الغش والخداع من الحيل التي طوَّرها الإنسان وما زال يطوِّرها للوصول إلى أهداف معينة قد يصعب أو يستحيل الوصول إليها بطريقة مباشرة أو سوية، ولطالما لعبت الخدعة دوراً كبيراً في حسم الحروب والمنافسات السياسية والمنافسات التجارية، كما تعتبر الخدعة في العلاقات الإنسانية جانباً دائم الحضور لأهداف مختلفة.
لكن هل جميعنا نتعرض للخداع؟ ولماذا نتعرض للخديعة مرة تلو الأخرى؟ ثم كيف يمكن اكتشاف الأشخاص المخادعين؟ وكيف يمكن تجنب الوقوع ضحية للخداع؟.
 


محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- مفهوم الخداع
2- هل جميعنا نتعرض للخداع؟
3- لماذا نتعرض للغش والخداع؟
4- أنواع الخداع المختلفة
5- عوامل الوقوع في الفخ
6- كيف نتجنب الخداع والتضليل؟
7- المراجع والمصادر


مفهوم الخداع

نظرياً هناك مجموعة من الكلمات والمصطلحات التي يتم استخدامها كمرادف للخداع، على غرار المكر والخبث والخيانة...إلخ، في حين يمكن القول أن جوهر الخداع هو تقديم معلومات خاطئة أو منقوصة أو مضللة بهدف تحقيق مصلحة ما، والأنسب استخدام التدليس والغش كمرادفات للخداع، فالخيانة مثلاً تتطلب نوعاً محدداً من العلاقة بين الطرفين، فيما لا يرتبط الخداع بطبيعة ومدى العلاقة بين المخادع والمخدوع.
على مبدأ الخداع قامت بعض الفنون والحرف مثل الخدع البصرية وألعاب الخفة، وقامت بعض المفاهيم الاجتماعية والسياسية مثل البروباغندا والتعتيم والتضليل الإعلامي، كما تعتبر الخدعة جزءاً أساسياً من التسويق والترويج، فضلاً عن كون المخادعة تكاد تكون سلوك عام عند الفرد في المجتمع البشري يكتسبه في مرحلة الطفولة ويتطور معه فيما بعد.
ويقدم موقع سايكولوجي توداي المتخصص بعلم النفس تعريفاً جيداً للخداع[1]، فهو كل فعل أو قول قاسياً كان أم لطيفاً كبيراً أم صغيراً يتسبب بتصديق أحدهم لشيء غير حقيقي، وهو ما يمارسه أكثر الناس صدقاً!.


هل جميعنا نتعرض للخداع؟

للأسف الإجابة هي نعم؛ فمن الصعب جداً إن لم نقل من المستحيل أن ينجو أحدنا من الخديعة على المستويات المختلفة، فإن تمكنا من اكتشاف كل محاولات الاحتيال والخداع في علاقاتنا الشخصية قبل أن نقع ضحية لها، وقفزنا فوق الفخاخ التي ينصبها لنا الباعة ورجال التسويق، وتمكَّنا أيضاً من تجنب الوقوع في خداع السياسيين وقادة الرأي، ثم نجونا من خداع المثقفين والعلماء والباحثين والكتَّاب...إلخ، وذلك كله بعيد المنال؛ فلن ننجو من خداع النفس!، فإن لم يخدعك أحد لا بد أن تخدع ذاتك.... لكن لماذا؟


لماذا نتعرض للغش والخداع؟

بما أن الخداع آلية طوَّرها الإنسان للتعامل مع محيطة الاجتماعي بهدف الوصول إلى مصالح لا يمكن الوصول إليها بالطرق السوية أو بهدف اختصار المسافة وتسهيل تحقيق المصلحة؛ فإن تطور آليات المخادعة والغش مبني على فهم الدوافع الإنسانية والاحتياجات والميول التي تتحكم بقرارات الإنسان وخياراته، لذلك فإن النجاة من الخداع أمر بالغ التعقيد.
من جهة أخرى؛ فإن خداع النفس واحد من الأساليب التي نتبعها بشكل غير إرادي للحفاظ على الاستقرار النفسي والاتساق مع المحيط، كما في حالات النكران ورفض الواقع أو حالات التبرير والإسقاط وغيرها من الآليات الدفاعية النفسية التي تعتبر في جوهرها خداعاً للنفس.
وهناك بعض العوامل الذاتية والموضوعية التي تجعلنا أكثر عرضة للوقوع ضحية الخداع والغش سنتطرق لها في الفقرات اللاحقة، لكن لنتوقف أولاً مع أنواع الخداع.


أنواع الخداع المختلفة

في سبيل تجنب الوقوع في الخداع قدر الممكن والنجاة من الغشاشين سواء على مستوى الحياة الشخصية أو على المستويات العامة، لا بد أولاً من النظر في أنواع الخداع وذلك حسب أطراف لعبة الخداع.

خداع الأشخاص: وهو الذي نختبره بحياتنا اليومية كما يحصل عندما يخبرنا البائع بمميزات غير موجودة ويخفي عنا العيوب فنقع بفخ الشراء من مخادع، أو ما نتعرَّض له في حياتنا الشخصية كالشاب الذي يتقدم لخطبة فتاة يخبر أهلها أنه يمتلك بيتاً في منطقة راقية، ليتضح فيما بعد أنه استأجر شقة الزوجية في منطقة شعبية!.

الخداع العام: وهو الذي تمارسه الأحزاب السياسية والحكومات والأحزاب وقادة الرأي وحتى بعض الجمعيات الخيرية وبعض الشركات التجارية، وعادة ما يكون التضليل العام أكثر احترافاً وتنظيماً ويعتمد على دراسة دقيقة للمجتمع المخدوع أو الفئة المستهدفة، والخداع العام لا يهدف إلى خداع الأفراد فقط بل إلى خداع الجماعات ويراهن على الاندفاع الجمعي.
ومن تجارب الخداع والتضليل العام المعروفة مثلاً ما فعله الطبيب الانجليزي اندرو ويكيفلد عندما ادعى أنه اكتشف علاقة بين التطعيم الثلاثي MMR وبين إصابة الأطفال بمرض التوحد، ما أدى إلى إحجام الأهل في مختلف أنحاء العالم عن تطعيم أبنائهم ضد الحصبة الألمانية والنكاف، ليتضح فيما بعد أن الدراسة التي قام بها ويكيفلد غير حقيقية وملفقة لأهداف تجارية تتعلق بإصدار نوع جديد من اللقاح، يمكنك قراءة تفاصيل قضية اللقاحات والتوحد من خلال هذا الرابط

الخداع الذاتي: جميع الآليات الدفاعية النفسية تعتمد في جوهرها على خداع الذات، كما أننا غالباً ما نقع بفخ التصورات المسبقة وضحية للمظاهر الخداعة، ومن حالات خداع الذات الشائعة عندما نرفض الاعتراف بالهزيمة، وعندما نقنع أنفسنا بمبررات أخلاقية أن الأعمال المشينة ليست كذلك، وغيرها الكثير من حالات الخداع الذاتي، التي قد يتم استغلالها أحياناً كطريقة لعلاج بعض المشاكل النفسية!، نذكر منها[3]:
- جمع المعلومات المتحيزة، فعندما ترغب مثلاً باختيار تخصص جامعي قد تقوم بالتحيز لتخصص معين فتجتهد أكثر في جمع المعلومات عنه أو تحاول الحصول على إيجابياته أكثر من البحث عن سلبياته.
- التذكر المتحيز، وهو استرجاع الأجزاء المناسبة لنا من ذكرى معينة أو إضافة بعض التفاصيل أو تغيير تفاصيل أخرى لتصبح الأمور مريحة أكثر من الحقيقة، وقد يؤدي تحيُّز الذاكرة إلى إحلال ذكريات وهمية راسخة تبدو لنا أنها حقيقية تماماً.
- وهناك نوع أكثر تعقيداً من الخداع الذاتي؛ هو خداع الآخرين للحفاظ على الصورة الذاتية، كما يحصل عندما يكذب طالب الاستشارة على المستشار النفسي ويقدم معلومات منقوصة أو خاطئة أو مضللة، حيث وجدت دراسة أجريت على أكثر من ألف حالة أن معظمهم قدموا معلومات منقوصة وتعمدوا إخفاء بعض مشاعرهم أو قصصهم[2] على الرغم من أنهم يعلمون أهمية هذه المعلومات في علاجهم.
وفي السياق نفسه قد نقوم بخداع أنفسنا عندما نريد خداع الآخرين، وهذا ما يبدو واضحاً عندما نجبر أنفسنا على احترام شخص غير جدير بالاحترام لأننا نرغب بالحصول على فائدة منه.


عوامل الوقوع في الفخ

بعد أن حددنا مفهوم الخداع وأنواعه ومدى تعقيد عملية الوقوع في الفخ من حيث اعتمادها على الميول والدوافع والاحتياجات؛ حان الوقت لنتحدث عن العوامل الذاتية والموضوعية للوقوع في الفخ:

قلة الخبرة: من الأسباب الرئيسية التي تجعلنا نقع ضحية للخداع قلة خبرتنا في الموضوع، وبطبيعة الحال فإن الخبير بشراء الأدوات الطبية غالباً سينخدع عند شراء أدوات المطبخ، بمعنى أن تحصيل الخبرات في جميع مناحي الحياة أمر مستحيل، لذلك فإن الوقوع في فخ قلة الخبرة وارد دائماً.

التسرع في الاختيار والقرارات: القرار السريع ميزة من ميزات الناجحين على ألا يكون أهوجاً ومتسرعاً، فالقرارات المتسرعة والاختيار الخاطئ دون النظر بالخيارات المتاحة والاحتمالات يعتبر سبباً وجيها للخداع، حتى على مستوى العلاقات الشخصية فإن تفضيل التصديق على الشك، وتفضيل الطمأنينة على الحذر، قد تكون خطوات سريعة نحو الفخ.

تضخم الأنا: شخصياً أعترف أنني وقعت ضحية للخديعة والاحتيال أكثر من مرة فقط لأنني كنت أعتقد أن أحداً لن يتمكن من خداعي في هذا المجال أو ذاك!، ويوماً بعد يوم استطعت أن أفهم أننا جميعاً معرضون للخداع، وأن الاعتقاد الداخلي بوجود مناعة ضد المخادعين أو قدرة كاملة على اكتشاف الخديعة مجرد وهم يؤهلنا أكثر لنكون ضحايا.
 
العناد وانعدام المرونة: وفي سياق متصل مع تضخم الأنا يعتبر العناد سبباً لغرقنا أكثر مع المخادعين والمحتالين، فاعتقادنا أننا نعرف ما نفعل، وأن القرارات التي اتخذناها كانت صائبة، والخيارات التي اخترناها كانت صحيحة وغير قابلة للنقاش، يجعلنا نرفض الانسحاب على الرغم من الشواهد الكثيرة، فقط لأننا لا نريد الاعتراف بارتكابنا خطأ صغير بالتقدير والاختيار، فإن كان المخادع يريد إغماض عين نغمض له الاثنتين!.

النصاب المحترف: يعتمد المخادعون المحترفون على سلسلة من المفاهيم التي تتعلق بالدوافع الإنسانية وسمات الفرد البشري.
مثلاً عندما يريد البائع التخلص من فستان هو يعرف أنه بشع، يلجأ إلى إقناع الزبونة بتجريبه، ثم ينهال عليها بالمديح لأنه يعلم أن المديح له مفعول مُسْكِر، ثم يبدأ بالحديث عن ندرة القطعة التي لا مثيل لها لأنه يعرف أن النادر مغرٍ، وإن كان يعلم أن الزبونة في عداوة مع زبونة أخرى من زبائنه سيتعمد ذكر طلبها للفستان وأنه لم يعطها إياه لأنها لا تستحقه!.
كذلك على صعيد تضليل الرأي العام فهناك خلايا إعلامية متخصصة بتحويل المادة الإعلامية إلى خدعة محكمة تدفع بالعشرات إلى الاصطفاف بالمكان المطلوب، من خلال العزف على الأوتار الحساسة واستهداف التوقعات المسبقة للجمهور وتشويه وعيهم بالحاضر والماضي، إنه النصاب المحترف.


كيف نتجنب الخداع والتضليل؟

1- اكتسب مهارات الاختيار واتخاذ القرارات: عندما كانت الخدعة بمثابة عرض يقدمه المخادع، لنا أن نقبله أو نرفضه عن طيب خاطر؛ فإن مهارات الاختيار واتخاذ القرارات تعتبر من أهم الأدوات التي ستساعدنا على النجاة من الخداع والغش، ويمكنك قراءة مقالنا عن قواعد المفاضلة والاختيار، ومقالنا عن كيفية اتخاذ القرارات الصحيحة.

2- لا تكن مغروراً: يبدو أن الفخر والغرور والشعور المفرط باحترام الذات سبب أساسي للوقوع ضحية للخديعة[4]، فغالباً ما يبدي الأشخاص الناجحون قدراً أقل من الغرور والتكبر، لأنَّهم يستطيعون فهم وتقييم مهاراتهم وخبراتهم وقدراتهم الشخصية بشكل أفضل، بالتالي لن ينخدعوا بقدرتهم على كشف الخدعة!.

3- لا تقبل أن تدخل إلى القطيع بسهولة: جميعنا نتأثر بالدعاية بشكل أو بآخر، الكثير من الكتاب والمثقفين والشخصيات التي تعتبر ناجحة انساقت وراء دعايات مخادعة، لذلك يجب أن تتأكد أنك تتبنى الخطَّ الصحيح وليس الخطّ المغري.

4- كن مرناً: المرونة أيضاً وسيلة مهمة في سبيل تجنب الوقوع ضحية للخداع، فنحن عندما نرفض الاعتراف بخياراتنا الخاطئة نغرق أكثير في الخدعة، وعندما نختصر النقاشات ونتخذ القرارات دون أن نتعمق أكثر في الحقائق والمعلومات فإننا ندفع أنفسنا إلى الخدعة.

5- استفد من الخبرات السابقة وخبرات الآخرين: يقول المثل المشهور: إن خدعتني مرَّة فهذا عار عليك، وإن خدعتني مرَّتين فهذا عار عليَّ أنا!.
وقد نميل في سياق خداع الذات إلى طرد التجارب السلبية أو تزييف وقائعها، فيما يجب أن نتأكد من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل خدعة نتعرض لها وألَّا نسمح لأنفسنا بالوقوع في الفخ ذاته مرتين، كما يجب أن نستفيد من إخواننا المخدوعين.

أخيراً... لا أحد منا يرغب أن يقع ضحية للخديعة مهما كانت، وفي نفس الوقت لا أحد منَّا قادر على تحصين نفسه تماماً من المخادعين والنصابين، لكن فهم طبيعة الخداع والتضليل، والتحلي بمهارات الاختيار والسمات الشخصية التي تدعم المناعة ضد النصابين قد يكون خطوة كبيرة في حماية أنفسنا من الخديعة.


المراجع والمصادر

[1] مقال.تعريف الخداع والتضليل من وجهة نظر علم النفس، منشور في موقع Psychology today، تمت مراجعته في 26/5/2019.
[2] مراجعة.كتاب الأسرار والأكاذيب في العلاج النفسي للمؤلفين Barry A. Farber, Matt Blanchard, and Melanie Love، منشورة في موقع Psychology today، تمت مراجعته في 26/5/2019.
[3] مقال.للكاتب ماثيو هوستن حول آليات الخداع الذاتي التي تهدف لخداع الآخرين بشكل أفضل، منشور في موقع Scientific American، تمت مراجعته في 26/5/2019.
[4] مقال.للكاتب Shane Snow حول كيفية منع الآخرين من خداعنا من خلال مراجعة كتاب لعبة الثقة للمؤلفة Maria Konnikova، منشور في موقع fast company، تمت مراجعته في 26/5/2019.

ذات علاقة