لأسباب مختلفة يلجأ الكثيرون من طالبي الوظيفة إلى الكذب والاختلاق أثناء كتابة السيرة الذاتية أو لنقل تزيينها على أقل تقدير، وذلك لاعتقادهم أن وضع كمية أكبر من المؤهلات حتى وإن كانت غير حقيقية وذكر عدد أكبر من المهارات وأماكن العمل السابق وغيرها من المعلومات؛ سيجعل من فرصهم في الحصول على الوظيفة أكبر وسيعزز موقفهم في المنافسة.
لكن كيف ينظر المدراء ومسؤولو التوظيف إلى الكذب في السيرة الذاتية؟ وكيف تؤثر خدعة السيرة الذاتية على فرص التوظيف؟ ولماذا نكذب في كتابة السيرة الذاتية وما هي الأكاذيب الشائعة؟ وهل يجب أن تكذب في السيرة الذاتية؟.
 



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- واقع السيرة الذاتية اليوم
2- الكذب في كتابة السيرة الذاتية
3- لماذا نكذب في السيرة الذاتية
4- أكثر أكاذيب السيرة الذاتية شيوعاً
5- هل يجب أن تكذب في سيرتك الذاتية؟
6- المراجع والمصادر


واقع السيرة الذاتية اليوم

يعتقد أن العبقري الإيطالي ليوناردو دافنشي هو أول من كتب سيرة ذاتية C.V بقصد الحصول على الرعاية أو الوظيفة عندما راسل دوق ميلان عام1482 مستعرضاً خبراته وقدراته للحصول على رعايته وفرصة للعمل لصالح الدوق[1]، ويبدو أن محاولة دافنشي هذه كانت نقطة الانطلاق المعلومة للسيرة الذاتية التي نعرفها اليوم والتي أصبحت شرطاً شبه لازم لطلب التوظيف، وكانت السيرة الذاتية على ما يبدو طريقة الأشخاص الذين يمتلكون خبرات استثنائية حقاً في طلب الوظيفة.

صورة السيرة الذاتية لدافنشي

ومع اتساع سوق العمل والتغيرات الكبيرة التي شهدها العالم من القرن العشرين وحتى اليوم؛ شهد مفهوم السيرة الذاتية تطوراً كبيراً ومتسارعاً، وكان آخر ما أثر في مفهوم السيرة الذاتية هو ظهور شبكة الانترنت والسيرة الذاتية الإلكترونية، ثم المواقع المتخصِّصة في صياغة السيرة الذاتية وقوالب السيرة الذاتية الجاهزة ومقالات النصائح والتحذيرات المتعلقة بكتابة السيرة الذاتية الاحترافية.
هذا التطور الكبير في أهمية السيرة الذاتية كجزء من عملية التوظيف من جهة واختلاف مذاهب كتابة السيرة الذاتية من جهة أخرى جعل المدراء وأصحاب الأعمال ومسؤولي الموارد البشرية حول العالم مهتمين بقراءة السيرة الذاتية بشكل مختلف، لأنهم يعلمون أكثر مما نتخيل أن طالب التوظيف ليس نزيهاً دائماً وقد يلجأ إلى أنماط عديدة من الخداع للحصول على الوظيفة، وقد ناقشنا هذه النقطة بالتفصيل في مقال سابق عن معايير اختيار الموظف المثالي.


الكذب في كتابة السيرة الذاتية

يمكن القول أن الكذب في كتابة السيرة الذاتية بدأ في الظهور مع اعتماد السيرة الذاتية بشكل شبه رسمي كجزء من عملية التوظيف اعتباراً من خمسينيات القرن الماضي، وقد يصح القول أن اختلاق المعلومات الواردة في السيرة الذاتية تتطور أكثر مع اتساع الفجوة بين طالبي التوظيف والوظائف المتاحة، ومع اختلاف نوعية المهارات التي يحتاجها سوق العمل بشكل متسارع يجعل الكثيرين خارج دائرة الطلب بشكل مفاجئ.

لكن إلى أي درجة يكذب طالبوا التوظيف في سيرتهم المهنية؟ انظر الأرقام أدناه:
- وفق التقرير السنوي للتوظيف الذي تصدره Hire Right فإن المدراء عام 2017 اكتشفوا حالات كذب في السيرة الذاتية عند 85% من المتقدمين، مقارنة بـ 66% قبل خمس سنوات[2].

- وفي مسح آخر أجرته مؤسسة Top resume سجل أكثر من 78% من المدراء ومسؤولي التوظيف أنهم اكتشفوا حالات كذب واختلاق في السيرة الذاتية للمتقدمين، وأكثر من 97% من المشاركين بالمسح أكدوا أن الكذب في السيرة الذاتية سيؤثر على فرص طالب التوظيف وغالباً ما يؤدي إلى خروجه من المنافسة[3].

- يعتقد 52% من المتقدمين للوظيفة أن الكذب في السيرة الذاتية ضروري للانتقال إلى مرحلة المقابلة، على الرغم من ذلك اعترف أكثر من 47% أن الكذب في السيرة الذاتية لم يكن مفيداً[4].

- وتشير التقديرات[5] إلى أن 46% من طلبات التوظيف والسيرة الذاتية تتضمن تبايناً واحداً على الأقل يكتشفه صاحب العمل أثناء المقابلة الشخصية، وحوالي 30% من الذين اعترفوا بالكذب في سيرتهم الذاتية قالوا أنهم فقدوا وظائفهم بعد اكتشاف التزوير، ربما من أشهر هذه الحالات سكوت طومسون الذي استقال من إدارة شركة ياهو بعد أربعة أشهر من توظيفه على خلفية اكتشاف كذبه بشأن مؤهلاته العلمية.
ويعتبر الكذب في السيرة الذاتية الأكثر انتشاراً بين طلاب الجامعات من طالبي الوظيفة، حيث اعترف 92% من طلاب الجامعات أنهم اختلقوا كذبة واحدة على الأقل في سيرتهم الذاتية، كما يعتقد المدراء وخبراء التوظيف أن نسبة الكذب في السيرة الذاتية ارتفعت حوالي 33% في فترة الركود.

- ويبدو أن الرجال أكثر ميلاً للكذب في سيرتهم الذاتية من النساء[6].


لماذا نكذب في السيرة الذاتية

لا تبدو أسباب الكذب في السيرة الذاتية غامضة أو مبهمة، حيث يمكن القول أن هناك خمسة أسباب رئيسية قد تدفعنا مجتمعة أو منفردة إلى اختلاق بعض المعلومات الوهمية أو المبالغة أو التزييف أو التزيين -وهي كلها مصطلحات تصب في بوتقة الكذب-، وهذه الأسباب هي:

الخوف من المنافسة: يعتبر الخوف من المنافسين السبب الرئيسي للكذب في السيرة الذاتية، فالهدف من السيرة الذاتية هو تضييق الخيارات للوصول لمجموعة من المرشحين يخضعون إلى المقابلة الذاتية، وغالباً ما نعتقد أن السيرة الذاتية الغنية وإن تضمنت معلومات وهمية وكاذبة ستعزز فرصة وصولنا إلى المرحلة التالية "المقابلة الشخصية".
وغالباً ما نظن أننا سنتمكن من تجاوز المعلومات المضللة في السيرة الذاتية بمجرد وصولنا إلى المقابلة الشخصية من خلال التركيز على نقاط القوة الخاصة بنا والتعتيم والإبهام فيما يتعلق بالمعلومات الخاطئة التي أوردناها.
بالدرجة الأولى فإن أصحاب العمل يعتبرون المقابلة الشخصية فرصة من فرص اكتشاف التزييف والكذب في السيرة الذاتية المكتوبة، لذلك فإن الكذب لن يكون خياراً حكيماً حتى وإن أوصلنا إلى المقابلة، ومن جهة أخرى فإن أصحاب العمل ومسؤولي التوظيف يطورون أدواتهم من خلال الخبرة والتجارب الكثيرة مع طالبي التوظيف بحيث يمتلكون قدرة على اكتشاف الكثير من الأكاذيب في السيرة المكتوبة وتحييدها سلفاً، بحيث يصل إلى المقابلة الأشخاص الأكثر صدقاً أو الأقل كذباً.

عدم الثقة بالمؤهلات: أحياناً نضطر لإضافة بعض المؤهلات الإضافية لأننا نعتقد أن مؤهلاتنا الحقيقية غير كافية ليقع الخيار علينا، وقد نقوم أيضاً بملء حقل المواهب والهوايات في السيرة الذاتية بشكل ملفق بالكامل لأننا لا نملك ممارسات أو هوايات جذابة على أرض الواقع، ونعتقد أن ذلك سيؤثر على فرصنا في التوظيف.
وقد تكون المشكلة نفسية، فقد تكون المؤهلات جيدة وكافية لكن المتقدم إلى الوظيفة يعاني من تدني احترام الذات أو عدم الثقة بنفسه ما يدفعه إلى إضافة واختلاق المزيد من المؤهلات والمعلومات في سيرته الذاتية.
وعلى الجانب الآخر فإن الغرور والأنانية قد تكون دوافع قوية لاختلاق المؤهلات والخبرات المزيفة، فاهتمام المغرورين بصورتهم الاجتماعية يجعلهم يضعون الكثير من المعلومات الوهمية في سيرتهم الذاتية ليس فقط طمعاً بفرصة التوظيف ولكن أيضاً تلميعاً لصورتهم الشخصية حتى ولو كان من سيقرأ السيرة الذاتية لا يعرفهم أصلاً.

الكذب من أجل الكذب: في بعض الحالات يكون الكذب في السيرة الذاتية مجرد انعكاس لشخصية المتقدم إلى الوظيفة، حيث يكون طالب الوظيفة مخادعاً بطبيعته يميل إلى تقديم معلومات مضللة وخاطئة في مجالات حياته المختلفة، وسيجد صعوبة بتجنب الاختلاق والتزييف عند كتابة سيرته الذاتية.

إخفاء نقاط الضعف والمعلومات السلبية: والكذب بطبيعة الحال ليس فقط بالإضافة وإنما بالحذف والإخفاء أيضاً، فإخفاء بعض المعلومات مثل المرتبات السابقة أو سبب ترك العمل أو حتى السجل العدلي والتاريخ الجنائي وغيرها من المعلومات التي قد تفقدنا فرصة التوظيف.

سوء الفهم لدور السيرة الذاتية: ويبدو أن سوء فهم طالبي التوظيف لقيمة السيرة الذاتية يؤثر أيضاً على رغبتهم باختلاق المعلومات، فمن يقدم على اختلاق المعلومات في سيرته الذاتية يعتقد أنه من النادر أن تتم مراجعة السيرة الذاتية من قبل المدراء وأصحاب العمل بدقة، وأن التقديرات الشخصية أو حجم السيرة الذاتية وتنسيقها هي النقاط الحاسمة فعلاً، وقد يظن البعض أن مجرد الوصول إلى المقابلة يعني وضع السيرة الذاتية في الدرج إلى الأبد دون العودة إليها!، فيما يقوم معظم المدراء ومسؤولو التوظيف بالاحتفاظ بالسيرة الذاتية حتى بعد التعيين ويقومن بالرجوع إليها قبل المقابلات وخلالها وبعد التوظيف.
  


أكثر أكاذيب السيرة الذاتية شيوعاً

ومن خلال التعامل المستمر مع الاختلاق والكذب في السيرة الذاتية يتمكن خبراء التوظيف من تحديد بعض أكثر الأكاذيب شيوعاً عند التقدم بطلب التوظيف، ومنها[7]:

المؤهلات العلمية: على الرغم من سهولة اكتشاف الخداع والكذب بخصوص الشهادات والمؤهلات العلمية إلى أن النسبة الأكبر من عمليات الخداع في السيرة المهنية تكون في المؤهلات العلمية والأكاديمية، وذلك إما من خلال اختلاق بعض الدورات والكورسات التعلمية إلى جانب دراسة جامعية حقيقية، أو رفع الدرجة العلمية، أو حتى اختلاق مجموعة من الشهادات غير الموجودة، وعادة ما يميل الذين لم يتموا دراستهم مثلاً إلى القول أنهم خريجون، أو الذين أتموا دراسة غير رسمية إلى القول أنهم حصلوا على شهادة من جامعة معترف بها!.

الفجوات الوظيفية: حيث يميل المتقدمون إلى الوظيفة لإخفاء الفترات الزمنية التي قضوها دون عمل من خلال تمديد فترات العمل أو حتى اختلاق عمل ما في هذه الفترة.

تاريخ الوظائف السابقة: مثل سبب ترك العمل أو الطرد من العمل، المرتبات والمناصب والترقيات، المهمات التي أنجزها في الأعمال السابقة، الفترات التي قضاها في أماكن العمل السابق، ومدى أهميته في مكان عمله السابق، وغيرها من الأكاذيب التي تتعلق بالتاريخ الوظيفي.

الخبرات والمهارات الزائفة أو المتضخمة[8]: كما هو الحال في المؤهلات العلمية والشهادات الجامعية أو غير الجامعية فإن المتقدمين للوظائف عادة ما يميلون إلى اختلاق خبرات غير موجودة أو تضخيمها، وخاصة خبرات اللغة والحاسوب والتعامل مع البرامج، وقد يعتقد المتقدم أن إلمامه العام ببرنامج الإكسل مثلاً يسمح له أن يقول "أجيد استعمل أدوات إكسل في جمع وتحليل البيانات".


هل يجب أن تكذب في سيرتك الذاتية؟

عادة ما يهتم أصحاب العمل والمدراء بقضية الكذب في السيرة الذاتية أكثر من طالبي الوظيفة، لكن هذه القضية يجب أن تكون مثيرة للاهتمام بالنسبة لكل من يفكر بتزيين سيرته الذاتية ببعض الأكاذيب حتى الصغيرة منها.
فنتيجة المسوح والبحوث الكثيرة التي يقوم بها خبراء التوظيف أصبح من الصعب أن ينجو المخادع من العدسة المكبرة، ومن الصعب أن تنطلي الحيلة على خبراء التوظيف وأصحاب العمل، خاصة وأنّهم أصبحوا يعلمون مسبقاً الميل العام لدى المتقدمين للوظيفة أن يضيفوا بعض الأكاذيب إلى سيرتهم الذاتية.
وفي معظم الدراسات والمقالات التي ذكرناها في المراجع السابقة فإن أصحاب العمل أفادوا أنهم قادرون على اكتشاف الكذب في أغلب الحالات وفي مراحل مختلقة، ابتداء من قراءة السيرة الذاتية مروراً بالمقابلة الشخصية والشهور الأولى بعد التعيين أو حتى بعد سنوات!، وغالباً ما يكون الكذب والخداع في السيرة الذاتية سبباً وجيهاً لرفض طالب التوظيف أو حتى طرده بعد تعيينه.

من جهة أخرى فإن الإدارة الحكيمة عندما تريد تكليف أحد الموظفين بمهمة ما تعود إلى سيرته الذاتية لترى مؤهلاته، وعندها سيظهر بلا شك أنه اختلق بعض الأمور، وقد يكون ذلك سبباً في طرده.
ليس هذا فقط، حتى المواهب والمهارات الشخصية التي لا علاقة لها بالعمل والتي قد يبدو أن اكتشافها مستحيل أو غير مهم؛ قد تنكشف بأسهل وأسرع مما نعتقد، تخيل مثلاً أن موظفاً ذكر من بين مواهبه أنه يحب الصيد، ولسوء حظه أن مديره من محبي الصيد ورواد نادي الصيد في المدينة، وبعد تعيينه يقوم المدير بدعوته لرحلة صيد ليكتشف أنه لا يجيد حتى حشو بندقية الصيد، عندها قد يرغب باختبار باقي المعلومات الواردة في السيرة الذاتية، وهذا الاختبار سيكون مزيلاً فعالاً للمكياج!.
  
خلاصة القول؛ إن الكذب في السيرة الذاتية قد يعزز فرص الوصول إلى مرحلة المقابلة الوظيفية، لكنه في نفس الوقت يعزز فرص رفض طالب الوظيفة أو طرده بعد تعيينه، والأجدى بكل تأكيد أن نعتبر الـ C.V المزيف قائمة أهداف تسعى لجعله حقيقياً، من خلال إعادة التأهيل المستمرة والبحث عن الخبرات الجديدة باستمرار.


المراجع والمصادر:

[1] مقال Cody Burdick.حول تاريخ السيرة الذاتية منذ ظهورها وحتى الوقت الحالي، منشور في موقع davron.net، تمت مراجعته في 5/6/2019.
[2] التقرير السنوي لفرز العمل والتوظيف لعام 2017. تحميل التقرير من موقع HireRight، تمت مراجعته في 5/6/2016.
[3] نتائج مسح أجراه موقع Top resume.حول كذب المتقدمين على الوظيفة في ملء السيرة الذاتية، منشور على موقع الشركة، تمت مراجعته في 5/6/2019.
[4] مراجعة. لأهم النتائج الإحصائية حول السيرة الذاتية، منشورة في موقع twinemployment.com، تمت مراجعته في 5/6/2016.
[5] دراسة.تناولت مجموعة من الدراسات والإحصائيات حول الكذب في السيرة الذاتية، منشورة في creditdonkey، تمت مراجعته في 5/6/2016.
[6] مقال EMILY HODGKIN.هل يكذب الرجال في سيرتهم الذاتية أكثر أم النساء، منشور في express.co.uk، تمت مراجعته في 5/6/2016.
[7] مقال. حول أكبر الأكاذيب التي يمكن تجنبها في السيرة الذاتية، منشور في monster.com، تمت مراجعته في 5/6/2016.
[8] مقال.عن أكاذيب السيرة الذاتية الأكثر شيوعاً، منشور في fastcompany.com، تمت مراجعته في 5/6/2016
 

ذات علاقة