عالم ما بعد التاجية والعزلة الاجتماعية بعد كورونا

عالم ما بعد التاجية! هل سيكون الانطوائيون هم الأكثر إبداعاً؟ هل ترفض البعد الاجتماعي؟ ومن أنت بعد انتهاء أزمة كوفيد19؟ توقعات لعالم ما بعد كورونا

عالم ما بعد التاجية والعزلة الاجتماعية بعد كورونا

عالم ما بعد التاجية والعزلة الاجتماعية بعد كورونا

يزداد الحديث عن تغير العالم وتغيرنا جميعاً بعد أن تنتهي أزمة انتشار وباء كورونا، فإلى أي حد تظن أن العالم سيتغير؟ وهل تعتقد أنك أنت تغيرت في ظل إجراءات البعد الاجتماعي والحجر الصحي؟ 
في هذا المقال.. رفض البعض لتطبيق البعد الاجتماعي بسبب تحيزاتهم المعرفية، كيف سيكون الأشخاص الانطوائيون هم أبطال العالم بعد عزلة كورونا؟ ما هي أهم التوقعات حول ما سيكون عليه العالم بعد انتهاء أزمة كوفيد19؟ هل ستتغير أنت شخصياً في هذا العالم الجديد؟ وكيف سيكون تغيرك نحو الأفضل؟

كيف يؤثر الانحياز المعرفي في الاستجابة للأزمات؟ 
خلال الكوارث يسيطر على بعض الأشخاص نوع من الانحياز المعرفي، منه ما يُسمى بالانحياز الطبيعي (Normalcy Bias) وفي مثل حالة البعد الاجتماعي المفروضة لدرء خطر الإصابة بفيروس كورونا، يخضع أولئك الذين يرفضون المسافة الاجتماعية لإثبات انحيازاهم، مما يعني أنهم يبحثون عن البيانات التي تدعم معتقداتهم ويؤمنون بها، بينما يرفضون المعلومات التي لا تدعم رأيهم، دعنا نتحدث عن أبرز أنواع الانحياز المعرفي، التي أثرت على موضوع التزام بعض الأشخاص بالبعد الاجتماعي [1]:

  • الانحياز الناشئ: (Availability Bias) يحدث هذا التحيز بسبب تصوراتنا للمخاطر التي قد تكون مضللة أو قد نشعر بالقلق بشأن هذه المخاطر الناشئة، مما يعني إمكانية أن يكون لها آثار كارثية، بحيث نتأثر بما نتذكره، وهذا يتأثر بأشياء كثيرة بما فيها؛ المعتقدات والتوقعات والتصورات الذهنية والعواطف والمشاعر، كذلك أشياء مثل تكرار التعرض لموقف معين، وسهولة الاسترجاع.. التي تتحكم بتقييم الأهمية النسبية في قضية ما، وغالباً ما يسيء لمرء تقدير حجم الأحداث والمواقف.
  • الانحياز الطبيعي: (Normalcy Bias) يؤدي إلى التقليل من احتمالية أو مدى الاضطراب المتوقع في حدث ما، وهو واحد من الاعتقادات الخاطئة التي تؤدي إلى اتخاذ القرارات غير صائبة، وفقاً لمبدأ الاستمرارية الذي ينص على أنه خلال جميع مراحل الكارثة، يجب أن تهدف الإدارة والعلاج او التعامل مع نتاج الكارثة؛ إلى الحفاظ على الاستمرارية الوظيفية والتاريخية والشخصية واستعادتها، على مستوى الفرد والأسرة والتنظيم والمجتمع.
  • الانحياز المثبت: (Confirmation Bias) انتشرت هذه الحالة على الأغلب خلال كارثة كوفيد19، لأن معظم من لديهم هذا التحيز؛ سمعوا أن من سيُصاب بهذا الفيروس ويكون مصيره الوفاة، هم الأشخاص في أعمار فوق 60 عاماً! بالتالي يبحث من لديه انحياز مؤكد؛ عن البيانات التي تدعم معتقداته وتحيزاته التي يؤمن بها، بينما يرفض المعلومات التي لا تدعمها، لأنها ظاهرة منتشرة في الكثير من الأحداث [2].
  • الانحياز المتفائل: (Optimism Bias) حيث يعتقد المرء أنه سيحظى بأقل فرصة للإصابة بالمرض، وأكثر احتمالاً للبقاء بصحة جيدة في الواقع، لذا فالناس الذين يرفضون البعد الاجتماعي هم أشخاص متفائلون، يخضع تفكيرهم لحالة تمني من الصعب الحكم عليها، حيث يبالغون في توقع الإيجابيات مع تقليل الاحتمالات والأحداث الكارثية [3].
  • التحيز المفرط والمبالغ فيه: (Hyperbolic Discounting Bias) يحب البشر الأشياء الجيدة بطبيعتهم، وبالنسبة لعدم التقيد باستراتيجية البعد الاجتماعي لمنع انتشار عدوى كورونا، للحفاظ على صحتك؛ لن تفكر بذلك على حساب قضاء الوقت المبهج مع أصدقائك في الحديقة!

كيف تسيء إدارة حياتك خلال الأحداث الصعبة؟!
إن سبب استجابة بعض الناس في أوقات التوتر الشديد بالتمرد على إجراءات تضمن السلامة، يمكن أن يساعدهم عل فهم الاستجابة لتلك التفاعلات (الأحداث والمواقف المتوترة) وإدارتها بشكل أفضل، بحيث حاول بعض الناس في بداية انتشار فيروس كورونا؛ الاحتفاظ بشعور السيطرة من خلال تجاهل أو تحدي أوامر البقاء في المنزل، وآخرون معارضون بطبيعتهم ويتحدون السلطة بشكل روتيني، كما أن الكثيرين كانوا في حالة إنكار، خاصة إذا لم يكونوا في المناطق الأكثر تضرراً، أو ليسوا في مجموعات عالية الخطورة و / أو لا يعرفون أي شخص مصاب بالفيروس، وهذا في الأساس شكل من أشكال استعادة السيطرة، وبالمناسبة هي تمثل عدم التسامح الجماعي لدى البشر؛ حول اللا - يقين والمجهول.

بالنتيجة.. هناك بالفعل طريقتان لوقف القلق من الإساءة لكيفية إدارة حياتك، والتي تقود قراراتك من خلال أنواع الانحياز المعرفي المذكورة أعلاه [4]:

  1. كن على دراية بأنك أصبحت قلقاً.
  2. وافهم ما هي نتيجة هذا القلق.

بالضرورة.. يساعدك هذا على التمييز بين السلوكيات التي تجلب الراحة، والسلوكيات التي تشكل جزءً لا يتجزأ من بقائك واستمرارك فقط، لأن "الذعر يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات خطيرة والقلق يضعفنا عقلياً وجسدياً على حد سواء، ويشكل حرقاً بطيئاً للأعصاب، له عواقب صحية طويلة الأمد".

هل نعيش بعد كورونا في "عالم جديد معزول"؟
على الرغم من رفض البعض للبعد الاجتماعي بسبب أنواع من الانحياز المعرفي التي تحدثا عنها أعلاه، فإن إجراءات البعد الاجتماعي الحالية، ربما ستقلب حياتنا في عالم ما بعد التاجية (عالم الانعزال)!
سيكون أبطال وشجعان هذا العالم الجديد هم الأشخاص الانطوائيون بطبيعتهم، من مفكرين ومبدعين ومتعلمين استغلوا هذه الفترة من العزلة في تعلم الكثير عن أنفسهم وطوروا ذواتهم، ويشعر الأشخاص الهادئون الذين لا يثرثرون عادة؛ بالامتنان لكورونا! على الرغم من ثرثرة وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية.
هل يمكننا تعلم قيمة العمل العظيم الذي قام به الانطوائيون في العزلة؟ لأن من سينجح في عالم ما بعد الكورونا، هم أولئك الأشخاص الذي كانوا مهيئين لهذه المرحلة التي نمر بها الآن [5].
لا يعتمد كل ما يفكر به ويعيشه الأشخاص الانطوائيون قبل أزمة كورونا حتى؛ على تكوين أرضية صلبة من خلال آراء الآخرين أو الحاجة لهم، ولا يفكرون بمشاكلهم من خلال التحدث إلى الآخرين، كما أنهم يراقبون بهدوء ويفهمون التنوع الذي يميز طباع البشر ويتقبلون الاختلاف أيضاً.
كنت في السابق تهرب من نفسك وأفكارك إلى العمل والانشغال بالتسوق أو تزجية الوقت مع الأصدقاء، أنت اليوم عالق في عزلة تواجه من خلالها الحقيقة؛ حقيقة ذاتك أولاً، لكن الانطوائيين كانوا قد تعاملوا مع أنفسهم في السابق ويعلمون تماماً ما تعانيه أنت اليوم!

  • فإذا كنت انطوائي (Introvert)؛ حان الوقت لمضاعفة ما تفعله بشكل أفضل، من تعلم ودراسة وتفكير وتكوين روابط عميقة مع عدد من الناس.
  • وإذا كنت شخصاً منفتحاً (Extrovert)؛ فتوقف عن الكلام، والتقي بعض الأشخاص الانطوائيين، وكوّن علاقة جيدة مع الشخص الأهم، الذي يعيش في رأسك خلال هذه العزلة!

توقعات لعالم ما بعد الفيروس التاجي
الآن.. تحدثنا عن أهم نقطتين (الانحياز المعرفي والعزلة)؛ ستساهمان في تغيير عالم اليوم، بالإضافة لتأثيرات الفيروس التاجي المستجد التي قلبت الواقع، ومن النتائج المحتملة لكورونا على العالم في المدى القصير على أقل تقدير، والتي يمكن التنبؤ بها بناء على أزمات اقتصادية؛ مرّ بها العالم في القرن الماضي أيضاً [6] [7]:

  • ستحقق شركات الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية مكاسب فورية ودائمة.
  • سيطغى مبدأ العمل عن بعد في السوق، بعد أن أثبت نجاحه واعتادت عليه الشركات والموظفين.
  • ستكون الكثير من الوظائف مؤتمتة، من أجل البقاء على قيد الحياة في الأزمات، كما ستحتاج الشركات إلى تسريح عمالها الأقل إنتاجية، وأتمتة ما يمكن أتمتته، وجعل بقية الوظائف ممكنة التحكم عن بعد.
  • الرعاية الصحية عن بعد، من خلال منتجات الاختبار والتشخيص في المنزل، ونشر أجهزة قابلة للارتداء في كل مكان تراقب الأعراض باستمرار.
  • قد يبدأ التعليم العالي في الانتقال إلى التعليم عبر الإنترنت (التعليم الافتراضي)، مما يخفض من تكلفة التعليم الجامعي على الطلاب، كما يفرض على الجامعات تخفيض تكاليف الدراسة أيضاً.
  • سيتم تقييد حرية حركة الأشخاص والسلع عبر الحدود الإقليمية والوطنية، وسيتم السفر برعاية الدولة فقط، أي ربما سيكون قطاع الطيران ملكية للدولة فقط، دون الشركات الخاصة!
  • سيزدهر التعاون الدولي متعدد الأطراف، في ظل أي تهديدات تكنولوجية وفيروسية مستقبلية.
  • تقييد الوصول إلى النقد، ووضع الضوابط على العملات الأجنبية، وقفزات تضخمية.
  • عجز كبير في الإنفاق وتدخلات حكومية واسعة النطاق.
  • العلامات التجارية الموثوقة تحتل مركز الصدارة.
  • سيكون الأمن الغذائي على رأس الأولويات.
  • سوف ينخفض ​​حجم قطاع خدمات الطعام الصغيرة؛ الحانات ومطاعم الوجبات السريعة.

كيف ستحول الخوف من كورونا إلى فعل إيجابي؟
في الأوقات المضطربة والصعبة، يمكن أن يكون لوضع الخطط المستقبلية مفعول مهدئ، مما يضفي إحساساً بالسيطرة تشتد الحاجة إليه، لأن "القلق هو سؤال حول المجهول، والتخطيط يجيب عليه بــ سأفعل ذلك"، ولأن التفكير للمستقبل وبزخم يعكس حالة الكآبة، التي قد تسيطر عليك بسبب القلق والانتظار.
هناك الكثير من التأثيرات الإيجابية بسبب توقع المستقبل، لكننا لسنا في صدد تنبؤات بل العمل وفق التخطيط، وهو ما ستحتاج إليه في عالم ما بعد التاجية [8]:

  • أعد النظر بقيمك الشخصية: وابدأ بتوضيح هذه القيم وتحديدها، بحيث يجب أن تنتبه لما تتوق إليه وما تريده في وقت أنت مقيد ولا تفعل ما تريد القيام به، لذا خطط وتجهز جيداً للمرحلة القادمة، وتخيل يوماً من حياتك بعد عام أو عامين، اين ستكون ومع مَنْ؟ وماذا تفعل حينها؟
  • مراجعة الأولويات: بعد أن فقدت الكثير من الأشياء التي أعطتك دفعة قوية في السابق، قد تتمكن من رؤية ما يهمك بشكل أكثر وضوحاً، وما الذي يجب أن تغيره في روتين حياتك اليومي.
  • البدء بتغيير الروتين: أنت تعلم كم من الأشخاص الذي اعتدت على وجودهم في حياتك لم يعد وجودهم مهم اليوم! وربما بعد هذه الفترة من الهدوء قد اكتشفت أن هناك قصص كثيرة تريد تجربتها.
  • يمكنك البدء بتغيير حياتك منذ هذه اللحظة، وإذا نظرت للخلف في مسيرتك، فقد ترى بسهولة أن الأشياء التي بدت مستحيلة في لحظة معينة، أصبحت ممكنة اليوم، عليك أن تعلم أولاً إذا كنت ترغب بتغيير حياتك وتريد حقاً إجراء هذا التغير؟ بعد ذلك يمكنك الاستعانة بنصائح أشخاص جربوا التغير في حياتهم بعد أن كان يبدو مستحيلاً، ويمكنك الاستفادة من هذه النصائح [9]:
    1. اجلس بهدوء وفكر: من تريد أن تكون؟ لا تستعجل نفسك للإجابة ولا تتأثر بتسارع الحياة من حولك، فسرعان ما تبدأ إجراءات الابتعاد الاجتماعي بالتراجع قليلاً والكثيرون سيعودون تقريباً لنمط حياتهم، كما كانت تماماً قبل الدرس القاسي الذي أعطاه فيروس كورونا للبشر! فمَنْ هو الشخص الذي تريد أن تكونه غداً؟ قارن بينك وبينه الآن، واعرف ما هي الخطوة التالية لاتخاذ الإجراء المناسب.
    2. تحدث مع أقرب الناس إليك: فحتى لو كنت شخصاً انطوائياً مبدعاً في عالمك الخاص من الموسيقى والقراءة والتفكير؛ لا بد أن تتواصل مع الآخرين، وتصغي إليهم وتعرف بماذا يفكرون، وتعلم كم أنت مؤثر في حياتهم أيضاً، رغم عزلتك الاختيارية وطباعك الانطوائية، إلا أنه لديك دوماً مثل هؤلاء الأصدقاء والأحباب والأقارب، فبعد أزمة كورونا سيكون الأشخاص الذي تعلموا الدرس جيداً مثلك تماماً، سوف يقومون بحسابات دقيقة حول علاقاتهم مع الآخرين، ومن يستحق ومن لا يستحق البقاء ضمن دائرة العلاقات المهمة في حياة المرء.
    3. قل الحقيقة دائماً: هل لاحظت هذا كما لاحظت أنا؟ الجميع يقول الحقيقة هذه الأيام! أو على الأقل هؤلاء الأشخاص الذي فهموا تماماً العبرة من الأوقات الصعبة وكيفية إدارة القلق والأزمات العاطفية، إذاً.. قول الحقيقة وعدم الكذب أبداً.. أبداً، هو الأساس الراسخ للتغيير نحو الأفضل.
    4. كن شخصاً نشيطاً: سواء النشاط البدني من خلال الرياضة وتسلق الجبال والذهاب في رحلات طويلة على الأقدام والقيام بأعمال يدوية بسيطة تحبها كالبستنة، كذلك النشاط الفكري والروحي من خلال القراءة وممارسة اليوغا والتأمل والصلاة والامتنان والمحبة...
    5. أنت تستطيع: حدد هدفك وناقش مع نفسك أسباب رغبتك في تحقيق هذا الهدف.. وكرر لنفسك دائماً: "نعم أنا أستطيع"، سواء كان هدفك إنقاص وزنك أو الحصول على شهادة دكتوراه، لا فرق كل الأهداف بسيطة كانت أم صعبة؛ تحتاج لمخطط ورغبة وشغف في الوصول إليها.

أخيراً.. أسس لشيء عظيم في حياتك، وذلك من خلال إدراك المعنى من وجودك، أبدع في تربية أطفالك وتهيئتهم للعالم الجديد، بحيث يتذكرونك ويمتنون لأنك كنت والدهم/والدتهم، أبدع في أي شيء تقوم به ولو كان زراعة حديقة منزلك الصغيرة أو مساعدة جارك أو أي شخص محتاج، أنت ستعرف الطريق حتماً، لأن العالم سيكون مختلفاً ما بعد التاجية بكل تأكيد، ما رأيك؟؟ هلا شاركتنا من خلال التعليق على هذا المقال، ولتبقى بسلام.

المصادر و المراجعadd