كثيراً ما تسمع عبارات مثل: "من يعيش في وئام مع نفسه؛ يعيش في وئام مع العالم"، فكم من المرات شعرتَ بالإحباط، لأن الناس لا يتصرفون بالطريقة التي تتوقعها منهم؟ أو شعرت بالضيق لأنك تريد أن تكون سعيداً، لكن القلق يرافق حياتك؟ وتجد أنك غاضب من الأشياء الصغيرة دون أن تعرف السبب، لذا.. كيف تكون التجارب المؤلمة؛ فرصة لنموك وتحقيق التميز.. وليست عبئاً عليك؟


ذات صلة


الصراع  مع الواقع

لا بد أن تتعرف على السبب وراء صراعك مع الحياة
إنه خيارك لأن تكون في حالة حرب مع الواقع، حيث يمكنك قبول شكل حياتك وتحقيق السلام، أو يمكنك الاستمرار في الصراع مع الواقع حتى النهاية، إذ يعني القبول التخلي عن القتال، وليس عن أحلامك، فبدلاً من أن تتمنى حياة مختلفة.. ابدأ بتحويل حياتك نحو الأفضل، وأنت تعلم أن كثير من الناس يخلطون بين القبول والاستسلام، لأننا معتادون على مواجهة مستمرة ضد الواقع الذي لا نقبله، ونظن أن القبول هو فقط.. للجبناء، وهو ابتعاد عن الرغبة في عيش الحياة التي نريدها.
ما نقوله حتى الآن.. هو الخطوة الأولى لفهم السبب الجذري للصراع مع الواقع، مثلاً قد ترغب بالانتقام من أحدهم ودفعه للشعور بالألم، الذي قاسيته بسببه.. هذا ما ترغب به! لكن ذلك يعني أنك مدفوع بردود فعل عاطفية، وغضب مشحون مقيم في نفسك دون أن تدرك ذلك، بالنتيجة.. تتابع الهزائم والهزات العنيفة في حياتك، بينما تستطيع صنع السلام الداخلي؛ بالانفتاح والتقبل وتكوين الخبرة من كافة تجاربك المؤلمة، لأن المعاناة تعني أنك ستبحث عن موقف أو شخص تلومه، وترغب بأن يدفع ثمن الألم الذي تعانيه! 
هذا هو الخداع للنفس بحد ذاته، لأن النتيجة هي ما تحاول التعامل معه، وليس ما تقوم به فعلياً للتخلص من معاناتك، ولا ينتهي الصراع الداخلي حتى لو وصلت فعلياً لنوع من الانتقام، بل تغدو في حالة حرب مع الجميع ومع العالم وهذا أمر لا نهاية له، بطبيعة الحال.. سيتولد عنه المزيد من القلق والرغبة بالانتقام، حتى لو لم تجد هدفاً لانتقامك هذا، ربما تصارع نفسك فحسب وتخسرها في النهاية، على الرغم من وضوح خيار السلام الداخلي.. أمامك!
 

ذات علاقة


صانع السلام

معظم الصراعات مع الواقع والآخرين.. منبعها الذات!
هناك المزيد من التوتر في محاولة تغيير ما لا تستطيع السيطرة عليه والتحكم به، كما أن رغبتك بالسلام لا تعني تجنب مواجهة الواقع في الكثير من المواقف التي تستدعي المواجهة [1]، من خلال قدرتك على تحديد ما يلزم أن تواجهه، لأنك عندما تحاول السيطرة على لعبة الحياة ستتعثر، في الوقت الذي لا بد أن تفوز من خلال حساب الاحتمالات والتفاصيل كذلك الحقائق والدقائق، وليس من خلال الصراخ وشتم العيش.
بدلاً من محاربة الواقع لا بد أن تتكيف معه، وفي كثير من الأحيان ستشعر بالشلل والعجز عن التصرف، لأن الأمور تسير بعكس توقعاتك! لهذا فإن القبول يساعدنا على تحييد إحباطنا، فنستطيع أن نواجه ظرفاً طارئاً أو نتيجة غير متوَقعة؛ باستخدام خطة بديلة مستفيدين من النتائج، التي حققناها ولو جاءت مختلفة تماماً عما سعينا إليه.
والقبول يعني التغاضي عن الأفعال والسلوكيات الضارّة ثم التصرف بتريّث وحكمة وروية، بدلاً من الرد العاطفي على ما آلت إليه الأمور، وعليك لتحقق ذلك؛ محاولة فهم الأحداث الخارجة عن سيطرتك، والبحث عن الوضوح وليس الانتقام، كما أن القبول للظروف يشمل الأشخاص أيضاً، ولا يعني أن نحاول تغيير الآخرين [2].
 

قل نعم للحياة!

هل يمكن حل مشاكل الواقع.. دوماً؟
حقيقةً.. من الصعب قبول ما لا تريد، والأصعب هو عدم القبول، وعدم قبول الألم يجلب المعاناة، بالتالي قد لا تتقبل عملك أو الدراسة في كلية لم تخترها، قد لا تتقبل خيانة شريك حياتك، أو وفاة شخص عزيز، إنك بهذا.. ترفض قبول الحقيقة، وتعتقد أن القبول هو الموافقة على ما تقوم بقبوله، وهذا الصراع مع الواقع يتجلى الآن في حياتك بطريقة تزيد الخسائر عليك أولاً.
دعنا نطرح مثالاً بسيطاً، أنت في طريقك إلى مقابلة عمل مهمة، وتشكل نقطة تحول على مفترق حياتك المهنية؛ تتأخر بسبب حادث مفاجئ على الطريق، هل تعتقد عندها أن الهلع، الذي يصيبك والقلق والتعرق والإجهاد والتفكير؛ سيغير شيئاً؟ بينما يُعد قبول هذا الموقف أقل ألماً، ومن المحتمل أن يكون أكثر فاعلية، حيث ستصل في النهاية إلى مقابلتك أقل حزناً وربما أكثر قدرة على إدارة الموقف، كما أنك مع القبول، لن تنهار وتلعن حياتك وحظك لأنك فوتت المقابلة، فقد تطلب موعداً جديداً، أو على الأقل.. لن يتحكم بك رد فعل عاطفي، ولن يقف حائلاً أمام بحثك عن فرصة عمل أفضل.

ممارسة القبول.. بداية الشفاء من ألم الصراع مع الواقع
هذا كله يتطلب منك الممارسة، فعندما تمارس القبول؛ من الطبيعي أنك لا تزال تشعر بخيبة أمل وحزن وربما خوف في مثل هذه الحالات، لكنك لا تضيف ألم عدم القبول لتلك المشاعر فتزيد الأمور سوءاً، وبذلك تساعدك ممارسة القبول في مثل هذه المواقف، على الاستعداد لظروف أكثر صعوبة في الحياة أيضاً.
القبول يعني أنه يمكنك البدء في الشفاء، لأن مقاومة الواقع تؤخر الشفاء وتضيف ألماً ومعاناة إلى ألمك الأساسي، وعندما تمارس القبول كل يوم، قد تكون أكثر استعداداً عندما تمرّ بأصعب التجارب في الحياة، لذا فإن قبول ازدحام المرور الكثيف مثلاً؛ يتعلق بتخفيف معاناتك في تلك اللحظة، كذلك هو اختبار قدرتك على تقليل معاناتك في المواقف الأكثر صعوبة التي قد تحدث.
وفي بعض الأحيان، لا تريد الشعور بالألم، لكن هناك العديد من مواقف الحياة المؤلمة، ولا تستطيع السيطرة عليها، كذلك تلك المشكلات التي لا تستطيع إيجاد حلولها! بالتالي لا يمكننا تجنب هذا الألم، لكن يمكننا التحكم في مدى معاناتنا، لأن المعاناة هي الجزء الذي يمكنك السيطرة عليه، فكيف تبدأ؟.. 

تعطينا الحياة الكثير من الفرص لممارسة القبول من خلال:
1- الخيار الأول؛ إذا كانت لديك مشكلة يمكنك حلها، فلتفعل ذلك.
2- إذا لم تتمكن من حل المشكلة، يمكنك تغيير طريقة النظر إليها ومن زاوية مختلفة.
3- إذا لم تستطع حل المشكلة ولا تغيير طريقة رؤيتك لها؛ قم بممارسة القبول.
4- ابدأ بالتركيز على أنفاسك، راقب الأفكار التي قد تكون لديك فقط في اللحظة التي تواجه فيه المشكلة، مثل: "هذا ليس عدلاً"، أو "لا يمكنني تحمّل ما يحدث معي".
5- دع هذه الأفكار تمرّ! ثم امنح لنفسك فرصة القبول كأن تقول: "هذا ما حدث".
6- تذكر أنك لا تستسلم بمجرد قبولك للوضع السيء، حيث يمكن أن تبقى الأمور.. على ما هي عليه.
 

استسلم لنفسك

كيف يمكنك الانتقال من المقاومة إلى القبول؟
ببساطة.. يجب أن تحرر نفسك؛ تقبّلها واستسلم للحياة بشكل إيجابي، لا تستغرب لأن الاستسلام للحياة يعني أن تستمد طاقة الحرية للتغيير، وذلك بالتخلص من ردود الفعل العاطفية التي تعمل حرفياً على؛ إطفاء قدرتك على فهم الأمور، التي تسبب المعاناة في حياتك، كما تشلّ مرونة التفكير لديك؛ في إيجاد الحلول لأي من المشكلات التي تواجهك.
عندما تقول نعم للحياة؛ تتعلم كيفية مراقبة أفكارك، وليس رؤية الحياة والواقع من خلالها، ذلك عن طريق إزالة (الضباب والغبار) الذي يملئ تفكيرك، بالتالي تكتسب الوضوح، خذ مثلاً عندما تنظر إلى الأعلى، وترى السحب تمرّ من دون مقاومة.. أنت تراقب ولا تقاتل وتتصارع مع الواقع، إنها الحقيقة.. هلا جربت هذا الشعور للحظات وبصدق!؟ لأنه من غير المجدي الشعور بالضيق، فقط لأن السحب لا تحتوي على الأشكال التي تتوقع رؤيتها!
يعني الاستسلام للنفس.. أن تكون على استعداد لعدم خوض المعركة مع الواقع، واختيار السلام بدلاً من ذلك، حتى لو كان يعني للحظات؛ أن لا تفكر ولا تتمتع بالمعرفة!.. وفي نفس الوقت لا يعني ذلك الهروب من الواقع، ولا التخلي عن الأحلام، ليس القبول هو الاستسلام لما يمليه عليك الآخرون مثلاً، لكنه السير مع تيار نفسك أولاً وقول نعم للحياة ثانياً، فيصبح الواقع أقل إيلاماً لك، وتختار ما تريد أنت أن تواجهه وليس ما تفرضه عليك الظروف، فتكون أكثر استعداداً لما تختار الحصول عليه، لذا:
- توقف عن طرح سؤال: "لماذا يحدث هذا لي، ما الذي فعلته لاستحق كل هذا الألم!؟"
- توقف عن لعب دور الضحية، لأن المقاومة متأصلة في الضحية، وأنت لا تستحق المعاناة.
- كفَ عن نعت الحياة بأنها ليست عادلة، هذا غير صحيح.. إنها الحياة فقط!
- يجب أن تدرك وتؤمن بأن القبول؛ لا يعني الاستسلام والانعزال وترك عيش الحياة.
- يمكنك فتح جروح الماضي وتواجهها بشكل أكثر عقلانية، أو قبول ما لا يعجبك في الواقع والناس، وهكذا ستشفى من مشكلة المعاناة والصراع الدائم مع الحياة والواقع والآخرين.
- لا يمكنك تقدير ما لديك إذا كنت تقاتل الواقع بشكل دائم، لأن السعادة هي الاستسلام للحظة (الاستسلام بمعناه الجميل، أي القبول).

في النهاية... تذكر هذا؛ استسلم لنفسك واجلب السلام مع عيش الحياة وقبول الواقع والناس، إنها فرصة أمامك لمرة واحدة، ولا يعني قبولك الواقع؛ الموافقة على الاستسلام السلبي، شاركنا رأيك من خلال التعليقات.
 

المصادر والمراجع

[1] بودكاست حول القبول مقابل الاستسلام، منشور على موقع: Secularbuddhism، تمت المراجعة في: 14/06/2019
[2] المعلمة البوذية بيما شودرون Pema Chödrön، حول اختيار السلام، منشور على موقع: lions roar، تمت المراجعة في: 13/06/2019
[3] مقال د. ليا تشارنين  (Leia Charnin) حول تعلم فن القبول، منشور على موقع: Psychbytes، تمت المراجعة في: 13/06/2019