التعليم المنزلي أو التعليم الذاتي أو الدراسة في المنزل؛ هو ببساطة شديدة وضع منهج تعليمي للطفل في المنزل دون الحاجة للذهاب إلى المدرسة، وتقوم الدول التي تعترف بالتعليم المنزلي بوضع قوانين خاصة للمتعلمين منزلياً ليحصلوا على الشهادات التي تؤهلهم فيما بعد للتعليم الجامعي، وذلك من خلال إجراء اختبارات قياسية للمتعلمين منزلياً تحددها الجهات التعليمية المعنية.
لكن؛ هل التعليم المنزلي أفضل من الذهاب إلى المدرسة؟ وما هي النظريات والمفاهيم التي تشجع التعليم المنزلي؟ وكيف ينعكس التعليم في المنزل على الطفل إيجابياً أو سلبياً؟ ثم هل التعليم المنزلي للجميع؟.


محتويات المقال:

1- مفهوم التعليم المنزلي
2- لماذا التعليم المنزلي؟
3- سلبيات وإيجابيات التعليم المنزلي
4- المصادر والمراجع

 

مفهوم التعليم المنزلي

للوهلة الأولى تبدو فكرة التعليم المنزلي فكرة ثورية في مجال التعليم، لكن بنظرة خاطفة إلى تاريخ تطور العملية التعليمية سنجد أن التعليم المنزلي عودة إلى الحالة الأصلية للتعليم، حيث كانت المدارس أقل انتشاراً والأهل وخاصة في الطبقات فوق المتوسطة يهتمون بتعليم أطفالهم منزلياً، إنه أشبه بما نسمع عنه من تأديب وتعليم الأمراء في القصور من خلال الحصص الدراسية الخاصة.
إنشاء المدارس كان بالدرجة الأولى محاولة لمنح الأطفال فرص أكبر بالتعليم، وعندما أصبح التعليم المدرسي إلزامياً في معظم دول العالم اختفى تدريجياً التعليم المنزلي، وأصبحت المدارس هي المكان الوحيد للتعلم والحصول على شهادات معترف بها عند تجاوز كل مرحلة دراسية، كما لعبت المدارس دوراً بمواجهة عمالة الأطفال وظواهر مثل التشرد والتسول وغيرها.
في السبعينات من القرن الماضي عاد مفهوم التعليم المنزلي للظهور مجدداً بقوة، لأسباب سنشرحها فيما بعد بدأ الأهل يرغبون بمنح أطفالهم نمطاً مختلفاً من التعليم، بعيداً عن المدارس العامة أو الخاصة وبعيداً عن أساليب التعليم التقليدي أو المألوف.

 

لماذا التعليم المنزلي؟

يقول المؤلف الأمريكي توم بوديت: في المدرسة تتعلم الدروس وتجري الاختبارات، في الحياة تخوض اختبارات تعلمك دروساً.
بالكاد تمكنت حكومات العصر الحديث من ضبط التعليم المدرسي ووضع خطط واضحة لإلحاق الطلاب بالمدارس وتنظيم المناهج المدرسية؛ حتى ظهرت الدعوات للتعليم المنزلي اعتماداً على مجموعة كبيرة من النظريات والمبررات[1]، لنناقش أبرز هذه النظريات التي قد تجيب عن السؤال الصعب "لماذا التعليم المنزلي؟":

بيئة التعليم المنزلي هي الأفضل!
من أبرز النظريات التي طرحها جون هولت كبير دعاة التعليم المنزلي ومؤلف كتاب Teach Your Own؛ أن التعليم المنزلي هو الحالة الطبيعية وأن المنزل هو البيئة الأفضل للتعليم، ولم يلجأ هولت إلى نقد المدرسة كوسط سيء، بل هو يرى أن المنزل هو المكان الطبيعي والمناسب للتعليم بغض النظر عن سوء المدارس أو جودتها، بمعنى أن قيمة التعليم المنزلي لا تتعلق بوجود مدرسة سيئة وأخرى جيدة، بل هي قيمة مطلقة.
قيمة التعليم المنزلي من وجهة نظر هولت[2] أن المنزل مكان طبيعي للغاية والمدرسة بيئة مصطنعة للغاية، فالميزة الكبيرة للتعليم الذاتي هي الحميمية المنزلية، المرونة في الوقت، تكييف العملية التعليمية مع قدرات الطفل ورغباته وميوله بدلاً من تكييف الطالب مع المناهج الثابتة، والتعامل مع الظروف الخاصة والمشاعر المختلفة بشكل طبيعي، يقول هولت: "هناك الكثير من المجتمعات التي تعيش دون مدارس، لكن لا يوجد مجتمعات تعيش بدون منازل".

التلقين والإبداع
من المشاكل الكبرى التي نتجت عن التعليم الجماعي هي التركيز على التلقين بدلاً من الفهم وفتح مجالات الإبداع، فالمدارس التقليدية لديها خطة تعليمية تهدف إلى إعطاء الطالب معلومات محددة مسبقاً يجب أن يستذكرها بشكل حرفي في الاختبارات، لذلك يتم تلقينه هذه المعلومات وكأنه مجرد ذاكرة يجب ملؤها.
في التعليم المنزلي من المفترض أن يعتمد الأهل والمربون على تغذية روح الإبداع والاكتشاف عند الأطفال، مساعدة الطالب على فهم ما يدور حوله دون إعطائه معلومات جاهزة وجامدة يجب أن يحفظها حرفياً.
يمكن استذكار قصة فيلم المليونير الهندي الذي لم يحصل على تحصيل علمي يذكر، لكنه تمكن من الإجابة عن أسئلة برنامج المسابقات المعقدة من خلال تجاربه الشخصية التي لم تخلو من المرارة والظرافة في آن.
إن التعليم المنزلي أو الذاتي يقوم على جعل الوقت كله وقتاً للتعلم، وجعل التجارب والملاحظة والتفكير والفهم هي أدوات التعليم الأساسية إلى جانب الحفظ بطبيعة الحال.

هل يجب أن يتأقلم الطالب مع المنهاج أم العكس؟
من القصص المشهورة أن توماس أديسون طرد من المدرسة لأنه حسب رأي معلمه لم يكن مؤهلاً للاستمرار في التعليم، وكان أقل ذكاءً من الحصول على الدرجات الدراسية وتقدير المعلمين بل قال عنه أنه متخلف عقلياً!.
لكن والدته رأت أنه أكثر ذكاءً وإبداعاً من أن تستوعبه المدرسة التقليدية، فلجأت إلى التعليم الذاتي، وفي النهاية كان أديسون مثالاً لفاعلية التعليم المنزلي وعبقرية الأمهات في آنٍ معاً.
يرى مؤيدو التعليم المنزلي أن المدارس تحاول تكييف الطلاب مع المناهج المعدة مسبقاً، مهما كانت هذه المناهج مدروسة فإنها معدة للمجموعة وليس للفرد، بمعنى أن ستقزم القدرات الخاصة للطفل المبدع ليتمكن من مجاراة المناهج.
ويعتقد مؤيدو التعليم الذاتي أن الأجدى دائماً هو تكييف المنهج مع احتياجات وميول الطفل، حيث أن لكل فرد قدرات خاصة ومواهب مميزة، لذلك وجب إعداد منهاج تعليمي فردي يتناسب مع الطفل بدلاً من صبِّ الأطفال جميعاً في قوالب التعليم التقليدي.

أيدولوجية التعليم وتجنيد الطلاب
ظهرت عملية أدلجة التعليم في الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية أو راديكالية دينية أو سياسية بشكل يدعو للقلق، في بعض الدول العربية تم فرض مبادئ حزبية كجزء مهم من العملية التعليمية تحت مسمى التربية القومية أو التربية الوطنية، وفي دول أخرى تم فرض اللباس العسكري على الطلاب كجزء من الحرب النفسية بمواجهة الأعداء!.
مواجهة حالة الأدلجة في التعليم تعتبر من الأفكار النظرية الرئيسية التي يستند عليها دعاة التعليم الذاتي، فإن كان الطالب سيذهب إلى المدرسة ليتم حشو رأسه بأفكار وأيديولوجيات الأحزاب أو الجماعات الدينية من الأجدى أن يأخذ ما يحتاجه من العلم الصافي في المنزل، وبطبيعة الحال فإن الدول التي تتبع مناهج تعليمية تهدف لقولبة الطلاب وتنميطهم سياسياً ترفض وتمنع التعليم المنزلي.

التعليم الخاص وأهداف التعليم
المفارقة أن أدلجة التعليم التي تعتبر مأخذاً على بعض المدارس التقليدية قد تكون في نفس الوقت جزءاً من التعليم المنزلي، فبعض الأهل يرغبون بتعليم أبنائهم تعليم ديني صرف لا توفره المدارس التقليدية بما تقدمه من نظريات غير مقبولة من وجهة نظر الأهل المحافظين.
وفي حالات أخرى قد يرغب الأهل بمنح أبنائهم تعليماً خاصاً في مجال معين منذ الصغر، مثل التعليم الموسيقي، أو الاهتمام بالتجارب الكيميائية أو الفيزيائية بشكل أساسي.

 

سلبيات وإيجابيات التعليم المنزلي

من خلال المنطلقات النظرية للتعليم الفردي التي ذكرناها في الفقرة السابقة يمكن استنتاج الكثير من إيجابيات التعليم المنزلي، لكن هناك المزيد، كما أن هناك سلبيات عديدة للتعليم بالمنزل تستحق التأمل والتفكير، لنتحدث عن أبرز هذه السلبيات والإيجابيات بالاختصار الممكن[3]:

إيجابيات التعليم المنزلي:
1- وجود الطفل في بيئته الطبيعية والمألوفة يعزز لديه الرغبة الطبيعية والفطرية باكتساب الخبرات الجديدة.

2- يقضي الطفل وقتاً أطول مع أسرته من خلال التعليم المنزلي.

3- يتميز التعليم المنزلي بمرونة كبيرة تفتقدها المدارس التقليدية من حيث مرونة نمط التعليم ومرونة الوقت وتكييف المنهج مع قدرات الطالب وتفضيلاته وميوله.

4- يقوم التعليم الذاتي على الفهم والتجريب والاختبار بطبيعة الحال، ويقوم على تعزيز التجربة التعليمية من خلال الملاحظة المستمرة، فيما تجعل المدارس التقليدية من العملية التعلمية تجربة مرتبطة بوقت الدوام المدرسي وأداء الواجبات.

5- يستطيع الأهل من خلال التعليم المنزلي ملاحظة تطور ونمو أطفالهم المعرفي بشكل أكبر، كما يحظى الأهل بفرصة بناء منظومة القيم لأبنائهم بشكل مخطط.

6- يحمي التعليم المنزلي الأطفال من التنمر والإساءة والانحراف، كما يحميهم من العنف الذي يمارسه المدرسون لفظياً وجسدياً، ويوفر لهم بيئة إنسانية حقيقية.

7- يقلل التعليم المنزلي من فرص دخول الأطفال في صداقات سيئة اكتساب سلوكيات منحرفة، ويساعد الأهل على منح أطفالهم المعرفة اللازمة حول الأمور الحساسة مثل الجنس أو الدين أو غيرها دون أن تتلوث أفكارهم بالخرافات السائدة التي ينقلها المعلمون للطلاب أو الطلاب لبعضهم.

8- التعليم المنزلي يجعل الخيارات الاجتماعية للأطفال أفضل، لأنهم يتعاملون مع مستويات وأنماط مختلفة من الناس من حيث الفئات العمرية أو الشخصيات، فيما يفرض التعليم المدرسي محيطاً من لون واحد.

9- يعزز التعليم المنزلي ثقة الأطفال بأنفسهم وينمي لديهم حس المسؤولية والرغبة الذاتية بالتعلم.

10- في الكثير من الدول يعتبر التعليم الجيد في مدرسة جيدة مكلفاً للغاية، والتعليم في المدارس المجانية أو شبه المجانية خيار سيء.

سلبيات التعليم المنزلي
1- الوقت؛ حيث يتطلب التعليم الذاتي في المنزل تخصيص وقت طويل يقضيه الأهل مع الأطفال، ولا نبالغ إذا قلنا أن الكثير من الأهل سعداء بغياب أبنائهم عن البيت لبضع ساعات في المدرسة!.

2- ليس كل أب أو أم قادرين على التعليم المنزلي؛ فخيار التعليم المنزلي ليس خياراً عادياً، إنه قرار مصيري يجب أن يتخذه أهل قادرون على تحمل مسؤوليته، فإذا لم يكن الأهل قادرين على إشباع فضول طفلهم ومنحه العلوم اللازمة وتنظيم حياته وفق خطة التعليم المنزلية؛ من الأفضل إرساله للمدرسة.

3- التكلفة؛ التعليم المنزلي يحمِّل الأهل تكلفة إضافية من ناحية تأمين وسائل التعليم المختلفة من كتب وقرطاسية وغيرها قد تؤمنها المدارس بكلفة أقل، كما أن منح الطفل المزيد من الوقت قد يؤثر على دخل الأسرة بشكل ملحوظ.

4- التحديات القانونية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية يتم الاعتراف بالتعليم المنزلي في جميع الولايات ويستطيع الطالب الذي لم يدخل المدرسة الدخول إلى الجامعة من خلال الاختبارات القياسية، لكن في دول أخرى يعتبر من تلقى تعليماً منزلياً بحكم المتسرب من المدرسة ولا يحق له الحصول على الشهادات الدراسية المعترف بها.

5- العلاقات الاجتماعية؛ في حال لم يتمكن الأهل من إدارة العلاقات الاجتماعية لطفلهم الذي يتعلم في المنزل فقد يواجه صعوبات كبيرة على مستوى الصداقات والاستقرار الاجتماعي، كما أن معظم المدارس ترفض انضمام طفل من غير طلابها للنشاطات العامة مثل الرحلات أو النشاطات الرياضية وغيرها، في هذه الحالة لا بد للأهل من الانضمام إلى مجتمعات التعليم الذاتي التي تمنح الطفل مجتمعاً موازياً للمجتمع المدرسي من حيث النشاطات الترفيهية بعيداً عن العملية التعليمية.

6- على الرغم من دور التعليم الذاتي في تحفيز المسؤولية عند لأطفال؛ لكنه يفتقر أحياناً إلى التحفيز الذي يحصل عليه الطلاب في المدرسة لانعدام المنافسة الجماعية.

7- قد يقود التعليم المنزلي إلى نتائج عكسية إذا كان الهدف منه هو قولبة الطفل، فالأهل الذين يرغبون بتعليم أطفالهم تعليماً دينياً صرفاً قد يظلمون الطفل من خلال حرمانه من العلوم الأخرى وتثبيط مواهبه، فالهدف من التعليم المنزلي هو وضع منهج متكيف مع الطالب وليس العكس.

8- الانتقال للتعليم الجامعي؛ فالشائع أن تنتهي مرحلة التعليم المنزلي عند الدخول إلى الجامعة، وقد يجد الطلاب صعوبة في التأقلم مع التعليم الجامعي خاصة في الجامعات التي ما تزل تتبع الأنظمة التعليمية التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين.

أخيراً... ما زالت فكرة التعليم المنزلي تبدو غريبة على مجتمعنا العربي، لكن في أميركا يتزايد الإقبال على التعليم المنزلي بنحو 15% سنوياً، مع ذلك سنجد مؤيدي التعليم الذاتي يقولون "التعليم المنزلي ليس للجميع"، لأن المسؤولية التي يلقيها التعليم المنزلي على الأبناء والآباء أكبر من احتمال الكثيرين، إن التعليم المنزلي يحتاج إلى مستوى من المعرفة والثقافة والاتزان ومستوى من الرفاهية المادية أيضاً، كما يرى البعض أنه من الممكن تحقيق مكتسبات التعليم المنزلي بالتوازي مع التعليم المدرسي، شاركونا آراءكم حول التعليم الذاتي في المنزل.

 

المراجع والمصادر:

[1] مقال للكاتب Patrick Farenga حول تاريخ التعليم المنزلي ونظرياته،. منشور في موسوعة بريتانيكا عبر موقعها www.britannica.com، تمت مراجعته في 19/5/2019. 
[2] لقاء مع جون هولت عام 1980،. منشور عبر موقع www.naturalchild.org، تمت مراجعته في 19/5/2019.
[3] مقال عن سلبيات وإيجابيات التعليم المنزلي،. منشور عبر موقع www.calverteducation.com، تمت مراجعته في 19/5/2019.
 

ذات علاقة