الموهوبون؛ هم بلا شك الطليعة التي غالباً ما تحمل لواء التطوير والتغيير في كل المجتمعات وفي كل مجالات الحياة، وهم في مجتمعنا أفراد من أبنائنا غالباً ما نلاحظ تميزهم في مجال ما منذ سن الطفولة، وهذا ما يرتب علينا مسؤولية خاصة تجاههم وتجاه مواهبهم، ليس فقط في اكتشافها، بل وحتى في تشجيعها ورعايتها وتوجيهها وتطويرها إلى ما هو خير لهم ولمجتمعهم.

أما عن السؤال كيف يمكن اكتشاف مواهب الأطفال الصغار وتنميتها؟  فهذا ما سوف نتوقف عنده هنا من خلال دراسة مواهب الأطفال وإبداعاتهم وكيف يمكن تربيتها بدءً من اكتشاف الموهبة وحتى تطوريها وصولاً إلى صقلها وصياغتها في شكلها النهائي.


الأسئلة ذات علاقة


معنى أن يكون الطفل موهوب    

 أن يكون الإنسان موهوباً تلك صفة يحلم بها الجميع، قدرات غير عادية في أداء بعض الأمور، ونجاح خارق في مجال أو بعض مجالات الحياة التي تحتاج إلى تركيز كبير ونشاط مذهل للقيام ببعض مهامها.
فأن تكون موهوباً يعني أنك مختص بهبة معينة اكتسبتها منذ أن ولدت ووجدت في الحياة أو تعلمتها وبرعت فيها أثناء حياتك الاعتيادية، فقد تكون الموهبة في أحد الفنون أو الأعمال أو الرياضات، فما يحتاج الانسان العادي لإنجازه بوقت كبير وجهد مضني يمكن أن يقوم به الموهوب في نفس المجال بطريقة احترافية تختصر الوقت وتقلل من الجهد المطلوب، وعند ملاحظة أي مما سبق على طفلك فيجب أن تعرف أنه يمتلك موهبة غير عادية ويجب مساعدته على صقلها وتطويرها والاستفادة منها.


كيف يمكن اكتشاف مواهب الأطفال؟

لا يحتاج الأمر إلى برامج أو طرق ووسائل ومناهج معقدة لتكتشف من خلالها أن طفلك يتمتع بموهبة ما، الأطفال لا يخفون شيء من رغباتهم فهم وخلال يومهم العادي يلعبون ويتخيلون ويتعرضون للمشاكل والعراقيل، ومن خلال مراقبة الطفل وهو يمارس نشاطاته المعتادة يمكن أن تلاحظ إن كان يحمل موهبة ما أو إبداع في مجال أو آخر فمثلاً:

- وقوعه بالمشاكل وطريقة تخلصه منها: ففي الحياة اليومية يتعرض الطفل للعديد من المشاكل أو المواقف التي تحتاج إلى حلول وبراعة في التعامل معها وعلاجها، ومن خلال الأساليب التي يستخدمها الطفل في علاج مشاكله والتعامل مع هذه المواقف يمكن أن تلاحظ إن كان الطفل يملك موهبة ومهارات في التفكير وإيجاد الحلول.

الاهتمامات والميول: التي تبدو من خلال الأشياء التي تلفت انتباهه بالإضافة لميوله تجاه بعض المجالات العلمية أو الفنية أو الأدبية أو حتى التقنية.
وضعه في بعض التجارب وانتظار ردود فعله: ضع بين يديه بعض الأدوات وانظر ماذا سوف يفعل، فقد يكون لديه موهبة في الرسم ويحتاج إلى الأدوات التي تمكنه من إظهار موهبته أو بارعاً في الموسيقى ويحتاج للحصول على إحدى الآلات.

- بعض المواهب قد تحتاج لعمر أكبر لنتمكن من اكتشافها: مثل البراعة في استخدام الحاسوب أو قيادة السيارة أو العديد من الأمور التي يحتاج تجريبها أساساً لأن يكون الطفل قد تجاوز مرحلة عمرية معينة ونمت لديه بعض القدرات الجسدية.

- المستوى التعليمي والدراسي: ففي بعض الأحيان يمكن أن تلاحظ أن طفلك يتفوق في مادة معينة في المدرسة ويبرع فيها أكثر من غيرها.

- نوع الألعاب التي يمارسها ويفضلها: حيث تعتبر الألعاب المنبع الأساسي لأغلب العلوم والمعارف التي يتعلمها الطفل، ومن خلال أنواع الألعاب التي يفضلها ويمارسها باستمرار يمكن أن تلاحظ أن لديه موهبة في مجالٍ ما.

- طريقة تفاعله وتعامله مع أقرانه: فقد يلاحظ من خلال العلاقات التي يبنيها الطفل مع أقرانه وأسلوبه في التعامل معهم، أنه يوجد لديه شخصية قيادية أو قادرة على التأثير في محيطه أو نجاحه في القدرة على الاقناع.

أشكال وأنواع مواهب الأطفال

عند الحديث عن الطفل الموهوب فلا يعني هذا مجالاً معيناً ومحدداً قد يبدع فيه الطفل ويتفوق في أدائه، فمجالات إبداع الأطفال مختلفة ومتعددة تشمل تقريباً معظم مجالات الحياة التي لا يحتاج التفوق فيها إلى خبرات أو معلومات سابقة، ومن المجالات التي قد يتفوق فيها الأطفال وأشكال إبداعهم:

الفنون المتنوعة
- الغناء: فبعض الأشخاص يولدون ومعهم هدية الصوت العذب، ويمكن أن تلاحظ هذه الهدية أو الموهبة منذ صغر سنهم بعد أن يتعلموا الكلام، وهذه من المواهب التي لا تحتاج لاكتساب وإنما تخلق مع الإنسان ويصقلها فيما بعد.

- التمثيل والتقليد: وتعد هذه الموهبة من الفنون المحببة والتي تعطي لمالكها صفاتً فكاهية، ويمكن استخدام هذه الموهبة في العديد من الأمور كأن يصبح الطفل في المستقبل ممثلاُ بارعاً.

- الرسم والعزف: وهذا النوع من المواهب يحتاج إلى عملية تعلم واتقان ومهارات خاصة من حيث القدرات الحركية أو ذوقية حسية في الرؤية أو السمع.

- الابداعات الأدبية والكتابية: أما القدرات الإبداعية في الكتابة والأدب بأنواعها المختلفة قد تتأخر في ظهورها عند الأطفال نظراً لما تحتاجه من تعلم مهارات القراءة والكتابة واللغة، وهي من المواهب التي قد تساهم إلى حد كبير في تحديد مستقبل الطفل الذي يملكها.

- المهارات الرياضية: وهي قدرات حركية قد تحتاج إلى مهارات خاصة، أو قوة جسدية أو سرعة في الحركة، قد تساعد الطفل للنجاح بأحد الفنون الرياضية مثل كرة القدم أو كرة السلة أو الطائرة أو فنون القتال أو أي من الألعاب الرياضية المتعددة.

- المهارات الحركية: فبعض الأطفال يظهرون قدرات خارقة في القيام بمهام حركية متعددة بوقت واحد، وفي بعض الأحيان قد تترافق مثل هذه القدرات مع إصابة الطفل بأحد الأمراض النفسية أو العصبية، مثل اضطرابات طيف التوحد، فقد لوحظ أن الأطفال المصابين بهذا المرض يمتلكون قدرات حركية غير اعتيادية (اقرأ عن متلازمة الموهوب أو العبقري)

الحرف واتقان الأعمال اليدوية
ففي مرحلة الطفولة المتأخرة قد تظهر لدى الطفل مهارات مبدعة تجعله محترف بالقيام ببعض المهن كالأعمال اليدوية أو الحرفية والتي يحتاج لإتقانها مهارات وقدرات خاصة قد لا ينجح فيها جميع الأطفال، مثل قيادة السيارات أو صناعات يدوية مثل الخياطة أو صناعة وتركيب العطور.

الأمور التكنولوجية والتقنية
- الكومبيوتر والبرمجة: تصميم بعض البرامج والمخططات، وقدرات عالية على فهم واستخدام الحاسوب في سن مبكرة، تعد هذه من المواهب العصرية ذات أهمية كبيرة في مستقبل الطفل العملي أو العلمي.

- أجهزة وبرامج الاتصال: اتقان العمل والتفنن فيه على الأجهزة الذكية الحديثة، حيث يعتبر بعض الأطفال موهوبين في استخدام هذه الأجهزة إلى حد القدرة على برمجة أو اختراع برامج وتطبيقات جديدة.

- الإلكترونيات: بعض الأطفال يظهرون اهتماماً بالأجهزة الإلكترونية، وقد يتمكنون من تطوير مهارات في استخدامها أو إصلاحها أو تطويرها.

الأمور العلمية والدراسية
- التفوق الدراسي: ويبدو هذا عندما نلاحظ وجود أطفال متفوقين في تحصيلهم العلمي والقيام بواجباتهم ومهامهم المدرسية ونجاحهم في الامتحانات أكثر من غيرهم.
- الاهتمام بأحد العلوم: فبعض الأطفال قد يلاحظ عليهم أنهم يحبون نوع معين من العلوم ويميلون للمعرفة أكثر عنه وتعلم كل ما يشتمل عليه، ويحاولون باستمرار تطوير معارفهم ومعلوماتهم حوله.

مهارات التفكير
- المهارات الحسابية: حيث أن بعض الأطفال لديهم قدرات ربما تعتبر خارقة، في إجراء بعض العمليات الحسابية الرياضية بسرعة كبيرة وبدقة عالية ودون الحاجة إلى استخدام الأجهزة أو الأوراق أو التقنيات المعدة لهذه المسائل.
- الذكاء في التعامل مع بعض المواقف ومهارات التفكير: مثل القدرة على التحليل والتركيب وإيجاد الحلول للمشاكل والقدرة على الإقناع ومهارات في الكلام ونيل إعجاب الآخرين.
- مهارات الذاكرة: وهذه من الخواص العقلية التي قد يتميز فيها بعض الأطفال أكثر من غيرهم، مثل السرعة في الحفظ وإعادة تذكر أمور حدثت منذ فترات طويلة وبأدق التفاصيل، وتعتبر هذه الخاصية مفيدة في الدراسة أو بعض الأعمال التي تحتاج إلى ذاكرة وتركيز عالي.

تنمية مواهب الطفل وتطويرها

كل منا يقع على عاتقه جزء معين من المساهمة في دعم مسيرة التطور الإنساني كل حسب مقدراته وامكاناته، فإن لم نستطع أن نساهم بهذه المسيرة بأنفسنا فربما يمكننا على الأقل أن نبحث عن الذين لديهم هذه القدرات من حلولنا ومساعدتهم وخاصة عندما يكون الحديث عن أطفالنا وهنا تزداد مسؤوليتنا لنتعرف على الطرق الأمثل لتربية مواهب أبنائنا:

- الانتباه دائماً لأفكار الأطفال وتصرفاتهم: فمن خلال هذه الأفكار والتصرفات يمكن أن نعرف بأن لديهم موهبة في مجال ما أو قدرة غير عادية، ومعرفتنا بهذه الموهبة هي الخطوة الأولى لدعمها وتهيئة الظروف المناسبة لتطويرها لديه.

- محاولة التعرف على عالم الطفل ومشاركته إياه: فلكل طفل عالمه الخاص يبنيه من أحلامه وأمانيه وهذا العالم يمثل خيالاً مبدعاً وخلاقاً يتمكن الطفل من خلاله تحقيق كل ما يرغب فيه، والدخول في هذا العالم والتعرف على تفاصيله وجوانبه من قبل المربين يمكنهم من معرفة مواهب الطفل وقدراته وبالتالي مشاركته في صياغة هذه الأحلام في الواقع بطريقة مبدعة تنمي مهارات هذا الطفل وقدراته ومواهبه.

- تشجيع المواهب التي تظهر لدى الأطفال: والعمل على تعزيزها من خلال المساعدة وتأمين المستلزمات التي يحتاجها، أو من خلال استخدام أسلوب الحوافز والمكافآت المادية أو المعنوية، أو من خلال التدريب وتسخير الإمكانات والعمل على زيادة خبراته ومعارفه في المجال الذي يظهر إبداعاً فيه.

- عدم كبت ابداع الطفل: في بعض الأحيان قد ينتج بعض الفوضى والإزعاج أو التخريب غير المقصود عن طريق التجارب التي يقوم بها هذا الطفل المبدع، ولا يجب في هذه الحالة التعامل معه بطريقة تمنعه من الاستمرار في محاولاته أو كبت تجاربه، فهذا سوف يؤدي به إلى الإحباط وبالتالي كبت مواهبه حتى تضمر وتزول، ولذلك فإن هذه التجارب والأعمال إذا كانت غير مؤذيه له أو للآخرين يجب تشجيعها وتعزيزها بدلاً من كبتها وقمعها. 

- إشعار الطفل بأنه مختلف ومبدع: وأن هناك واجبات ومسؤوليات تقع على عاتقه أكثر من أقرانه ولكن دون إجباره أو الضغط عليه، فيجب أن يعرف أن لديه قدرات وإمكانات غير عادية ويجب عليه تطويرها باستمرار والعمل على الاستفادة منها وإعطائها ما تستحق من اهتمام وجهد.

- إعطاؤه الفرصة للتعبير عن رغباته: وحاجاته وبالتالي زيادة فرصه في النجاح عندما يرى أن هناك من يسمعه ويفهمه ويقدر إمكاناته.

- توسيع مدارك الطفل: من خلال زيادة معارفه واطلاعه على العلوم والفنون المختلقة وترقب ردة فعله واهتمامه بأحد هذه الأمور وميله نحو بعضها.


الموهبة مثل الجوهرة النفيسة المدفونة بين ثنايا وأعماق بعض الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالمبدعين، وفي مرحلة الطفولة تكمن الفرصة والظروف الأفضل لاكتشاف هذه الجوهرة ورؤيتها في شكلها الخام، ومن هنا ومن منطلق المضي قدماً في مسيرة التطور البشري كان من الواجب البحث باستمرار عن هذه المواهب لدى أطفالنا والعمل بجهود متضافرة بين مختلف مكونات المجتمع بهدف اكتشافها وتطويرها وتحقيق أقصى فائدة منها.