كثيراً ما نجد من مقالات وفيديوهات منتشرة عن التفكير الإيجابي وآثاره على الصحة النفسية وعلى تطوير الأداء الشخصي، كما يكثر التساؤل عن الطرق التي تمكننا من التفكير بطريقة إيجابية بغية الوصول إلي تغييرٍ في سلوكنا وتحسين جودة حياتنا؛ لكننا نجد في الواقع ميل أكثر الناس إلى التفكير السلبي. فهل هناك أسباب علمية وراء ميلنا إلى التفكير بطريقة سلبية ؟ 


محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- التفكير السلبي V.S التفكير الإيجابي
2- لماذا نفكر بشكل سلبي؟
3- تنمية التفكير الإيجابي
4- المراجع والمصادر


التفكير السلبي V.S التفكير الإيجابي

يتفق رواد علم النفس الحديث أن التفكير السلبي أو التحيز السلبي يؤثر على سلوكنا وانفعالاتنا، كما يؤثر أيضاً على علاقاتنا الشخصية والأسرية، وكثيراً ما نجد صعوبة في التفكير بطرق إيجابية أثناء تعرضنا لموقف ضاغط، الانطباع الأول غالباً ما يكون سلبياً.
الأكثر من ذلك أننا نمر بظاهرة تسمى "عدم التماثل السلبي الإيجابي"، فنحن نتذكر جيداً المواقف الصعبة التي مرت علينا ونذكر الصدمات بتفاصيلها أكثر مما نتذكر الأمور الإيجابية التي مرت بنا!.
ففي يوم عادي على سبيل المثال نصحو من نوم هانئ ونتناول فطورنا ونخرج للعمل بصحة جيدة في طقس رائع ونؤدي عملنا على أكمل وجه وتمر ساعات العمل باستمتاع؛ وقبيل الانصراف من العمل تحدث مشادة مع أحد الزملاء! هنا .. ننسى ما مر بنا من أمور إيجابية طوال اليوم ويتجه تركيزنا على الحدث السلبي، بل وبعد أيام نتذكر الموقف السلبي بتفاصيله ولا نذكر باقي الأحداث الإيجابية التي مرت طوال اليوم.
ومن الممكن ألا تتذكر تفاصيل الأحداث والرحلات السعيدة والخروجات مع أصدقائك، بينما تتذكر موقف محرج حدث لك أمامهم في حين لا يتذكر أصدقاؤك ذلك الموقف؛ لكنه يظل عالق في ذاكرتك ويثير مشاعر الحرج والتخوف من أن يُذكِّرك به أحدهم!.

وعلى الجانب الأسري فمن الممكن أن يكون قد حدث يوماً ما خلاف أسري بينك وبين شريك الحياة ووجدت نفسك تتذكر كثيراً من المواقف السلبية التي حدثت بينكما من قبل؛ أو أنك تذكر عيوب الشريك وتجد عقلك يركز عليها بشدة رغم وجود صفات كثيرة حسنة في شخصيته! غالباً ما يحدث هذا وأكثر إلى أن نهدأ ونبدأ في  تذكر الإيجابيات.

 معظم الناس تميل  إلى التركيز بصورةٍ أكبر على الأحداث السلبية في تعاطيهم مع مجريات الحياة؛ فنحن نميل إلى التركيز على الأحداث السلبية بصورة أكبر من تركيزنا ومعرفتنا الأحداث الإيجابية، حتى أننا نميل في اتخاذ بعض القرارات بناء على المعلومات السلبية أكثر من البيانات الإيجابية .
فنحن إذا شاهدنا نشرة الأخبار مثلاً نركز على الحدث السلبي ولا نلتفت إلى الأخبار العادية والإيجابية؛ بل نعطي اهتماماً أكبر بذلك الخبر السلبي ونقوم بمتابعة ما قد يتعلق به من تبعات وتأثيرات؛ فخبر حادث طائرة أو غرق عبَّارة يسترعي انتباهنا ونحرص على متابعة ما نتج عن هذه الكارثة؛ ويكون هذا بصورة أكبر من حرصنا على متابعة افتتاح مشروع قومي!.
 
معظم الناس تتخذ قراراتها بناءً على الخبرة السلبية، فمثلاً إذا تم عرض منتج ما وقمنا بشرح كل المميزات لهذا المُنتج وذكرنا عيباً واحداً لهذا المنتج  فإن معظمنا سيتجه تركيزه على هذا العيب ومن الممكن أن نحجم عن شراء هذا المنتج، ولذلك تقوم الدعاية على إبراز المميزات وإخفاء العيوب .
كذلك لو قام شخص ما بتعريفنا على صديق جديد وذكر كل الجوانب الإيجابية في شخصيته وذكر جانب سلبي واحد في شخصيته يتجه تصرفنا معه وعلاقتنا به وكذلك تقييم سلوكه بناءً على هذا الجانب السلبي في شخصيته !.
وعلى جانب آخر ففي دراسة "سبل التحفيز للأشخاص"[1] نلاحظ أن الإنجاز في العمل يقوم على تجنب الخسارة عند معظم الناس أكثر من حبهم في المكسب، فهم يقومون بتجنب الخصم من رواتبهم أكثر من طموحهم بمكافأة.


لماذا نفكر بشكل سلبي؟

 ويكثر التساؤل هنا... لماذا يميل الأفراد إلى هذا النوع من التفكير؟ وهل هذا يعد طبيعة بلد معين أو فئة محددة من البشر؟ أم أنه طبيعة وميل إنساني عام؟
بداية يمكن القول أنه ميل إنساني عام، وقد قامت الكثير من الأبحاث للوقوف على أسباب هذا النمط من التفكير، وتقديم استنتاجات عن الأسباب الكامنة وراء هذا الميل العام نحو التفكير السلبي.

يقدم لنا الباحثون التطوُّريون تفسيراً لنشاط هذا النمط السلبي للتفكير[2]، ويرجعون هذا النمط ببساطة إلى نمط اتخذه المخ للحفاظ على الحياة، وتجنب المخاطر والإبقاء على الأمان للإنسان  .
فقديماً كانت حياة الإنسان محفوفة بالمخاطر والتي بدورها قد تهلك الإنسان إذا لم ينتبه إليها ولم يكن حذراً منها، ويرجع  أصحاب هذا الطرح أن أسلافنا القدماء الذين أولوا اهتمامهم بالنمط الحذر ومحاولة التأقلم مع المخاطر كانوا قادرين على  البقاء على قيد الحياة وقت أطول، وبالتالي فقد أورثوا من جاء من بعدهم هذا الجين الذي يولي اهتماما أكبر بالجوانب السلبية كي يبقي الحياة ويحفظ سلامة النوع الإنساني .

وقد قدم الباحثون عبر دراسة الطفل وسلوكياته[3]، بأن نمو هذا النمط من التحيز السلبي يكون ما بين الستة أشهر الأولى من عمر الطفل، وهناك بعض الدراسات التي أجريت على المخ ودراسة نشاط الخلايا العصبية[4]، وقد خرجت نتائجها تفيد بأن الاستجابة العصبية والنشاط الذي يحدث في القشرة المخية عند تلقي مثير سلبي يكون أكبر من النشاط الذي يحدث أثناء التعرض إلى مثير إيجابي .

مما سبق نستنتج أن هذا الميل للتحيّز السلبي هو نمط طبيعي يشترك فيه كافة البشر تقريباً، لكننا من خلال الفهم للأسباب التي أدت لنشوء هذا النمط يمكننا تحجيمه وتوجيه عقولنا نحو النمط المغاير وهو التفكير الإيجابي؛ حيث أنه قد اختفت تقريباً تلك الأخطار التي أدت لنشوء النمط السلبي.


تنمية التفكير الإيجابي

ومن خلال معرفتنا بالضرر الذي قد يؤدي إليه النمط السلبي في التفكير ومدى تأثيره على اختياراتنا في الحياة والعلاقات؛ كذلك تأثيره على كيفية اتخاذ القرارات، والإضرار أيضاً بصحتنا النفسية كما يؤثر على النظرة المتفائلة للحياة . 
ولمعرفة كيفية الموازنة بين التحيز السلبي والتحيز الإيجابي عليك باتباع عدة طرق لتنمية النمط الإيجابي في التفكير :

أولاً: توقف عن الحديث السلبي مع النفس

ابدأ بالانتباه إلى نوع الأفكار التي تدور في عقلك؛ فبعد وقوع حدث ما، قد تجد نفسك تفكر في سلبيات ما حدث وتحث نفسك على عدم فعله مستقبلاً و تولي اهتمام بالأثر الذي وقع عليك؛ وهذا بدوره يؤثر على طريقة تفكيرك في نفسك والآخرين، والأفضل أن تقوم بإيقاف تلك الأفكار متى بدأت.
بدلاً من التركيز على الأخطاء السابقة التي لا يمكن تغييرها، فكر فيما حدث وما يمكن استخلاصه من نتائج ودروس تمكنك من إعادة التجربة بصورة أفضل في المستقبل والحصول على نتائج مرضية، وبدلاً من قول "ما كان يجب أن أفعل كذا " عليك بقول "ماذا يجب أن أفعل في المرة القادمة".

إعادة صياغة الوضع؛ فالطريقة التي تتحدث بها مع نفسك عن الأحداث والتجارب والأشخاص تلعب دورًا كبيراً في تشكيل كيفية تفسير الأحداث، وعندما تجد نفسك تفسر شيئاً ما بطريقة سلبية أو تركز فقط على الجانب السيء من الموقف، ابحث عن طرق لإعادة صياغة الأحداث بشكل أكثر إيجابية، هذا لا يعني تجاهل الأخطار المحتملة أو ارتداء النظارات ذات اللون الوردي، إنه يعني ببساطة إعادة التركيز بحيث تعطي وزناً عادلاً ومتساوياً للأحداث الجيدة.

ثانياً: إنشاء أنماط جديدة 
عندما تجد نفسك غارقا في أفكار سلبية أولا قم بتعديل وضعية جسدك ومن الممكن التركيز على التنفس والإستماع إلي موسيقى متفائلة، من الممكن قراءة كتاب جيد أو الخروج للتنزه، فهذه طرق بسيطة  كي تقوم بتفريغ عقلك من الأفكار السلبية .

ثالثاً: دفتر الامتنان
من الطرق الجيدة التي تساعدك على تنشيط العقلية الإيجابية؛ أن تحتفظ بدفتر صغير تسجل فيه التجارب اليومية الإيجابية التي مرت عليك وتمتن لوجودها بحياتك؛ فمهما كانت الأحداث بسيطة فهي أولاً توجه العقل إلى التركيز على الأحداث الجميلة والإيجابية، وثانياً تنشط الذاكرة نحو الاحتفاظ بالأحداث الجيدة وتخزينها في الذاكرة طويلة المدى مما يسهل ويسرع من تذكرها فيما بعد .

رابعاً: قم بالتكرار دائما حتى تكتسب عادة التفكير الإيجابي.

خامساً: قم بربط الأحداث بمشاعر تعطي كثافة حسية للأحداث الإيجابية.

وأخيراً... اعلم جيداً أن ما مر بك هو مجرد تجارب تستخلص منها دروساً تفيدك في عدم تكرار الأخطاء، وليست للبكاء على ما فات و الخوف من المستقبل.


المراجع والمصادر:

[1] دراسة.نفسية لمجموعة من الباحثين عن الخيارات والقيم والأطر التي تتحكم بالتحفيز، منشور ملخصها في psycnet.com، تمت مراجعته في 30/5/2019.
[2] دراسة.نفسية لمجموعة من الباحثين حول التحيز السلبي في التنمية الاجتماعية والعاطفية، منشور ملخصها في psycnet.com، تمت مراجعته في 30/5/2019.
[3] دراسة.J. Kiley Hamlin  ومجموعة من الباحثين حول التحيز السلبي عند الأطفال الرضع في تقييماتهم الاجتماعية، منشور في onlinelibrary، تمت مراجعته في 30/5/2019.
[4] دراسة.Larsen JT وآخرين حول تأثير المعلومات السلبية على المخ والتحيز السلبي في التصنيفات، منشورة في ncbi.nlm.nih.gov، تمت مراجعته في 30/5/2019.

ذات علاقة