إن التمييز بين إدمان العمل كاضطراب سلوكي مميّز وبين المفاهيم الأخرى كالانهماك بالعمل أو الاحتراق النفسي أو العمل المضاعف؛ يعتبر الخطوة الأهم في فهم إدمان العمل وأسبابه النفسية والموضوعية وآليات الخروج من العمل القهري.
في هذا المقال نحاول أن نضع الحدود الفاصلة بين إدمان العمل المشخَّص وبين المفاهيم الأخرى المتعلقة بالانهماك بالعمل، ونوضِّح أعراض الإدمان على العمل والأسباب النفسية والموضوعية التي تجعل أحدنا مدمناً على العمل إدماناً شبيهاً بإدمان المقامرة أو إدمان الجنس، ثم نتحدث عن طرق علاج إدمان العمل والآثار السلبية لإدمان العمل على الأداء الاجتماعية والحالة النفسية والصحية.
 


ذات صلة


مفهوم إدمان العمل

حتى الآن لم يتم الاعتراف بإدمان العمل كاضطراب نفسي أو عقلي مميز على غرار اضطراب ألعاب الانترنت الذي تم الاعتراف به مؤخراً، حيث لم يتم إدراجه في آخر إصدار من الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية DSM 5، لكن إدمان العمل يشبه إلى حد بعيد أنواع الإدمان السلوكي الأخرى[1]، مع وجود بعض الفوارق التي نتطرّق لها في مكانها.
فإدمان العمل هو الإقبال على العمل بشكل قهري وفوق طبيعي، دون أن يكون الشخص قادراً على السيطرة أو التوقف بشكل إرادي، وسيكون العمل في هذه الحالة هو السلوك الأهم في الحياة الذي يمنح الشخص المصاب بالإدمان الراحة والطمأنينة والثبات، وحتى مع إدراك الشخص للآثار السلبية لإدمان العمل إلَّا أنه لن يستطيع التوقف وسيشعر بالعجز أمام الامتناع عن العمل أو أخذ فترة استراحة؛ لنتعرّف إلى أعراض إدمان العمل.
 

ذات علاقة


أعراض الإدمان على العمل

كما ذكرنا فإن الإدمان على العمل يشترك من حيث المظاهر والأعراض مع معظم حالات الإدمان السلوكي، ويمكن توضيح أبرز أعراض الإدمان السلوكي عموماً  (كالإدمان على القمار أو ألعاب الإنترنت أو الجنس) وإدمان العمل خصوصاً كما ذكرها الدكتور Mark D. Griffiths، حيث يرى أن الإدمان السلوكي لا بد أن يتميز بستة مكونات أساسية هي[2]:

1- الأهمية والصدارة، أي مدى أهمية السلوك بالنسبة للفرد وما هو ترتيبه ضمن أولوياته وإلى أي درجة هو راسخ في قائمة الأولويات، وفي حالة الإدمان على العمل يكون العمل على رأس قائمة الأولويات وقادراً على إزاحة الكثير من السلوكيات الأخرى مثل الأنشطة الاجتماعية والواجبات العائلية والزوجية وغيرها.

2- أن يكون السلوك مرتبطاً بتحسين المزاج، حيث ينظر المدمن على العمل إلى عمله كأفضل الممارسات في حياته، ويعتقد أن العمل هو المكان المثالي للهروب من أمور أخرى وللحصول على جرعة عالية من السكينة والسعادة، وكلما تعرّض لضغط يلجأ إلى العمل لتخفيف التوتر وتحسين المزاج.

3- التحمُّل، هو من أعراض الإدمان السلوكي عموماً شأن كل الأعراض التي نذكرها، ويعرف التحمُّل أو تناقص الفعالية Tolerance في المجال الصيدلاني مثلاً أنه انخفاض فعالية الجرعة مع الاستخدام المتكرر للدواء ما يتطلب زيادة الجرعة[3]، وعلى صعيد إدمان العمل فإن من أعراضه ومظاهره الزيادة التدريجية لعدد المهام ومدة العمل للحصول على فاعلية نفسية أكبر.

4- أعراض الانسحاب، وتشمل المشاعر السلبية والأعراض النفسية والجسدية التي قد تتزامن مع الامتناع عن العمل أو محاولة تقليص عدد ساعات العمل، مثل تقلبات المزاج والاكتئاب وغيرها.

5- الصراع، ويكمن النظر إلى الصراع كجزء من أعراض الانسحاب، ويشمل صراع الشخص مع ذاته ومع الآخرين أو مع مجالات النشاط المختلفة نتيجة عدم القدرة على ممارسة العمل لسبب أو لآخر.

6- الانتكاس، وهو العودة إلى النشاط موضوع الإدمان بعد فترة من التحكُّم أو العلاج، وغالباً ما تكون العودة أكثر شدة وحدة، ويكون الانسحاب مجدداً أكثر صعوبة.
 

ما الفرق بين إدمان العمل والانهماك بالعمل؟

في مقال آخر للدكتور Mark D. Griffiths يجد أنه من الضروري التمييز بين مصطلح الإدمان على العمل وغيره من المصطلحات المتشابهة[4] مثل شمولية العمل أو الانهماك في العمل والاحتراق الوظيفي وغيرها من المصطلحات، حيث تشير معظم المصطلحات المشابهة إلى الانشغال بالعمل ومقدار الوقت بغض النظر عن المشاعر الداخلية تجاه العمل والعلامات أو المكونات الستة للإدمان السلوكي التي ذكرناها سابقاً، فيما يجب التعامل مع مصطلح إدمان العمل كمصطلح محدد يشير إلى حالة الإدمان السلوكي على العمل، وبذلك يكون الإدمان على العمل أقرب إلى الإدمان على المقامرة والجنس منه إلى العمل المفرط من حيث الجوهر.

اختبار بيرغن للإدمان على العمل
إنك تتساءل الآن حول مدى إدمانك على العمل وإن كانت الأعراض التي ذكرناها تنطبق على حالتك أم لا؛ إليك اختبار بيرغن للإدمان على العمل، وهو اختبار قام على تطويره باحثون من جامعة بيرغن عام2012 يشمل سبعة أسئلة[5]، من خلال الإجابة عليها ستتعرف إلى مدى إدمانك على العمل، انقر هنا لإجراء الاختبار فوراً.
 

أسباب الإدمان على العمل

غالباً ما تكون أسباب إدمان العمل ذاتية تتعلق بنظرة الفرد إلى ذاته وإلى محيطه وفهمه للقيمة والصورة الاجتماعية وسمات شخصيته، إضافة إلى بعض الأسباب الموضوعية كطبيعة العمل أو الاعتياد أو الظروف المالية السابقة والراهنة، ويمكن النظر إلى مجموعة من الأسباب الرئيسية لإدمان العمل:

1- تدني احترام الذات: يرتبط إدمان العمل بشكل كبير بتدني احترام الذات والشعور بالدونية، حيث يلعب العمل الشاق والدؤوب دوراً في تحسين الصورة الذاتية وتعزيز احترام الذات، ويخشى المدمن على العمل أن يكون تقليص ساعات العمل أو رفض بعض المهمات سبباً لتدهور صورته الاجتماعية أو انخفاض احترامه لذاته، وقد تحدثنا عن هذه النقطة بالتفصيل في مقالنا عن انخفاض تقدير الذات وتشوّه الصورة الذاتية.
كما أنَّ حاجة البعض للاهتمام المستمر تدفعهم إلى التفاني أكثر في العمل للحصول على الثناء والإعجاب والاهتمام، وعادة ما يقدم أصحاب العمل اهتماماً استثنائياً بالمدمنين على العمل.

2- المخاوف والهواجس: ويُعتقد أن هناك مجموعة من المخاوف والهواجس الشخصية التي تؤدي إلى الإدمان على العمل، أبرزها الخوف من التغيير والهواجس المالية[6].

3- الكمالية: الأشخاص الذين ينشدون الكمال في حياتهم يبدون ميلاً أكبر للإدمان على العمل، والكمالية قد تكون ناتجة عن سياق تربوي يكرس مفاهيم العمل الشاق والدؤوب والاجتهاد والمثابرة وقد ترتبط ببعض الاضطرابات النفسية مثل الوسواس القهري.

4- التغلب على المشاعر السلبية: يندفع البعض نحو العمل للتغلب على مشاعر القلق والإحباط أو المشاكل والضغوطات اليومية أو حتى هروباً من التعاسة الزوجية.

5- طبيعة العمل نفسه: هناك بعض المهن التي تفرض على أصحابها التزاماً أكبر وساعات عمل أطول لتحقيق الذات وتطوير السيرة المهنية، مثل الطب والمحاماة، وقد يكون إدمان العمل متعلقاً بطبيعة هذه المهن وما تتطلبه من جهد مضاعف للحفاظ على التقدم.

6- الهروب والتجنب: في مقالنا المفصًّل عن اضطراب الشخصية التجنبية تحدثنا عن رغبة المصاب بهذا الاضطراب بأداء أعمال محددة ومعروفة مسبقاً تجنباً لتجارب جديدة، وقد يدعم اضطراب التجنَّب إدمان العمل للهروب من المشاكل المختلفة وتجنب الصراعات المحتملة في الحياة.

7- حب العمل: ببساطة قد يكون إدمان العمل مرتبطاً بالشغف وحب العمل أكثر من أي شيء آخر.
 

الآثار السلبية لإدمان العمل

بطبيعة الحال ينعكس إدمان العمل في معظم الأحيان بشكل إيجابي على الدخل والصورة الذاتية والاجتماعية والمسيرة المهنية، وفي حالات العمل الخاص ستظهر نتائج إدمان العمل بشكل واضح على نمو العمل وتطوّره، لكن إذا أقمنا مفاضلة بين الآثار السلبية والإيجابية لإدمان العمل فما هي النتيجة المتوقعة؟!، لنتعرف أولاً إلى الآثار السلبية لإدمان العمل[7]:

العمل أولاً وثانياً وثالثاً
يجد مدمنو العمل صعوبة بالغة في التوقف عن العمل، حتى في العطلة أو الإجازة ستجدهم يحافظون على اتصال دائم مع عملهم، وفي أحسن الأحوال سيكون ذهنهم مشغولاً بالعمل.
أولوية العمل أيضاً تنعكس بشكل كبير على العلاقات والنشاطات الاجتماعية، فليس من السهل إقناع مدمن العمل بزيارة روتينية للأقارب.

أسرة المدمن على العمل
الانشغال الدائم بالعمل والغياب شبه التام عن الأسرة سيؤدي بطبيعة الحال لفقدان الاتصال الفعال مع الشريك ومع الأبناء، كما أن المدمن على العمل يعتقد أن الدور الأساسي والأهم لأفراد أسرته وشريك حياته هو دعمه في عمله، وغالباً ما يتبع مدمنو العمل سياقاً تربوياً يجعل الأطفال أكثر قلقاً حيال الكمالية وتحقيق المثالية.

الآثار النفسية والجسدية للإدمان على العمل
من جهة فإن الإدمان على العمل قد يجعل المدمن أقل تقبلاً للنقد وأقل تسامحاً وتعاطفاً، وأقل مرونة في مواجهة المشاكل الحياتية المختلفة خاصة مشاكل الأسرة والمشاكل الزوجية، وقلَّما يعترف المدمنون على العمل أن انشغالهم بالعمل يهدد استقرارهم العائلي أو النفسي أو حتى صحتهم الجسدية.
وهناك مجموعة من المشاكل النفسية التي تنتج عن إدمان العمل وتتطور في ظله، مثل القلق واضطرابات النوم وانخفاض القدرة على التعامل مع الضغط وغيرها.
وعلى الصعيد الجسدي فإن الإرهاق والتوتر الدائمين من الأسباب الرئيسية للإصابة ببعض الأمراض مثل الجلطات ومشاكل القلب والشرايين، وفي بعض الأعمال سيواجه مدمن العمل أوجاعاً مبكرة مثل مشاكل الظهر والرقبة والركبتين وغيرها.
 

علاج الإدمان على العمل

بطبيعة الحال سيكون تحديد مستوى الإدمان على العمل مهماً في تحديد آليات العلاج، حيث يتم تحديد الدرجة من بين ثلاث درجات هي[8]:
1- الدرجة المبكرة:
وهي الفترة الأولى التي يظهر فيها الميل إلى العمل بشكل مفرط، وتحمُّل مهام إضافية والتنازل عن العطل والإجازات حتى إن لم يكن هناك مقابل مادي مغري، وهذه الفترة هي الأنسب للعلاج الذاتي.

2- الدرجة المتوسطة: المرحلة المتوسطة من إدمان العمل تتميز بظهور الآثار السلبية بشكل واضح مثل تدهور الأداء الاجتماعي والعلاقات الأسرية وظهور اضطرابات النوم والشهية، وعلى الرغم من قابلية العلاج الذاتي في هذه المرحلة إلى أن طلب المساعدة سيكون أفضل بكل تأكيد.

3- المرحلة المتأخرة: وهي مرحلة تبلوّر الآثار والأعراض المصاحبة لإدمان العمل بشكل كامل وخطير، حيث تظهر المشاكل الصحية المزمنة مثل الصداع واضطرابات النوم، وتظهر علامات الانسحاب والصراع التي ذكرناها سابقاً، ولا بد في هذه المرحلة من طلب المساعدة الاختصاصية للتعامل مع آثار الإدمان على العمل الصحية والنفسية.

ولمّا كان الإدمان على العمل ينتمي إلى فئة الإدمان السلوكي فإن التدخل العلاجي سيكون تدخلاً نفسياً صرفاً، حيث يستهدف العلاج النفسي إعادة تكوين بعض المفاهيم الأساسية حول القيمة الذاتية ومفهوم النجاح، وأهمية العناية بالصحة وتحقيق الرفاهية وجودة الحياة، وغالباً ما يتطلب العلاج الفعال تدخلاً من الأسرة والأشخاص المقربين[9].
ثم سيتم مساعدة المدمن على العمل لتنظيم وقته بشكل أفضل وخلق وقت شخصي للتأمل والممارسات البعيدة عن المهام الوظيفية وتلبية احتياجات الآخرين، إضافة إلى الأوقات الاجتماعية.
 

المراجع والمصادر

[1] مقال الدكتور Leah Walker "أعراض إدمان العمل، آثاره، وكيف يمكن التعامل معه" منشور في projectknow.com، تمت مرجعته في 19/6/2019.
[2] مقال الدكتور Mark D. Griffiths "لمحة عن الإدمان السلوكي" منشور في مدونته الشخصية drmarkgriffiths.wordpress.com، وموقع addiction.com، تمت مرجعته في 19/6/2019.
[3] مقال الدكتور Erik MacLaren "فهم الاحتمال والاتكال والإدمان" منشور في drugabuse.com، تمت مرجعته في 19/6/2019.
[4] مقال Mark D. Griffiths "الإدمان على العمل والانهماك بالعمل هل هما نفص الشيء؟" منشور في psychologytoday.com، تمت مراجعته في 19/6/2015.
[5] مقال SVERRE OLE DRØNEN "مندفع إلى المعمل، طوَّر الباحثون في جامعة بيرغن اختبار جديد لقياس إدمان العمل" منشور في موقع جامعة بيرغن، تمت مراجعته في 19/6/2015.
[6] مقال "إدمان العمل" منشور في addictionexperts.com، تمت مراجعته في 19/6/2015.
[7] مقال Elisabet Kvarnstrom "الاختباء وراء العمل: التعرف على إدمان العمل كتعبير عن القلق" منشور في bridgestorecovery.com، تمت مراجعته في 19/6/2015.
[8] مقال "علامات وأعراض إدمان العمل" منشور في foundationsrecoverynetwork.com، تمت مراجعته في 19/6/2015.
[9] مقال "علاج إدمان العمل" منشور في healthyplace.com، تمت مراجعته في 19/6/2015.