جميع الأجيال، والكل يريد أن يتعلم ويضمن حصولهم على التدريب للقيام بعملهم بشكل أفضل.
  7. الجميع يريد الحصول على ردود الفعل حول عمله.

ذات علاقة


ما هي علامات الفجوة والاختلاف الثقافي بين الأجيال؟

ما هي الاختلافات بين الأجياليمكن أن تشكل الفجوة أو الاختلاف بين الأجيال نقصاً محبطاً في التواصل بين الشباب والكبار، أو أن تكون فترة زمنية تفصل بين الثقافات داخل المجتمع، مما يسمح بتطوير شخصيات مختلفة لكل جيل، وربما لم تتجسد الاختلافات أو الصراع والفجوة بين الأجيال (كمصطلح) حتى القرن العشرين، مع ظهور التلفزيون والسينما وتعرض الشباب لتأثيرات ثقافية غريبة على عائلاتهم وثقافاتهم.
وعلى الرغم من الاختلافات بين الأجيال في الوقت الحالي، ويمكن الحديث عن مجالات الاختلاف الثقافي بين الأجيال في الأمور التالية [5]:

  • أخلاقيات العمل.
  • القيم الأخلاقية.
  • احترام الآخرين.
  • وجهات النظر والآراء السياسية.
  • المواقف اتجاه المجموعات المختلفة، والاختلافات في الرأي.
  • المعتقدات الدينية.

إلا أن هذه الاختلافات بين الأجيال، لا تثير هذا الصراع القائم على الخلاف، ولم تفرز حتى الآن أي نوع من المواجهات! وذلك لأنه:

  • أولاً: أكبر مجال للاختلاف هو التكنولوجيا والموسيقى، وهي أقل تكلفة من القضايا السياسية! ومن المحتمل أن يفخر الجيل الأقدم بمهارة الجيل الشاب في التكنولوجيا بدلاً من اعتباره مشكلة، أما بالنسبة للاختلافات الموسيقية، فإن كل جيل يريد أسلوب الموسيقى الخاص به، ويمكن أن يرتبط الجيل الأقدم بهذه الرغبة على العموم.
  • ثانياً: في مجالات الاختلاف الأخرى بين الأجيال؛ يميل الجيل الأصغر سناً إلى اعتبار الجيل الأكبر سناً متفوقاً على جيلهم، وهذا اختلاف واضح عن ستينيات القرن الماضي مثلاً مع موضته الشهيرة: "لا تثق في أي شخص يتجاوز الثلاثين".

التأثير النفسي لاختلاف الأجيال

كيف يؤثر الاختلاف الثقافي بين الأجيال على النفس؟
أظهرت دراسات عديدة اختلافاً كبيراً في القيم بين الأجيال، فالأجيال الصينية الشابة مثلاً تعطي أهمية أكبر للتنمية الذاتية في الحياة بدلاً من تقديم مساهمات للبلد والمجتمع، علاوة على ذلك.. فإن هذه الأجيال الشابة أكثر فردية من الأجيال القديمة، كما تعيش الأجيال الشابة وفقاً لأنماط حياتها الخاصة بغض النظر عما يعتقد الآخرون [6]، ويمكننا الحديث عن بعض من أهم الاختلافات التي يعيشها جيل الألفية عن آبائهم [7]:

  • جيل الألفية أكثر سعادة في المدن منه في الضواحي والأرياف، وهو الجيل الأول الذي يكون أكثر سعادة مع الحياة الحضرية من الحياة الريفية.
  • يقدرون قيمة العمل ويرغبون بالحصول على المزيد، كما أن جيل الألفية أكثر تحفيزاً لقدرته على إحداث تأثير أينما كان.
  • جيل الألفية أكثر وعياً بالصحة، وتتضمن خياراتهم عادات الأكل الجيدة والنشاط البدني.
  • جيل الألفية لا ينفق الأموال على امتلاك منازل، كما لا يعتمد على القروض من البنوك.
  • جيل الألفية يتأخر في الزواج، كما ساهمت الكثير من العوامل في ارتفاع سن الزواج لدى جيل الألفية.

بعد أن تحدثنا على تأثيرات اختلاف الأجيال في العمل والثقافة والقيم عموماً، نذكر أن دراسة أسترالية وجدت الاختلاف قائم على أساس العمر وليس الأجيال، وحثت الدراسة لفهم هذه الاختلافات، على ضرورة دراسة تأثير ذلك على الدوافع الشخصية والتحفيز الفردي للأجيال المختلفة [8].
على العموم لم توجد دراسات بحثت تأثير اختلاف الأجيال الثقافي على النفس، بقدر ما تم بحث اختلافات الأجيال في الصفات النفسية وتأثيرها على العمل كما تابعنا أعلاه، كما أن علم النفس الثقافي (The Cultural Psychology)، محصور في جيل X  (الجيل العاشر).. بحيث لم يضطر للقتال من أجل حريته بل عاش نهاية الحرب الباردة وبداية القرن 21، وهو جيل يتعثر بالتكنولوجيا، التي اندفع خلالها جيل الألفية، بينما يتخبط جيل الطفرة فيها بحرج وبطء، وهنا يمكن الحديث عن تأثيرات نفسية للتكنولوجيا الرقمية الجديدة المؤثرة والهامة والخطيرة في نفس الوقت ومنها [9]:

  • ارتفاع كبير في الاكتئاب والقلق والانتحار بين المراهقين والشباب.
  • التغييرات الضارة في السلوك الجنسي، التي تتأثر بالمواد الإباحية عبر الإنترنت، وفي أكثر الأحيان تكون مهينة للمرأة على وجه الخصوص، مما أثر على قيم الزواج والنظرة للأسرة عموماً.
  • الجيل الأقدم (Baby Boomers) أو جيل الطفرة لا يعرف ما يحدث، والجيل الأصغر (Millennials) جيل الألفية لا يفهم ذلك.

التعامل مع اختلاف الأجيال

هل من حلول للاختلاف الثقافي بين الأجيال؟ (شباب اليوم عديمو الفائدة!)
بناء على النظرة والصورة النمطية لاختلاف الأجيال، ينظر الناس لأطفال اليوم؛ بأنهم يعانون من نقصٍ مقارنة بالأجيال السابقة، فيقللون احترام الأكبر سناً، ولا يحبون القراءة، أو لا يستمتع شباب اليوم بالقراءة، وبناء على التحيز لهذه الصورة النمطية والذاكرة بما يميز الأجيال السابقة، "يتم تشويه جوهر الجيل الشاب" [10].
بغض النظر عما إذا كانت هناك اختلافات كبيرة بين الأجيال، يمكن أن تنشأ مشاكل خاصة عند الإصرار على القوالب والصور النمطية السلبية للأجيال، على سبيل المثال أن التقليديين جامدون، ويخشى مواليد جيل الطفرة من التكنولوجيا والجيل الألفي لا يعمل بجد.
وفيما يلي بعض المبادئ التوجيهية لإدارة الأجيال المختلفة في مكان العمل حيث تبرز الاختلافات بين الأعمار المختلفة وكيف يمكن إدارتها [2]:

  • معرفة ما يقدر على فعله كل شخص من الأجيال المختلفة في مكان العمل وكيف يفضل العمل.
  • إجراء اجتماعات مراجعة أداء الموظف الفردية، وسؤال كل موظف باحترام، عما يمكن أن يجعل مكان العمل أكثر دعماً له.
  • التواصل مع الناس وفقاً لأنماط التواصل المفضلة لديهم.
  • توزيع اختصاصات العمل وفقا لتفضيلات العامل وتخصصه الأكاديمي.
  • معرفة الدوافع المختلفة لكل شخص.
  • ترتيب طرق اللقاء بين الناس من مختلف الأجيال للتغلب على الاختلافات.
  • طلب أفكار من أشخاص من أجيال مختلفة؛ لمعرفة أنماط حل مشكلات الإحباطات والصراعات في مكان العمل.
  • تجنب الحديث عن الصور النمطية للأجيال، لأن ذلك يمكن أن يكون مسيئاً للكثيرين، كما أن الناس يريدون أن يتم الاعتراف بهم لتفردهم.
  • استخدام أسلوب قيادة تشاركي وموجّه نحو الإجماع والاعتماد بالتبادل وفقاً لمبدأ المكسب/المكسب، وشرح فوائد استخدام هذا الأسلوب.

رأي خبراء حلوها في اختلاف الأجيال

الاختلاف بين الأجيال ليس مشكلة مستعصية على الحل
في مشكلة يعرضها صديق لموقع حلوها وهو كما يقول: "من جيل الثمانينات.. الجيل الذي فقد معنى الحياة بسبب عادات وتقاليد وتربية سيئة وخاطئة"، حتى أنه يفكر بالانتحار! وتنصحه خبيرة حلوها النفسية الدكتورة سراء الأنصاري فتقول: "وضعت يدك على الجرح، لا تعاود التفكير بما قد حصل، لذا ركز جهدك في العمل وسافر إلى بلد آخر واعثر على مغامرة أخرى، ولو فشلت.. المهم أن تعيش وتلتقي أشخاصاً جدد وتصنع فرصاً جديدة وعلاقات جديدة".

وهذه نصيحة حلوها؛ لفتاة من أصدقاء حلوها أيضاً، مشكلتها كما تقول في أن "خطيبها من جيل مختلف": وتنصحها الدكتور سراء: "المهم روح الشباب وليس فارق السنين، لذا حاولي دفعه لحب حياة الشباب وساعديه ليكون أكثر نشاطاً ومرحاً".

في النهاية.. مع توسع المعرفة الرقمية والتقنية لا بد من توفير مجال للعاطفة، والاحترام والقيم والمبادئ الإنسانية، بين الأجيال المختلفة، بالتالي إشباع أكبر حاجات الجنس البشري أي (البقاء النفسي)، بمعنى أن تكون مفهوماً ومقبولاً ومقدّراً، وهذا ما يعلمه الجيل ما بعد الرقمي ويعيشه كل يوم! كما تحتاج الأجيال السابقة للنهوض وبسرعة.

المراجع والمصادر

  1. مقال Carter McNamara "فهم اختلافات الأجيال"، منشور على موقع managementhelp.org، تمت المراجعة في 10/03/2020
  2. مقال  Will Kenton "الفجوة بين الأجيال"، منشور على موقع investopedia.com، تمت المراجعة في 10/03/2020
  3. كتاب Ian Sutton "اختلاف الأدوار والثقافة بين الأجيال- إدارة المخاطر والموثوقية 2014"، منشور على موقع sciencedirect.com، تمت المراجعة في 10/03/2020
  4. مقال "أسطورة الاختلافات بين الأجيال في مكان العمل"، منشور على موقع amanet.org، تمت المراجعة في 10/03/2020
  5. مقال  Susan Adcox "الاختلافات بين الأجيال وأسبابها"، منشور على موقع verywellfamily.com، تمت المراجعة في 10/03/2020
  6. دراسة Jiaming Sun وXun Wang "اختلافات القيم بين الأجيال في الصين 2010"، منشورة على موقع researchgate.net، تمت المراجعة في 10/03/2020
  7. مقال Stephanie Taylor "اختلافات تميز جيل الألفية"، منشور على موقع businessinsider.com، تمت المراجعة في 10/03/2020
  8. دراسة Elliroma Gardiner وآخرين "الاختلافات في الشخصية والدوافع بين الأجيال 2008" ، منشورة على موقع researchgate.net، تمت المراجعة في 10/03/2020
  9. مقال Nassir Ghaemi "علم النفس الثقافي للجيل X 2019"، منشور على موقع psychologytoday.com، تمت المراجعة في 10/03/2020
  10. دراسة John Protzko و Jonathan W. Schooler "لماذا يبدو شباب هذه الأيام عديمي القيمة 2019"، منشورة على موقع sciencemag.org، تمت المراجعة في 10/03/2020