المهارات السلوكية في التعامل مع الآخرين تتضمن كيف يتحدث الإنسان؟ كيف يكسب الثقة بنفسه؟ كيف يكون لبِقًاً في الحديث مع الناس؟ كيف يتعامل مع الآخرين ويكسب محبتهم واحترامهم؟ كيف أكون ذكي في التعامل مع الناس؟
يستدعي اختلاف الطباع واختلاف الشخوص واختلاف العقول التنوع في أساليب التعامل ولكنها لا تحتمل في أي حال من الأحوال اختلاف المبادئ بل اختلاف الطريقة والأسلوب.


قال أفلاطون منذ أزل التاريخ: "الرجل الصالح من يحتمل الأذى ولكن لا يرتكبه"، أما عن التعامل مع الاخرين في الاسلام فمن نظر الى أفعال وأقوال الرسل والأنبياء عليهم السلام ومنهم نبينا محمد صل الله عليه وسلم يلاحظ في سيرته العطرة كم احتمل أذى المشركين ومن عاداه، ولم يؤذهم بالمقابل بل كان يدعوا لهم، ولعل خير مثال على ذلك ذهابه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، وكيف قابله أهلها بالأذى والإساءة ورد عليه الصلاة والسلام على كل هذا:"اللهم اهد ثقيفًاً وأت بهم مسلمين".

فلا نرد سوء الفعل بمثله، فلا أكذب إن كذب عليّ الآخرون، ولا أسرق وإن سرق الآخرون، ولا أطعن إذا طعنني الآخرون، لأن نصيحتي في هذا تقوم على مبدأ: "كل واحد يتصرف بأصله وأخلاقه، وكل وعاء بما فيه ينضح".

ونحن لا نُحاسَب بأفعال الجماعة التي ننتمي لها، ولا بأفعال عائلاتنا ولا الموظفين ولا الزملاء من حولنا، نحن نحاسب على أفعالنا وحدنا فقط، وما اقترفته أنفسنا، وتذكروا أن كل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

قال نبي الله عيسى ابن مريم عليه وعلى أمه السلام: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا))" متى الاصحاح 5): فقرة39)

وهذا يدل على عدم مقابلة الإساءة بالإساءة، بل بالإحسان، ويُعَدُّ عدم الرد عن الإساءة في كثير من الأحيان من محاسن الأخلاق، بل يكون من دفع الإساءة بالإحسان، فقال تعالى في سورة فصلت " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)"، وقال تعالى في سورة الأعراف:"خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)

ومن حُسن التعامل مع الآخرين أن يكون عند الفرد القدرة على الرد وعلى المواجهة إذا اقتضت الضرورة وذلك حتى لا يُهضم حقه وحتى لا يُستعلى عليه بالباطل، ولكن عليه أن يقول رده ببيان واضح وبنفس واثقة من موقفها، ومواجهة الآخرين بالعدل والإنصاف والرد بما يتيسر من الكلام مع احترام انتقاء الألفاظ، والتزام الهدوء دومًا، والكلام دون انفعال زائد، فإن هذا دليل على قوة النفس وعلى شدة البأس، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصُّرَعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، لذا فالحزم في التعامل واجب ومطلوب، والحزم لا يتناقض مع الأدب وحسن السلوك، بل هو دليل على قوة الشخصية وعلى معرفة المرء بحقوقه وواجباته، وعدم السماح للآخرين بتجاوز حدودهم في التعامل معه، حيث يقتضي التعامل مع الآخر أن نمتلك مهارة معرفة متى نصمت ونتغافل ومتى نرد، ولنتذكر فمن عفا وأصلح فأجره على الله.

فكل واحد منا قد تعرض بشكل او بآخر لموقف أساء فيه الآخرون معاملته أو تقولوا عليه بما ليس فيه أو عابوه بشيء هو منه بريء أو انتقدوه أمام الآخرين بشكل سلبي أو جرحوا مشاعره، فإذا عاش الشخص في هذه الحوادث وأبقاها في عقله في الفترات التي تليها فسيعيش في حالة من الكره والبغض لغيره أو لذاته في بعض الأحيان، وإذا ظلت هذه المشاعر تعتمل في صدره اعتمال النار في الهشيم فسيعيش في حالة من الغم وتظل الفكرة السوداء عن الموقف تحوم حوله وتختمر في نفسه، وتلعب الأفكار الشيطانية في عقله، وربما تدفعه للانتقام من الذي أساء إليه وجرح مشاعره .

هذه الأفكار والمشاعر هي التي تسبب لنا الضيق وهي التي تنكّد وتكدّر علينا صفو معيشتنا وتسبب لنا الكآبة، وتبعد الابتسامة والفرح عن حياتنا، حتى أن هؤلاء الأشخاص لا يكادون يفرحون بما يحل بهم،  لأن عقلهم مشغول بتلك الأفكار السلبية وكيفية الانتقام لها.

فعلينا أن نعيش في سعادة، ونبتعد عن الكدر قدر المستطاع فإذا سمع أحدنا كلامًا لم يعجبه من أحد وضايقه ولم يرد عليه بجرأة وقوة أدبية، فلا يفكّر كثيرًا في الموضوع ولا يعمل على تدوير واستعادة هذه الذكرى السيئة والمؤلمة كل حين، ويبدأ بتغذية عقله بالشر، ويجلد ذاته ويعاتب نفسه لو قلت كذا أو كذا... لو أنني رددت عليه... لو فعلت كذا... لأنه لو فعل هذا سيسبب الأذى لنفسه والحنق والبغض والكره للآخر ويؤدي إلى الضيق والمشاعر السلبية التي قد يغرق فيها، وعلى مبدأ 10 – 90% فإنه يسمح للعشرة وهي الموقف السلبي الذي تعرّض له بأن ينمو ويتعاظم في عقله في تفكير سلبي ليطغى على كل عقله ويسيطر عليه ويمنعه بل ويحرمه من التفكير بأمور أخرى مما يعيق تقدمه ويسبب له الكثير من الأخطاء في عمله وعدم القيام بالمهام المطلوبة منه لأن عقله مشغول في ذلك الموقف، ومع تراكم الأفكار السلبية واختمارها تتعفن النفس، وتفوح منها كل تلك المشاعر المنفرة تجاه الذات والآخر، لهذا تسامح .. انس الأمر ولا تفكر به كثيرًا، لا تعطه أكثر من حجمه، وهذا ما يسمى عدم الوصول إلى مرحلة التشبع 100%، بل أفرغ الكوب، فعشرة بالمئة هي الموقف وتسعون بالمئة هي تعاظم الفكرة واختمارها في عقلك، فأنت من تملك زمام التصرّف الصحيح تجاه المواقف التي نواجهها في الحياة، تغافل وتجاهل عند معظمها والق بها في خزان النسيان وهي لا تزال في أول 10% ولا تسمح لها بالتعاظم، فقد قال الإمام أحمد ابن حنبل"تسع أعشار حسن الخلق التغافل والتغابي"، أي لو مررت بعشر مواقف في يومك فتغافل عن تسعة منها ولا ترد ولا تُشبع عقلك بها، وقف عند العاشرة وهي موقف يمس كرامتك أو مبادئك أو يمس قوميتك أو عروبتك ودينك ورد عليه، هنا يجب أن لا نتغافل أو نتسامح بل يجب الرد وطلب الحق ومعاقبة المعتدي، فلا تظنوا أن المتسامح يجب أن يسمح للآخرين باختراق الحدود وتجاوز الخطوط الحمراء في التعامل معه، بالطبع لا! نحن نتحدث عن التغافل في مواقف الحياة اليومية التي تمر بنا سراعًا فنسمع كلمة هنا أو نرى موقف هناك، أو تصرّف من شخص لا يؤثر في حياتنا أو يعنينا، نحن نريد أن نقلل من حدة الانفعال النفسي لكثرة ما نواجه في الحياة لنُبقي الانفعال الصحيح لما يستحق ويؤثر في أساس حياتنا.

فالتصرف اللبق في مثل هذه الحالات أن تكون قويًا قادرًا على تحمل هفوات الآخرين وتفهمها، فإذا تفهمت الموقف ومصدره وأسبابه فإنك ستواجه الإساءة بالأسلوب الأمثل، أما مواجهة الإساءة بالعنف في الحال وفي كل الأحوال فسيؤدي إلى النفور والعداء.

 والمواجهة اللبقة تكون بأعصاب هادئة وإرادة قوية والرد باختيار الكلمات المناسبة، ونحن نقول احذر أن تترك الإساءة تمر دون إيقاف من أساءوا إليك عند حدهم بل وعالج الإساءة في حينها، حتى لا تتركها تتفاعل وتختمر في رأسك كي لا تتحول إلى شعور بالعدوانية نحو من أساءوا اليك! فعبّر عن مشاعرك وتكلّم وقل رأيك واعط اقتراح للتصرّف السليم، واطلب عدم التكرار وبحزم كما قلنا، وإن كنت في موقف السلطة عاقب بالعقوبة المناسبة أو اردع الأمر بطريقة صحيحة والمهم دون انفعال أو كثرة كلام، فالفعل أقوى من القول في بعض الأحيان. ولكن عليك بالوعي لكل ما تقوم به كي لا يتفاقم الموقف، فقد قال لقمان لابنه: يا بني كذب من قال "إن الشر بالشر يطفأ"، فإذا كان صادقاً فليوقد نارين، ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى، وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار.

وقال الحسن البصري: " المداراة نصف العقل، وما زال التغافل من فعل الكرام ".

وفي ضوء حديث رسول الله صل الله عليه وسلم وهو القدوة في حسن التعامل مع الآخرين "من عاش مداريًا مات شهيدًا".
لذا اعتد على قول الله تعالى ووصيته في الآية الكريمة في سورة الفرقان التي تقول " وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)لنعمل على تدبر تراثنا من الأخلاق والفضائل، فنحن أحقُّ من غيرنا بهذه السلوكات الإيجابية، التي يجب الإبقاء عليها واعتمادها، فمن آداب التعامل مع الآخرين المحافظة على المبادئ والعمل بها دائمًا وبكل الأحوال. ومن تعامل معي يعرّف كم أحافظ على هذه القاعدة ومبدأي واحد لا يتلوّن ولا يتغيّر وأقول النسبية تُطبَّق في الفيزياء ولا تُطبّق في الأخلاق.

حفظكم الله في أحسن حال وأهدأ بال،والحكمة ضالة المسلم أنّا وجدها يأخذها

د. سناء مصطفى عبده
 

ذات علاقة