خلال العقود الأخيرة ظهرت عشرات الدراسات العلمية التي تناولت الشذوذ الجنسي والمثلية الجنسية بالتحليل والدراسة، وكان طموح معظم هذه الدراسات الوصول إلى الأسباب الحقيقية للشذوذ الجنسي وتحديد الدوافع والعوامل العضوية والبيئية والنفسية التي تلعب دوراً في حالة الشذوذ والمثلية.
في هذه المادة؛ سنحاول أن نناقش وجهات نظر مختلفة حول الشذوذ الجنسي وأسباب المثلية الجنسية، من خلال استعراض موجز للصراع العلمي والاجتماعي حول أسباب المثلية والشذوذ.
(اقرأ أحدث الأسئلة والاستشارات حول المثلية الجنسية والشذوذ الجنسي عبر هذا الرابط)
 


الأسئلة ذات علاقة


رحلة البحث عن أسباب الشذوذ الجنسي

تطورت نظرة المجتمع الطبي إلى الشذوذ الجنسي بشكل كبير في الربع الأخير من القرن الماضي
على الرغم من النتائج الثورية التي وصلت إليها بعض الدراسات والأبحاث إلا أن أسباب الشذوذ الجنسي ما تزال موضع جدل بين الطرف الذي يحاول إثبات المثلية الجنسية كانحراف جنسي ينتج عن عوامل نفسية وتربوية بالدرجة الأولى من جهة، وبين الطرف الذي يحاول إثبات أن المثلية ميل جنسي طبيعي لا يمكن تغييره ولا يتطلب علاجاً.
وعلى ما يبدو فإن الكثير من هذه الأبحاث -وليس جميعها- تستند في أصلها إلى مواقف اجتماعية مسبقة تتحكم بسيرها ونتائجها، بمعنى آخر أن هناك موقفاً مسبقاً من المثلية الجنسية تتم محاولة إثباته ودعمه بالبراهين العلمية، سواء كان هذا الموقف مؤيداً أم معارضاً.
وقد قدمنا لمحة عن تاريخ النظرة الطبية والاجتماعية للشذوذ الجنسي في مادة سابقة يمكنكم مراجعتها من خلال هذا الرابط (هل المثلية الجنسية مرض).
فعلى الرغم من قرار الكثير من المنظمات الطبية والعلمية حول العالم حذف الشذوذ الجنسي من قائمة الانحرافات والاضطرابات العقلية؛ إلا أن الأسس التي بنت هذه المنظمات عليها موقفها ما تزال موضع شك لدى البعض.

الثقافة والشذوذ الجنسي
قبل عام 1975 كانت المثلية الجنسية مرضاً عقلياً يسعى الأطباء إلى علاجه بغية تحويل الميول الشاذ أو المثلي إلى ميول سوي أو مغيار، لكن مع إقرار الجمعية الأمريكية للطب النفسي أن المثلية الجنسية ليست مرضاً ظهر صراع جديد هو صراع ثقافي واجتماعي قبل أن يكون صراعاً طبياً، فجميع الدراسات والأبحاث التي سبقت وتلت ذلك القرار كانت تخدم المعركة الثقافية والاجتماعية أكثر مما تخدم الطب والعلم أو تخدم الحالات المعنية بهذه الدراسة "المثليين".
باختصار؛ انقسم المجتمع الطبي بين مؤيد لهذه النظرة الحديثة إلى الشذوذ الجنسي وبين معارض لها، وحجة كل طرف أن الطرف الآخر لم يقدم ما هو قاطع بشأن ادعاءاته، فتعرض مناصرو الحرية الجنسية إلى انتقادات أخلاقية عميقة واتهامات بخلخلة المنظومة الدينية والأخلاقية للمجتمع البشري، فيما تعرض معارضو هذا الاتجاه إلى انتقادات إنسانية لاذعة واتهامات بالانقلاب على مكتسبات الحرية الفردية في العصر الحديث.
وبطبيعة الحال كان للعامَّة نصيهم من هذا الانقسام، وإن كنا في مجتمعنا العربي عموماً أقل تقبلاً لهذا الانقسام وأميل للقول أن الشذوذ الجنسي مرضٌ يجب التصدي له وإجبار المصابين به على العلاج أو إجبارهم على التستر كأقل تقدير.
في الفقرات القادمة سنحاول أن نحيط بالأسباب المختلفة التي يعتقد أنها قد تقف خلف السلوك الجنسي المثلي أو الشاذ.
 

ذات علاقة


الأسباب الجينية والبيولوجية للمثلية الجنسية

ما هو جين المثلية الجنسية أو جين الشذوذ؟
أحد أهم الأسباب التي دعت المنظمات الطبية العريقة لاعتبار المثلية الجنسية جزءاً من التكوين البيولوجي للإنسان هي بعض الدراسات التي تحدثت عن احتمال وجود جين مسؤول عن المثلية الجنسية.
عام 1993 أجرى الدكتور دين هامر Dean H. Hamer أبحاثاً حول العلاقة بين المثلية الجنسية والجينات، وخلص البحث إلى وجود "احتمال" لتأثير بعض الاختلافات الجينية على الميول الجنسي عند الإنسان، وقد سبقه سيمون ليفاي Simon Levay عام 1991 إلى القول أن هناك اختلاف في حجم مناطق من الدماغ بين الشاذين جنسياً والأشخاص الأسوياء، وأن التوائم الحقيقيين أقرب ليكونوا متفقين في الميول الجنسي، فكان رأي ليفاي أحد الدوافع التي جعلت هامر يتمسك بدراسة الرابط الجيني للشذوذ الجنسي.
قام هامر وفريقه بإجراء بحث على 114 أسرة يهدف إلى وضع خريطة جينية تمكنهم من إيجاد العامل الوراثي للمثلية الجنسية، وقد وجدوا ضالتهم في صبغيات جين الأم X Mother’s X chromosome، حيث وجدوا أن نسبة الأقارب المثليين من جهة الأم بالنسبة للحالات موضوع الدراسة أظهرت معدلاً فوق الطبيعي، وللعثور على العامل الجيني المشترك قام الباحثون بإجراء مجموعة من التجارب خلصت إلى أن "الجين Xq28 شائع بين الأخوة المثليين الذكور وأقاربهم".
على الرغم من الاحتفال بهذه النتائج في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها سرعان ما بدت واهية بعد تكرار التجارب وعدم التوصل إلى نتائج مطابقة، لكن دراسة هامر ما تزال من أهم الدعائم للقول بوراثية المثلية.

الالتفاف حول نظرية جين الشذوذ الجنسي
لم تكن النتائج التي وصل إليها هامر أمراً عادياً، بل خلقت ضجة كبيرة على الصعيد الطبي والاجتماعي، وقد يعتقد البعض أن هذه النتائج كانت تصب في مصلحة المثليين والشاذين وتساعدهم على الاندماج في المجتمع، إلا أن هذه النتائج تهدد حياة المثليين واندماجهم لاعتبارهم سبباً وراثياً لإنجاب المزيد من المثليين، بل أن النقاش بدأ فعلياً حول إمكانية التدخل في تعديل الجينات أو الإجهاض في حال اكتشاف جينات مثلية في سبيل تحسين النسل ومدى أخلاقية هذا التصرف!.
من جهة أخرى بدأ المتحمسون لوجود عوامل وراثية تحدد الهوية الجنسية بالبحث عن المزيد من المسوغات للشذوذ الجنسي ليكون أمراً عادياً وطبيعياً، وأبرز ما ذهبوا إليه هو ملاحظة وجود السلوك الجنسي الشاذ بين بعض الحيوانات.
وكما هو الحال مع الاكتشافات الجديدة ظهرت فئة متعصبة لهذه الاكتشافات نفت وجود أي عوامل غير وراثية للمثلية، فيما تعصب المعارضون ونفوا حتى احتمال وجود أسباب وراثية للمثلية، وربما تكون الحقيقة بين هذا وذاك!.

مناعة الأم والشذوذ الجنسي
في مقال نشره موقع Psychology Today عن أحدث نتائج الدراسات حول أسباب المثلية الجنسية أشارت نتائج دراسة عام 2016 إلى تأثير استجابة مناعة الأم في فترة الحمل على ميول الجنين الذكر الجنسية، وذلك نتيجة رد فعل غير متكيف مع كرياتين الذكورة الذي يفرزه الجنين، وقد تؤدي ردة الفعل المناعية هذه إلى إسقاط الجنين، وربما فسر ذلك ملاحظة الباحثين أن أمهات المثليين أكثر عرضة للإجهاض والولادة المبكرة من غيرهن وأقل ذرية!.
على وجه العموم ما تزال هذه النتائج قيد الدراسة ولا يمكن الاعتماد عليها بشكل مطلق كغيرها من الدراسات والفرضيات المتعلقة بالميول الجنسي المثلي.
 

العوامل البيئية والاجتماعية للشذوذ

كيف تكون العوامل الاجتماعية والتربوية مسبباً للمثلية الجنسية؟
في حقيقة الأمر يعتبر الرأي المؤيد لتأثير العوامل البيئية الاجتماعية والتربوية على الميول الجنسي هو الرأي الأكثر قبولاً عند العامة، وعلى الرغم من كلاسيكية هذه النظرية إلا أنها أكثر موثوقية ومصداقية من غيرها عند الكثير من الناس.
أما بالنسبة لمؤيدي الحرية الجنسية والمدافعين عن المثلية باعتبارها موروثة لا علاقة للمثلي بها ولا يمكن تعديلها؛ فهم يرفضون هذا الاتجاه رفضاً قاطعاً، ويعتبرون أن الحديث عن التحرش الجنسي أو غياب أحد الوالدين أو العوامل التربوية والمعرفية كأسباب للمثلية الجنسية ما هي إلا اختلاقات وأساطير منشؤها الأساسي المؤسسات الدينية التي تهدف إلى إجبار المثليين الجنسين على العلاج حتى وإن لم يكن هناك علاج مؤكد ولا سبب واضح لحالتهم.
على كل حال؛ سنعرض فيما يلي أبرز العوامل البيئية والتربوية التي يعتقد أن لها دور في تحديد الميل الجنسي للإنسان في مرحلة الطفولة والمراهقة.
 

التحرش الجنسي والشذوذ

يعتقد البعض أن التعرض للتحرش والاعتداء الجنسي في الطفولة والمراهقة قد ينعكس بشكل مباشر على الميول الجنسي عند المجني عليه.
لا بد أن هناك تأثير لإساءة المعاملة والتحرش أو الاعتداء الجنسي على ميول الضحية سلوكها الجنسي في المستقبل، وكما جرت العادة في الأبحاث المتعلقة بالشذوذ الجنسي فإن معظم الدراسات التي أجريت عن الروابط بين العنف الجنسي والتحرش من جهة وتحويل السلوك الجنسي من جهة ثانية تفتقد لعامل الحتمية والسببية بسبب وجود تباين كبير ومعقد في الظروف الأخرى التي تحيط بكل شخص.
ومن هذا المنطلق يمكن القول أن التحرش أو الاعتداء الجنسي قد يلعب دوراً في نشوء ميول جنسية معينة لكنه لا يعتبر سبباً مباشراً أو وحيداً للشذوذ الجنسي بالمطلق.
 بل ويعتبر هذا الارتباط مرفوضاً بشكل قطعي عند شريحة لا بأس بها من الباحثين والناس العادين، حيث يعتقدون أن الاعتداء الجنسي على الشخص السوي لا يمكن أن يكون سبباً في تغيير ميله الجنسي، فيما قد يشكل الاعتداء الجنسي على الطفل الذي يمتلك ميولاً شاذة وإن لم يدركها إلى تعزيز هذا الميل لديه في مرحلة مبكرة.

ولا بد من الإشارة هنا إلى خطأ المعتقد السائد أن كل من يتعرض للتحرش الجنسي في صغره لا يمكن أن يكون رجلاً حقيقياً أو كامل الرجولة فيما بعد، وهذه النظرة تنطوي على الكثير من السذاجة والمغالطة، فهناك الكثير من الذكور الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي في صغرهم وتمكنوا من تجاوز هذه التجربة القاسية بنجاح وأصبحوا رجالاً أقوياء وناجحين.
 

التفكك الأسري والمشاكل التربوية

هناك العديد من الدراسات التي أشارت إلى دور التفكك الأسري في تحديد الميول الجنسي لدى الأطفال، وتتم الإشارة عادة إلى غياب الأب أو الأم، أو التجاهل العاطفي من قبل أحد الأبوين، أو حتى العيش في بيئة يغلب عليها الجنس المغاير، كوجود الذكر بين عائلة من الإناث لا يحسنَّ تربيته تربية ذكورية أو نبذه من أبناء جنسه في المدرسة والحي...إلخ.
على أرض الواقع يتم الربط بين العوامل الأسرية والتربوية من جهة والميول الجنسي من جهة أخرى بناءً على إفادات المثليين واعترافاتهم، ولا يمكن التنبؤ أي الأسر سيخرج منها مثلي الجنس، وأي أسرة سيخرج منه مغاير الجنس بالضرورة.
ويعتقد مناصرو وراثية الميول الجنسية أن هذه الادعاءات ما هي إلى محاولة للتمسك بالمبادئ الاجتماعية والدينية من خلال إثبات وجود عوامل إنسانية ذاتية وبيئية تحدد السلوك الجنسي الشاذ.
 

الأفلام الإباحية والشذوذ الجنسي

على الرغم من حداثة الأفلام الإباحية نسبياً على الأقل مقارنة بالسلوك الجنسي المثلي؛ فإن مشاهدة الأفلام الإباحية وإدمانها قد يلعب دوراً سلبياً في تشكيل الميل الجنسي وتحديده.
حتى الآن لا يمكن القول أن مقطع فيديو جنسي سيكون مسؤولاً بالمطلق عن ميل جنسي معين، لكن لا بد أن سهولة الوصول إلى الأفلام الإباحية بما تحتويه من سلوكيات جنسية غريبة وجذابة قد يكون عاملاً مساعداً بشكل ملفت على تجريب سلوكيات جنسية معينة قد تصبح توجهاً فيما بعد.
وقد أعد لكم موقع حلوها سابقاً مقالاً عن إدمان الأفلام الإباحية وتأثيره على الوعي الجنسي يمكنكم قراءته من خلال هذا الرابط (إدمان الأفلام الإباحية).
 

الكبت الجنسي والمثلية

انتشار المثلية الجنسية في البيئة الذكورية الصافية جعل من البديهي النظر إلى الكبت الجنسي كعامل من عوامل المثلية الجنسية، حيث تعتبر السجون والمعاهد الدينية والمدارس الداخلية وحتى السكن الجامعي المنفصل من أكثر البيئات التي تساعد على ظهور الشذوذ الجنسي.
فعادة ما تكون المثلية الجنسية خياراً ممتازاً بالنسبة للذكور المحكوم عليهم بالسجن لفترات طويلة وقد لا يحظون بفرصة ممارسة الجنس مع أنثى مرة أخرى، وكذلك الأمر في كل بيئة يقضي فيها الذكور فترات طويلة دون أدنى اتصال بالإناث خاصة إن كانت فرصة الاتصال المستقبلي بالإناث ضعيفة.
وعلى الضفة الأخرى قد يفسر هذا أيضاً المثلية الجنسية بين الإناث اللواتي لا يمتلكن فرص الاتصال بالذكور لظروف اجتماعية أو دينية أو غيرها.
 

التجربة والفضول

فعلياً قد لا يتعرض الطفل أو المراهق لإكراه أو اعتداء جنسي، وقد لا يكون في بيئة غير سوية، ربما كل ما في الأمر أن صديقين يرغبان بالتجريب بدافع الفضول، ربما أقارب أو حتى أخوة، وقد تكون تجربة الجنس الشرجي ممتعة بالنسبة للرجال لأسباب عديدة يمكنكم الاطلاع عليها من خلال هذا الرابط (الجنس الشرجي وأضراره)، وهذا ما قد يجعلها تجربة جديرة بالتكرار، وتوجهاً جنسياً مستقراً فيما بعد.

أخيراً... تتعامل الدول الغربية اليوم مع المثلية الجنسية من موقع المؤيد لوجود أسباب جينية وراثية بغض النظر عن مدى مساهمتها في تحديد هذا الميول، وعموماً لا يوجد ما يمنع المثليين من التوجه إلى مراكز علاج المثلية، لكن القانون يمنع معاقبتهم أو تمييزهم بناءً على ميولهم الجنسي، ويسمح لهم في بعض الدول أن يتزوجوا ويطلبوا تبني الأطفال!، لكن هذا لا يعكس وجهة نظر المجتمع ككل، فما زال هناك من يعارض هذه الإجراءات ويعتبرها ذات آثار كارثية.