تيمناً بمبدأ باريتو الشهير 20/80 ظهرت فرضية تقول أن 20% من الناس فقط يحصلون على 80% من الثروة، فيما يتقاسم 80% من الناس باقي الموارد المقدرة بـ 20% فقط، وبناء على ذلك فإن طبقة الأثرياء وفاحشي الثراء تشكل الشريحة الضيقة بطبيعة الحال أو الأقلية القوية، فيما تعتبر الطبقة الوسطى وطبقة الفقراء والأشد فقراً هي الشريحة العريضة في المجتمع البشري.
لكن هل للأقلية القوية -الأثرياء- طريقة خاصة بالتربية تحافظ على ثراء أبنائهم وأحفادهم من بعدهم؟ وهل للفقراء أيضاً طريقتهم التربوية الخاصة؟ كيف يربي الفقراء أبناءً فقراءً مثلهم؟ وما هي الأخطاء التي يرتكبها الأب الفقير والأم الفقيرة؟، هذه الأسئلة وغيرها نحاول أن نجيب عنها في هذا المقال.
 


ذات صلة


مفهوم التربية المالية

قبل قرنين من الزمن كان من الصعب كسر حلقات الطبقات الاجتماعية، فالأثرياء قد يحافظون على انتقال الثراء إلى أبنائهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم ولعقود طويلة، وكذلك يفعل الفقراء الذين يورثون الفقر والسمة الاجتماعية لأبنائهم وأحفادهم، خاصة وأن أسباب الثراء ووسائل جمع الثروة كانت محدودة ومحصورة مقارنة بالعصر الحديث.
أما مع تبلور سمات المجتمع البشري الحديث والثورات الصناعية وثورة التكنولوجيا وغيرها من التغيرات الجذرية التي شهدتها الإنسانية على مستوى التعاملات المالية والمفاهيم الاقتصادية والاجتماعية؛ يمكن القول أن سلاسة الانتقال والتنقل بين الطبقات الاجتماعية أصبحت سمة من سمات العصر الحديث، بمعنى أن سقوط الأثرياء وتبدد الثروات أصبح أكثر شيوعاً، كذلك تسلق الفقراء للسلم الطبقي حتى القمة أصبح ملحوظاً وممكناً أكثر من أي وقت مضى.

ومن هذا المنطلق برزت أهمية التفكير بالتربية المالية، أي النظر في السمات التربوية التي قد تؤهل الابن الفقير لتسلق سلم الثراء أو تؤهل الابن الغني للحفاظ على ثروته وتوسيع مملكته، وفي هذا المجال ظهرت العديد من الأبحاث والكتب والنظريات ربما أشهرها الأب الغني والأب الفقير لمؤلفه روبرت كيوساكي الذي حاول التمييز بين ما يقدمه الأب الفقير لأبنائه في مجال المعرفة المالية وبين ما يقدمه الأب الغني.
إضافة إلى كتاب أطفال أثرياء لكاتبه توم كورلي والذي حاول استخلاص العادات التي يكتسبها الأطفال وتأثيرها على مستقبلهم المادي من خلال دراسة مجموعة من المليونيرات الذين بنوا ثرواتهم بأنفسهم مقابل مجموعة من الفقراء الذين ورثوا الفقر عن آبائهم.
 

ذات علاقة


هل للفقراء أسلوب تربية خاص؟

لنتفق أولاً أن مثل هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه ببساطة، فبطبيعة الحال يلعب المستوى المادي للمربين دوراً كبيراً في منظومة القيم التي يحاولون غرسها في أبنائهم وللعادات التي تنتقل إلى الأبناء، لكن في نفس الوقت لا يمكن القول أن الفقراء أو متوسطي الدخل يمتلكون أسلوباً فريداً وعاماً في التربية ينطبق عليهم جميعاً.
بكلمات أخرى؛ هناك مجموعة من الأساليب التربوية التي تستهوي الأب الفقير والأم الفقيرة كوسيلة مثالية للتعامل مع الفقر من جهة وكطريقة للحفاظ على مستقبل الأبناء من جهة أخرى، لكن في نفس الوقت لا يمكن الادعاء أن نتائج هذه الأساليب حتمية، فلو كانت كذلك لما تمكن ابن الفقير من الوصول إلى الثراء يوماً، ولما بدد ابن الغني الثروة وعاد إلى الصفر.

كيف يربي الفقراء أبناءهم؟
هنا بيت القصيد، إذا كان للفقراء أو متوسطي الدخل وسائل تربوية خاصة بهم، فما هي هذه الوسائل؟ ومتى يخطئ الفقراء ومحدودو الدخل بتربية الأبناء، ثم كيف يمكن تجنب الأخطاء التربوية الشائعة التي قد يرتكبها الفقراء؟.

لنبدأ مع أبرز ستة مبادئ تربوية يعتمدها معظم الفقراء جميعها أو بعضها في تربية أبنائهم:
1- القناعة خبز الفقير:

لطالما شكَّلت القناعة مسألة جدلية بشكل كبير وعلى مر العصور، ويبدو أن الفقراء مولعون بغرس قيم القناعة والرضا عند أطفالهم أكثر من الأثرياء، ليس فقط لإيمانهم بقيمة القناعة وإنما لاعتقادهم أن القناعة ستساعد أطفالهم على ترشيد استهلاكهم وتخفيف الأعباء المادية على الآباء، من جهة أخرى فإن الاعتقاد السائد أن أبناء الأثرياء يتربون على الطمع فيه مغالطات عميقة نناقشها في فقرة شيطنة الأثرياء.
لا يمكن القول أن القناعة قيمة خاطئة من القيم التي يغرسها الفقراء عند أبنائهم، لكن الإصرار على القناعة والرضا وربط النجاح بالقناعة والرضا قد يخلق نوعاً من الكسل والرضوخ، وقد يكون من الأجدى التخلي عن معادلة (إما طمع وإما قناعة) واستبدالها بمعادلة (التكيُّف والطموح).

2- النزاهة والشرف:
كما هو الحال مع قيمة القناعة يهتم متوسطو الدخل بشكل استثنائي بقيم النزاهة والشرف، وقد يغالون بتصوير الناشطات المالية غير التقليدية كنشاطات احتيالية مخالفة لمبادئ النزاهة والشرف، خاصة عندما يفتقر الأهل للمعرفة العميقة للتقنيات المالية والمفاهيم الاقتصادية الحديثة.

3- منطقة الراحة:
تحدثنا عن منطقة الراحة في مقال منفصل، وعادة ما يحاول الآباء الفقراء أن يعززوا شعورهم بالراحة والاستقرار من خلال المكوث والتشبث في منطقة الراحة، هناك حيث لا مغامرات ولا مجازفات ولا مخاطر، عمل محدد وراتب محدد ومستقبل مرسوم بدقة، لا مكان للصدفة لا للمفاجأة ولا للفرص الجديدة، وغالباً ما يرث الأبناء عن أهلهم المكوث في منطقة الراحة، ويبحثون عن الاستقرار الوظيفي بعيداً عن المجازفات، فيما يعلم الأثرياء تماماً أن الثروة خوض في المغامرات وتحدٍ للراحة.

4- الملكية والاستثمار:
لماذا تجد من يسعى بكل ما أوتي من قوة لامتلاك بيت وسيارة؛ فيما تجد آخر لا يفكر إلا بالاستثمار وتوظيف المال؟ قد يعود ذلك إلى مجموعة المفاهيم المالية التي يكتسبها الأطفال من محيطهم، والتي تتعلق بفهمهم للراحة المالية والثراء، وقدرتهم على فهم الفرق بين امتلاك ما يستهلك رأس المال وامتلاك ما يزيد رأس المال.

5- شيطنة الأثرياء:
من السلوكيات الشائعة الخاطئة عند الآباء الفقراء أيضاً شيطنة الأثرياء، ربما يعود ذلك إلى رغبة الأب بالدفاع عن نفسه أمام أطفاله الذين يقارنون بينه وبين الأثرياء، فيتمسك الأب الفقير بشعارات الشرف والنزاهة والقناعة، ويغرس في أبنائه أن الأثرياء متوحشون قاضمو أفئدة طماعون وانتهازيون، بل أن سبب الفقر هو وجود الأثرياء.
هناك طبقة ثرية تبني ثراءها على تعاسة الآخرين وفقرهم كأثرياء السلطة أو أصحاب المعامل الذين يستخدمون الأطفال في العمالة وغيرهم، لكن هذا لا يعني أن هناك ارتباطاً عضوياً بين الثروة والسفالة، أو بين الثراء والسلوك المخالف للشرف والنزاهة!.

6- الغيبية والحظ:
يجلس الأب قليل الحظ على الأريكة وقد بلغ سن التقاعد وهو يظن أن زميله في الدراسة الجامعية تمكن من بناء امبراطورية مالية لأنه محظوظ، ويعلم أطفاله أن الرزق مقسوم ولا مجال لتغيير هذه القسمة، فلا جدوى من الجهد إن لم يكن المرء محظوظاً.
يتفق الكثير من الناس أن الأرزاق مقسومة، لكن قسمة الأرزاق لا تعني أن الأمور تبقى على حالها حتى وإن نمت في فراشك، لو كان ذلك صحيحاً لما استيقظ أحد عند السادسة صباحاً خوفاً أن يطرد من عمله، ولما كان أحد عمل أصلاً.
 

نقاط كورلي العشرة

من خلال دراسته للعادات والسلوكيات وطريقة التفكير وتتبع جذورها التربوية مع 177مليونيراً عصامياً بنوا ثرواتهم بأنفسهم و233 فقيراً بالوراثة؛ تمكن توم كورلي من تحديد 10 محاور أساسية يعتقد أنها تلعب دوراً كبيراً في تربية الفقراء لأبنائهم ورسم مستقبلهم المالي والمادي، وقام بتفصيل هذه المحاور من خلال كتابه "أطفال أثرياء Rich Kids"، هذه النقاط كما يلخصها الكاتب نفسه:

1- الأصدقاء: يبدو أن اهتمام الأهل بصداقات أبنائهم منذ الطفولة أمر بالغ الأهمية، حيث كان آباء حاصدي الملايين يهتمون بشكل استثنائي بصداقات أبنائهم وتأثير هذه الصداقات عليهم، ويهتمون بالتعرُّف إلى أهل أصدقاء أبنائهم وتقييم هذه العلاقة عموماً وتتبع تأثيرها على سلوك أبنائهم.

2- القراءة: من المميزات المهمة لأبناء الفقراء الذين تمكنوا من تسلق سلم الثروة أنهم واظبوا على القراءة منذ الصغر، حيث كان الأب و الأم يجبران الأبناء على قراءة الكتب بمعدل كتابين كل شهر، ثم تتم مناقشة الكتاب بعد قراءته للتأكد من الاستفادة، وبطبيعة الحال تعتبر كتب السيرة الشخصية وكتب الرحلات وكتب الدراسات الاجتماعية والفلسفية من الكتب الأكثر إلهاماً.

3- النشاط البدنية والسلامة الغذائية: قد يبدو الأمر غريباً، لكن مؤلف كتاب ريتش كيدز وجد أن أكثر من 70% من آباء المليونيرات الفقراء حافظوا على صحة أبنائهم منذ الصغر من خلال عادات غذائية سليمة صحية وممارسة نشاطات بدنية بشكل يومي، فهناك رابط قوي بين النشاط البدني والتغذية الصحية في طفولة وبين تطور الذكاء وسمات الشخصية الإيجابية.

4- تقييد الشاشات: ومن الأمور المهمة أيضاً أن المليونيرات الفقراء كانوا يشاهدون التلفاز وفق قواعد منزلية لا تسمح لهم بالمكوث أمام الشاشات لفترة طويلة، ومعظمهم قضوا ساعة واحدة فقط أمام التلفاز على مدار اليوم، وفي وقتنا الحالي أصبحت هذه النقطة أكثر أهمية بسبب وجود شاشات أكثر ووسائل إلهاء وتسطيح إلكترونية أكثر.

5- السيطرة العاطفية والانفعالية: 80% من المليونيرات الفقراء تعلموا ضبط أعصابهم والتحكم بعواطفهم والتفكير جيداً في كل كلمة قبل قولها والتعامل مع العلاقات بهدوء وحكمة، فالسيطرة على العواطف والتحكم بالانفعالات ساعد أبناء الفقراء على تشكيل علاقات قوية ومتينة مع الآخرين فتحت لهم أبواب الثراء.

6- اكتشاف الموهبة والقدرة: من خلال إصرار الأهل الفقراء على زج أبنائهم في أنشطة مختلفة في فترة الطفولة ليتعرَّفوا أكثر إلى قدراتهم الخاصة؛ تمكن الأبناء من وضع تصورات واضحة منطقية للمستقبل حول معظم جوانب حياتهم، كانوا يختبرون قدراتهم ليعرفوا الجوانب التي يجب أن يعتمدوا عليها.

7- التفاؤل والتشاؤم: ومن السمات الأساسية في تربية طفل مليونير أن يكون متفائلاً ومؤمناً بجدوى ما يقوم به، التفاؤل المنطقي والبعيد عن السذاجة كان عاملاً مهماً في حياة المليونيرات العصاميين، حيث كان تفاؤلهم سبباً في إصرارهم على النجاح وسبباً في جمع أشخاص مصممين على النجاح حولهم.

8- الأخذ والعطاء: يشير توم كورلي إلى أن معظم المليونيرات العصاميين الذين درس عاداتهم وسلوكهم وتربيتهم كانوا مستعدين منذ الطفولة للعطاء قبل الأخذ، وكانوا منخرطين في أنشطة غير ربحية وأعمال تطوعية، ويبدو أن الأعمال التطوعية والأنشطة الهادفة إلى تبادل المعرفة أو المساعدة بدون مقابل لعبت دوراً حاسماً في تعزيز شخصية المليونير العصامي.

9- الحقوق والتبعية: من عادات الفقراء تربية الطفل على التفكير أنَّ له حقوقاً على المجتمع والحكومة والناس من حوله، وأن المجتمع يدين له ويجب أن يمنحه الفرصة؛ فيما آمن المليونيرات العصاميون منذ الطفولة أن لا أحد مدين لهم ولا أحد مجبر على تقديم شيء لهم، ولا يمكن الحصول على شيء مجاني دون تبعية، ببساطة يتعلم الطفل المليونير أن يرفض الأشياء المجانية ويسعى للحصول على ما يريد بطريقته وبجهده بدل أن يطلبه كحق من حقوقه.

10- الضحية والجلاد: يقول كورلي أن 31% بالمئة من المليونيرات الذي درس حالتهم جاؤوا من بيئة شديدة الفقر، و45% أتوا من الطبقة المتوسطة، وجميعهم تخلوا منذ الطفولة عن لعب دور الضحية واتهام الآخرين بالمسؤولية عن فقرهم المدقع أو تعثر أمورهم المالية، وقد تحدثنا عن هذه النقطة سابقاً في فقرة شيطنة الأثرياء.

أخيراً... لا يمكن تقديم ضمان أن هذه المبادئ والأفكار ستجعل من ابنك مليونيراً في المستقبل، لكن الأكيد والثابت أن اتباع الأساليب التربوية الصحيحة وتجنب الأساليب الخاطئة سيجعل ابنك أكثر قدرة على إدارة مستقبله المالي.