الحمل تجربة استثنائية في حياة كل امرأة؛ تستعد من خلاله لدور أمومتها.. إنها رحلة ممتعة لا تكاد تخلو من الغموض واللذّة والإرباك الناجم عمّا يحدث في جسدها بدءاً من علامات الحمل الأولى وانتهاء بعملية الولادة وما يليها من فترة النفاس، قد يشوب هذه الرحلة بعض المتاعب الصحيّة التي إمّا أن تظهر خلال مراحل الحمل كنتيجة لتبدّلات هرمونية وجسديّة، أو تكون موجودة مسبقاً كـ (حالة مزمنة) عند المرأة الراغبة بالإنجاب، وهنا ستحتاج رعاية خاصّة لها ولجنينها منذ بداية حملها.
الأمراض المزمنة خلال الحمل وكيفية علاجها وتدبيرها هو موضوع هذا المقال.


ذات صلة


أمراض الحمل المزمنة

الحالات الصحية والأمراض المزمنة الشائعة خلال الحمل
المقصود بالأمراض المزمنة.. حالات صحيّة يعايشها الشخص لفترة زمنيّة طويلة (سنة أو أكثر)، تؤثر على طبيعة الحياة اليومية لنشاطاته، وتحتاج إلى رعاية طبيّة مستمرة وعلاجات دوائية معينة [1].

فالعديد من النساء لديهنّ مثل هذه الأمراض وهنّ راغبات بالإنجاب، وهذا الحالات الصحيّة في تزايد مستمر(للأسف) مثل مرض السكري وضغط الدم؛ حيث أنّ الأمراض المزمنة خلال الحمل تزيد من فرص حدوث الولادة المبكرة والولادة القيصريّة لدى الأم، هذا ما تحدثت عنه دراسة أظهرت أيضاً، إمكانية  زيادة تعرّض الأم التي تعاني من مرض مزمن؛ لمشاكل نفسية (كالقلق واضطرابات المزاج) أثناء الحمل، واكتئاب ما بعد الولادة [2].

لكن لا تقلقي.. لدى جسدك قوّة ودور عظيمين في حمايتك وحماية جنينك خلال مرحلة الحمل، والتي قد تمرّ بسلام تام في حال اتباعك تعليمات طبيبك المتخصص والتزامك بنمط حياة صحي ملائم لحالتك، وقد تحتاجين لرعاية واهتمام أكبر، وبالتأكيد بعض الأدوية الضرورية لكل حالة، خلال الفقرات التالية نستعرض معاً أشهر الحالات المرضية، التي تعانيها بعض الحوامل وأهم ما يتضمنه علاجها الدائم ومتابعتها خلال الحمل.

أشهر الحالات المرضية (الأمراض المزمنة) وكيفية تدبيرها وعلاجها خلال فترة الحمل
فيما يلي نستعرض معاً أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً، والتي تعاني منها بعض السيدات الحوامل، قبل أن نتناول كل حالة على حدةٍ من حيث تأثير كل مرض مزمن على الحمل وطريقة التعامل مع الأمراض المزمنة خلال فترة الحمل وعلاجها، فأكثر الحالات المرضية المزمنة التي قد تؤثر على الحمل شيوعاً:
- أمراض المناعة الذاتيّة أثناء الحمل
- مرض الربو خلال الحمل وتأثيره على الحامل
- مشاكل الغدة الدرقية أثناء الحمل (خمول وفرط الدرق)
- ارتفاع ضغط الدم المزمن والحمل
- الحامل المصابة بمرض السكري "السكري والحمل"
- الحمل والصرع
 

ذات علاقة


أمراض المناعة الذاتيّة أثناء الحمل

الصدفية مثال على أمراض المناعة الذاتية المزمنة التي قد تؤثر على الحامل، والصدفية مرض جلدي يسبّب بقعاً مؤلمة من الجلد السميك والمحمرّ، وتستدعي الحكة بشكل مستمر، والتي تظهر عادةً على المرفقين، والركبتين وفروة الرأس، كذلك الظهر والوجه.
الخيار العلاجي الأول والآمن لدى الحامل وتعاني من حالة الصدفيّة، هو العلاج الموضعي كالمرطبّات (الفازلين) وقد يُنصح باستخدام كريمات ومراهم الكورتيزون الموضعية بجرعات قليلة إلى متوسطّة، والتي تطبّق على مساحات محدّدة وبكميّات محدودة [3].

ملاحظة لطيفة: تظهر لدى الكثير من السيدات حالة تحسّن في تراجع أعراض الصدفيّة أو اختفائها إلى حد كبير أثناء الحمل، ويعزو ذلك إلى الطبيعة الستيروئيدية لهرمونات الحمل والمشابهة لفعل الكورتيزون، والذي كما ذكرنا سابقاً هو العلاج الأساسي للصدفيّة، وهنا أصبح الحمل فرصة ممتازة للشفاء [4]، (الستيروئيدات مواد كيميائية أغلبها هرمونات ولها دور في التقليل من الالتهاب في الجسم).
 

مرض الربو خلال الحمل وتأثيره على الحامل

الربو مرض التهابي رئوي مزمن يحدث فيه تضيّق في السبل التنفسيّة مسببّةً صعوبة بالتنفس، ويختلف تأثير الربو على النساء الحوامل، فبينما تتفاقم الأعراض التنفسيّة لدى البعض، تتحسن هذه الأعراض لدى نساء أخريات، وبالضرورة من الواجب رعاية مريضة الربو الحامل من بداية الشهر الأول، حيث أنّ معظم أدوية الربو بالاستنشاق آمنة لها أيضاً، بما في ذلك تيربوتالين (terbutaline) البوتيرول (albuterol ) وبريدنيزون (prednisone).

وتعتبر مضادات الهيستامين كـاللوراتادين (loratadine) خيار جيد لتفريج (تحسين) أعراض السيلان الأنفي أو حكّة العيون وهي من الأعراض التي ترافق مرض الربو، كما قد تزداد هذه الأعراض خلال الشهر السادس من الحمل[5].
 

مشاكل وأمراض الغدة الدرقية أثناء الحمل

فرط نشاط الدرق وتأثيره على الحامل
وهي حالة من النشاط الزائد في الغدَة الدرقية، وذلك يسبب زيادة في إفراز هرمونها (التيروكسينthyroxine) وسيترافق ذلك مع أعراض كثيرة منها:
- تقلبات المزاج.
- فقدان الوزن أو عدم زيادته أثناء الحمل.
- عدم انتظام ضربات القلب.
- زيادة حرارة الأطراف
- الإصابة بالإسهال.
- مشاكل في النوم

يلعب هرمون الحمل دوراً في التسبب بفرط نشاط درق مؤقت، وهنا لا حاجة للأدوية لأن مستويات هذا الهرمون تعود طبيعية في الثلث الثاني من الحمل، أما في حال كانت الإصابة سابقة لحدوث الحمل فتعتبر إصابة مزمنة ويجب معالجتها بأدوية وأهمها الميتمازول (methimazole) و بروبيل تيوراسيل (propylthiouracil)، وتعبر هذه الأدوية المشيمة بكميّات صغيرة وهناك قلق حول تأثيرها على الجنين، لذلك توصف بأقل الجرعات العلاجيّة الممكنة، لكن من المهم أن تستمر المرأة الحامل بتناول الدواء إذا لزم الأمر، لأن فرط نشاط الغدة الدرقية غير المنضبط يؤدي لمضاعفات مثل الولادة المبكرة وانخفاض وزن الجنين عند الولادة[6].

قصور نشاط الدرق والحمل
وهي حالة من كسل الغدة الدرقيّة وذلك يسبب نقص بإنتاج هرمون (التيروكسين thyroxine) وسيترافق ذلك مع أعراض كثيرة مثل:
- التعب المستمر.
- برودة الأطراف.
- زيادة الوزن.
- تشنجات العضلات.
- تساقط الشعر وجفاف الجلد.
- إمساك.
- تقلبات المزاج.

العلاج الأفضل للحامل في في حالة كسل الغذة الدرقية هو بتعويض هرمون التيروكسين ببديل له يدعى بالليفوتيروكسين (levothyroxine)، وهو آمن لك ولطفلك ويقلل من خطر مضاعفات قصور نشاط الدرق ومخاطر القصور الدرقي على الحمل (كفقر الدم وانفصال المشيمة)، ويفضّل أخذ هذا الدواء على معدة فارغة في الصباح الباكر. [7]
 

ارتفاع ضغط الدم المزمن والحمل

 ارتفاع ضغط الدم بقيمة أكثر من 14/9 (القيمة الطبيعية 12/8)؛ المشخّص قبل بدء الحمل بـ 20 أسبوع يعتبر ارتفاعاً مزمناً بالضغط، وهنا نميّزه عن ارتفاع الضغط المحرّض بسبب الحمل (ارتفاع الضغط كواحد من أعراض الحمل)، وهو حدث طارئ ينتهي بعد الولادة ويظهر بدءاً من الأسبوع العشرين للحمل وما بعد.

يكون العلاج في حالات ارتفاع الضغط المزمن في الحمل:
- تعديل نمط الحياة. 
- إذا كنت مدخنة فيجب أن تتوقفي.
- أكثري من تناول الخضار والفواكه.
- حافظي على وزن صحي ملائم لحملك، فالسمنة كما تعلمين تزيد من خطورة ارتفاع الضغط.
- ابتعدي عن الأطعمة المالحة.
- ممارسة رياضة المشي خلال الحمل ستساعدك كثيراً.

قد يصف لك الطبيب بعض الأدوية الخافضة للضغط والآمنة للحمل مثل: الهيدرالازين (hydralazine) ولابيتالول (labetalol) الوريديين أي يتم أخذها عبر الوريد، النيفيدبين (nifedipine) والميتيل دوبا (methyldopa) الفمويين أي يتم أخذها عن طريق الفم [8].
 

الحامل المصابة بمرض السكري "السكري والحمل"

الداء السكري حالة من ازدياد سكر الدم (الغلوكوز) الذي يتعامل معه عادةً هرمون الانسولين وهو الهرمون الذي يفرزه البنكرياس، لكن بحالة السكري فإنّ جسمك لا ينتج كمية كفاية من الانسولين أو لديه عدم كفاءة باستخدامه "ممانعة الأنسولين"، وبذلك يتراكم السكر في دمك وسيؤثر ذلك سلباً على أعضاء حيويّة مهمة في جسدك كالأعصاب، العينين والكلى، وكحال ارتفاع ضغط الدم هناك السكري المشخّص قبل بدء الحمل (ويعتبر مزمناً) وهناك السكري المحرّض بسبب الحمل أو المعروف بسكري الحمل.

من الأمور المهمة التي يجب أن تفكري بها قبل تخطيطك للحمل وأنتِ تعانين من حالة السكري المزمن، أن يتم ضبط مستوى سكر الدم لديكِ بشكل مناسب لتحديد الوقت المناسب للحمل بالنسبة لك، وسيتم ذلك بالتعاون مع طبيبك المتخصص، وسيطلب منك مراجعة كافة أدويتك الخاصة بالسكري قبل بدء الحمل وسيستبعد منها بالتأكيد ما هو مضر بالحمل.

نصائح مهمة لضبط سكر الدم قبل وأثناء الحمل:
- تعدّ الحمية الخط العلاجي الأول في تدبير السكري الحملي، عبارة "كلي عن اثنين" ليست مهمة كما هو متداول المهم نوعيّة الطعام وليس كميته، وبحالة سكري الحمل؛ أفضل حمية لكِ تلك التي تتضمن الأطعمة الغنيّة بالألياف كالخضار والبقوليات، والحبوب الكاملة واللحوم المفيدة كالدجاج والسمك
- الابتعاد عن الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون.
- التمارين الرياضية الآمنة
- تناول الكالسيوم والمكملات الغذائية، التي تحوي فيتامين د (vitamin D) حيث تحسّن الاستقلاب.

العلاج الدوائي للسكري المزمن خلال الحمل
يعتبر الانسولين المُعطى تحت الجلد، العلاج الدوائي الأساسي لضبط سكر الدم، فهو على عكس بقية أدوية السكري لا يعبر المشيمة (آمن تماماً) ويملك فعاليّة ممتازة في تخفيض سكر الدم المرتفع لمستوياته المطلوبة (فعّال)، ويُعطى أيضاً للنساء الحوامل اللواتي يتطوّر لديهنّ مرض سكري مؤقت أثناء الحمل. حالة السكري الحملي [8]، ولا غنى عن استشارة الطبيب بشكل مستمر قبل وأثناء الحمل حول مراقبة السكر والتعامل مع تقلبات السكر في الدم.
 

الحمل والصرع

الصرع من الأمراض المزمنة التي تصيب الجهاز العصبي، والتي تسبب اضطرابات على شكل تشنجات (حسيّة أو جسدية)، قد تصل لفقدان الوعي، تُنصح مصابات الصرع اللواتي يخططن للحمل بما يلي:
- تناول كميّات زائدة من حمض الفوليك قبل فترة جيدة من التفكير بالحمل (قبل حوالي 3 أشهر)، فحمض الفوليك يساعد على منع عيوب الأنبوب العصبي عند الجنين لدى كل النساء الحوامل، وهناك بعض أدوية الصرع التي تؤثر على تشكيل حمض الفوليك في جسمك.

- يُنصح أيضاً بتناول مكملات غذائية تحوي الزنك والسيلينيوم منذ بداية الحمل. 

- وبالتأكيد نظام غذائي صحي.

تأثير أدوية الصرع على الحامل والجنين
تناول أدوية الصرع أثناء الحمل قد تؤثر سلباً على الجنين وتسبب عيوب خلقيّة
، ولكن بالنسبة لمعظم النساء الأفضل مواصلة العلاج بها لتقليل مخاطر هذه النوبات، ويعد اللاموترجين (lamotrigine) والليفيتراسيتام (levetriacetam) من الأدوية الآمنة نسبيّاً للحامل (يمكن لبعض النساء التوقف عن تناول أدوية الصرع قبل الحمل، ولكن بالنسبة للغالبيّة من الأفضل متابعة العلاج خلال فترة الحمل)، ويُنصح بمتابعة الحمل أوّل بأوّل مع الطبيب المختص الذي سيختار لكِ أكثر الأدوية أماناً لحالتك وبالجرعة المناسبة.
 

عوامل الخطر في الأمراض المزمنة على الحامل

مخاطر إهمال ومضاعفات الأمراض المزمنة خلال الحمل
 الرعاية الصحية الجيدة للمرأة الحامل المصابة بمرض مزمن ضروريّة ومهمة للحفاظ على صحتها وصحة جنينها، وفي حال تم إهمال هذه العناية أو لم تُؤخذ الأدوية مع وجود علاج طبي ضروري لها؛ فقد يزيد ذلك من خطورة استمرار الحمل نتيجة:
- ولادة مبكرة
- عيوب خلقية
- نقص وزن المولود
- انسمام حملي (ارتفاع ضغط شديد)
- سكتة دماغية
- مشاكل قلبية عند الأم وجنينها
- الإجهاض [1].

تحدّثي مع طبيبك حول أفضل الإجراءات لوضعك، وقومي بالفحوصات اللازمة، احرصي على تناول حمض الفوليك المهم جداً لصحة جنينك خاصة من مصادر طبيعية (كالخضار الورقية الداكنة مثل: السبانخ والبروكلي وبعض البقوليات كالفاصولياء، البازيلاء والعدس)، ولا تنسي النصائح الذهبية الثلاث خلال الحمل:
- تناولي طعام صحي.
- مارسي نشاط بدني خلال حملك والمشي كأضعف الإيمان.
- حافظي على إشراقة ابتسامتك (استرخاء وهدوء).

ختاماً... التخطيط السليم (جسدياً ونفسياً) قبل بدء الحمل مهم جداً لكِ ولطفلكِ، خاصّةً بحال كنتِ تعانين من حالة صحيّة مزمنة كما أسلفنا في مقالنا، شاركينا التجربة أو اطلبي استشارة خاصة عبر هذا الرابط.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال "الحمل المترافق مع حالات صحية مزمنة" منشور على موقع march of dimes.org تمت المراجعة في 2/12/2019.
[2] دراسة Hanne Kristine Haggard سنة2016 "الحمل والأمراض المزمنة " منشور على موقع clinical trials.gov تمت المراجعة في 2/12/2019.
[3] مقال "توجيهات جديدة لعلاج الصدفية للنساء الحوامل" منشور على موقع altibbi.com، تمت المراجعة في 2/12/2019.
[4] مقال Evonne Lack " دور الحمل في تحسين بعض الحالات المزمنة" منشور على موقع babycenter.com تمت المراجعة في 2/12/2019 .
[5] مقال Linda Ford "كيف يتم التعامل مع الربو أثناء الحمل" منشور على موقع babycenter.com تمت المراجعة في 2/12/2019.
[6] مقال Kate Marple "فرط نشاط الدرق في الحمل" منشور على موقع babycenter.com تمت المراجعة في 2/12/2019.
[7] مقال Jane Moody "قصور نشاط الدرق في الحمل" منشور على موقع babycenter.com تمت المراجعة في 2/12/2019.
[8] مقال Jaime R.herndon وآخرين "هل تستطيعين الحصول على حمل جيد بوجود سكري نمط ثاني" منشور على موقع healthline.com تمت المراجعة في 20/12/2019
[9] مقال " ما تحتاج لمعرفته حول الحمل والصرع" منشور على موقع mayoclinic.org تمت المراجعة في 2/12/2019.