على اختلاف أهداف العمل أثناء الدراسة فإنه يعتبر من أصعب التحديات التي يواجهها عدد كبير من الطلاب خاصة في مرحلة الدراسة الجامعية والدراسات العليا، وباختلاف السمات الشخصية والظروف العامة قد يكون العمل إلى جانب الدراسة فرصة ذهبية لاكتساب المزيد من الخبرات وتحقيق توازن بين الدخل والمصروف، أو عبئاً إضافياً يعرقل الطالب عن تحصيله العلمي ويزيد من الضغوطات اليومية.
في هذا المقال؛ نحاول معاً أن نرصد سلبيات وإيجابيات العمل أثناء الدراسة، والصعوبات التي يواجهها الطلاب العاملون، إضافة إلى أفضل الخيارات المتاحة للعمل بالنسبة للطلاب ونصائح للتوفيق بين العمل والدراسة.
 


ذات صلة


الدراسة أم العمل؟

ما هي دواعي العمل أثناء الدراسة؟
للأسف فإن نسبة ليست قليلة من الطلاب لا تملك رفاهية اختيار العمل إلى جانب الدراسة أو التفرغ للدراسة، حيث تعتبر الدوافع المادية أهم وأبرز الأسباب التي تدفع الطلاب إلى العمل خلال فترة الدراسة، تليها الرغبة في اكتساب خبرات عملية قبل التخرج، أو رغبة الطالب بتحقيق ذاته بسرعة وفي وقت مبكر، وسنتناول هذه الأسباب بالتفصيل اللازم كمقدمة لتنظيم العمل خلال الدراسة.

العمل خلال الدراسة لزيادة الدخل
كما ذكرنا فإن الأسباب المادية تعتبر أقوى دوافع العمل أثناء الدراسة، وذلك إما لتلبية احتياجات الدراسة ذاتها من مصاريف دراسية وأقساط جامعية ومصروفات شخصية، أو بسبب ظروف عائلية تستدعي عمل الطالب، في حالات أخرى قد يكون الطالب قادر على تأمين مصروفات دراسته الأساسية من خلال أهله لكنه يلجأ للعمل لتلبية الاحتياجات الثانوية التي تتزايد في مرحلة الدراسة الجامعية خصوصاً.

اكتساب الخبرات والمهارات العملية
خاصة في مجالات الدراسة التي تتطلب الحصول على خبرات عملية لدخول سوق العمل بعد التخرج يلجأ الطلاب إلى العمل في مجال دراستهم أو مجالات رديفة للحصول على الخبرة بالدرجة الأولى، هذا بطبيعة الحال يجبرهم على تقديم الكثير من التنازلات لصاحب العمل لإدراك هذا الأخير حاجة الطالب للخبرة.

تحقيق الذات
يتزامن دخول الطالب إلى الدراسة الجامعية مع تنامي رغبته بتحقيق وإثبات ذاته، فقد لا يكون الطالب راغباً باكتساب خبرة عملية حقيقية أو محتاجاً لتحقيق دخل إضافي، لكنه يرغب بتحقيق ذاته من خلال العمل أثناء الدراسة كجزء من الصورة الاجتماعية التي يحاول بناءها، وفيما يلجأ بعض الطلاب لتحقيق ذواتهم من خلال الدراسة نفسها يجد آخرون أن العمل هو السبيل إلى هذه الغاية، ولا يمكن الجزم بصحة أحد الخيارين وأفضليته على الآخر لأن النتائج متعلقة إلى حد بعيد بالطالب نفسه.

المفاضلة بين العمل والدراسة
ذكرنا دوافع العمل أثناء الدراسة كتمهيد للإجابة عن سؤال العمل أم الدراسة، فهذا الخيار لا يمكن النظر إليه نظرة عامة باعتبار أن أحد الخيارين أفضل من الآخر في كل قت وزمان، وإنما الأسباب التي تدفع الطالب للعمل أثناء الدراسة إلى جانب رفاهية الاختيار وقدرة الطالب نفسه على استثمار وقته وطاقاته وعوامل أخرى هي التي تتحكم باختيار العمل أثناء الدراسة.
وقد يلجأ بعض الطلاب للتوقف عن الدراسة في مرحلة ما انجذاباً للعمل، وفي هذه الحالة أيضاً من الظلم القول أن هذا الخيار خاطئ ومن المبالغة القول أنه صائب، فذلك يعتمد على الفرص المتاحة أمام الطالب وحسن اختياره وقدرته على اتخاذ القرارات الصائبة ليس في هذا المجال فقط وإنما في حياته عموماً.
 

ذات علاقة


إيجابيات العمل أثناء الدراسة

يمكن ببساطة رصد الكثير من الجوانب الإيجابية للعمل أثناء الدراسة، بعضها يكون مؤقتاً وبعضها يكون مديداً قد يستمر بالتأثير على حياتنا لفترة طويلة، وأبرز التأثيرات الإيجابية للعمل مع الدراسة:

تحقيق المزيد من الدخل
عندما كانت زيادة الدخل وتغطية المصاريف الجامعية أو حتى مساعدة الأسرة في المصاريف من أبرز أسباب الإقدام على العمل أثناء الدراسة فإن تحقيق الدخل الإضافي يعتبر من الآثار الإيجابية الأوضح لهذه التجربة، وحتى إن لم يكن الهدف من العمل أثناء الدراسة تحقيق دخل إضافي فإن الطالب سيجد ما يجنيه مهما بلغ أمراً ممتعاً وملهماً.
 
اكتساب الخبرة
قد يصح القول أن الخبرات الجديدة التي يكسبها الطالب في تجربة العمل أثناء الدراسة سواء على صعيد المهنة أو الخبرة العملية أو على صعيد الحياة الشخصية؛ هي الصيد الأثمن على الإطلاق في هذه التجربة، بل أن كل الجوانب الإيجابية للعمل أثناء الدراسة تصب بشكل مباشر أو غير مباشر في خانة الخبرات الجديدة كما سنرى.
وفي بعض الاختصاصات تعتبر هذه الخبرات جوهرية أكثر من الدراسة النظرية بكثير، كما في الطب أو القانون أو غيرها من الاختصاصات التي تتطلب خبرة تراكمية وعملية تدعم بل وتفعِّل الخبرات النظرية وقد تنوب عنها.

فهم سوق العمل
من تجربتي الشخصية مع العمل أثناء الدراسة أستطيع أن أقول أن فهمي لسوق العمل كان قاصراً وعاماً جداً قبل خوض التجربة، وعلى الرغم أني بدأت العمل في مرحلة مبكرة من المراهقة لكنها كانت أعمال طفولية لا يعتد بها، أما العمل في المرحلة الجامعية فقد كان بمثابة النور الذي اهتديت به لفهم سوق العمل أكثر، ولمعرفة القواعد الأساسية التي تحكم مختلف جوانب الوظيفة، والانتقال بين وظيفة وأخرى واختلاف المسميات الوظيفية وطبيعة الأعمال التي قمت بها جعلتني أختصر الكثير من الوقت في إتقان بعض الفنون والخبرات الوظيفية غير الرسمية، تلك الأمور التي لا يمكن أن نتعلمها في الجامعة لكننا نكتسبها من خلال الخبرة والتجربة.

توسيع العلاقات
جميعنا نهتم بصياغة سيرة ذاتية محكمة نرفقها مع طلب التوظيف؛ لكن الحقيقة الثابتة أن أكثر من 80% من فرص التوظيف تعتمد بشكل رئيسي على العلاقات والتوصيات والتزكية، بل أن الفرص التي يمكن الوصول إليها من خلال العلاقات يصعب الوصول إليها بإرسال السيرة الذاتية أو نشر إعلان طلب لوظيفة، لذلك فإن بناء علاقات فعالة في سوق العمل أثناء فترة الدراسة سيكون مفيداً جداً عندما ننتهي من الدراسة ونتفرغ للعمل، لا يشترط أن تكون هذه العلاقات في مجال معين، فمهما كانت طبيعة هذه العلاقة ونوعية الأشخاص واختصاصاتهم هي بلا شك مفيدة جداً في المستقبل.

تعلم الصبر والمسؤولية في مرحلة مبكرة
لا بد لكلِّ طالبٍ أن يخرج من تحت مظلة الأهل المالية والإدارية، والسؤال هو متى ستخرج من تحت هذه العباءة أو المظلة؟، ولا نبالغ إذا قلنا أن خروجنا وسعينا نحو الاستقلالية يكون أسهل كلما كان أبكر، فالاصطدام بالحياة العملية في مرحلة مبكرة يساعدنا على اكتساب المهارات الشخصية مثل الصبر والمسؤولية والسعي والتعامل مع المواقف المختلفة والشخصيات المتباينة؛ وكل ما كان هذا الاصطدام مبكراً كلما كانت هذه المهارات أغنى وأكثر رسوخاً واستقراراً.

اختصار مرحلة من السلم الوظيفي
إذا كنت محظوظاً بإيجاد وظيفة مناسبة في مجال اختصاصك أثناء الدراسة فهذا يعني أنَّك تختصر الوقت وستجني ثمرة الضغط والتعب، وذلك أنَّك تختصر على نفسك سنة أو اثنتين على الأقل من تدرج السلم الوظيفي، وستجد أن الإدارة الحكيمة تتمسك بالموظفين الأقدم خاصة بعد أن ينتهوا من تحقيق الخبرة النظرية من خلال التخرج، وذلك أن الموظف الذي يتخرج وهو على رأس عمله أكثر فاعلية من الخريج الذي يأتي ليتدرب في الشركة أو المؤسسة في معظم الأحيان.
 

سلبيات العمل أثناء الدراسة

كما هي معظم تجارب الحياة لا يمكن النظر إلى الإيجابيات دون الحديث عن الجوانب السلبية، فالعمل مع الدراسة على الرغم من المميزات الإيجابية الكثيرة التي تحدثنا عنها إلا أن له أيضاً سلسلة من الصعوبات والجوانب السلبية التي قد تغير مجرى حياتنا، منها مثلاً:
 
الضغط النفسي والإرهاق
من التحديات الكبيرة للعمل مع الدراسة هو مواجهة الضغط النفسي والإرهاق الجسدي، حيث تعتبر الدراسة الجامعية بحد ذاتها تجربة مجهدة ومتعبة، وعند المزاوجة بين الدراسة والعمل فإما أن يلتزم الطالب بأحدهما على حساب الآخر وإما أن يتعرض للإرهاق الجسدي والضغط النفسي الشديد الذي قد يؤدي به إلى الانهيار في مرحلة ما، وهذا ما يدفع بعض الدول لوضع قوانين صارمة لساعات العمل أثناء فترة الدراسة.
لذلك على الطالب سلفاً أن يقوم بوضع خطة جيدة لإدارة وقته بين العمل والدراسة وترك مساحة من الراحة لتفادي آثار الضغط الشديد والإرهاق.

التراجع الدراسي
كنتيجة طبيعية للضغط والإرهاق يعتبر التراجع الدراسي من الآثار السلبية الشائعة للعمل أثناء الدراسة، وهنا تبرز أهمية تنظيم الوقت لتفادي الانهماك في العمل على حساب الدراسة، وقد تكون الحالة عكسية حيث لا يستطيع الطالب القيام بالمهام الوظيفية على أكمل وجه لأنه يرغب بالحفاظ على مستواه الدراسي.

إغراء سوق العمل
في تجارب شخصية ليست قليلة كان الانخراط المبكر في سوق العمل سبباً مباشراً لتخلي الطالب عند الدارسة الجامعية، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى الإغراءات المادية والمعنوية التي يقدمها سوق العمل، هذا لا ينفي بطبيعة الحال وجود من تجبره الظروف على ترك الدراسة لمصلحة العمل.

التعرض للاستغلال
 بالنسبة للكثير من المؤسسات والشركات يعتبر توظيف المتدربين وطلاب الجامعات طريقة ممتازة لضغط النفقات، من جهة أخرى فإن تقدير ظروف الطالب من حيث منحه الإجازات في وقت الامتحانات أو تقليص عدد ساعات العمل لن يكون مجاناً!، وباستثناء أصحاب الضمير من مدراء وأصحاب عمل فإن الاستغلال تجربة يصعب تجنبها في العمل خلال الدراسة.

الأعمال غير المثمرة
ومن الخيارات السيئة التي قد يقع بها الطلاب هو انخراطهم في أعمال لا تغني سيرتهم المهنية ولا تقدم لهم خبرات جديدة، كالعمل في المهن غير الاحترافية أو البعيدة جداً عن مجال التخصص، ما يفقد تجربة العمل مع الدراسة معظم جوانبها الإيجابية.
 

نصائح البحث عن عمل إلى جانب الدراسة

- ابحث عن فرص العمل الحر، والتي تتيح لك مرونة كبيرة في تنظيم وقتك ودخلك مقارنة بالوظائف التقليدية، ويمكنك قراءة مقالنا عن العمل من المنزل عبر الانترنت ومقالنا عن مستقبلك مع العمل الحر.

- حاول أن تجد عملاً في مجال تخصصك الجامعي، أو ليكن في مجال شغفك وضمن سياق تصورك لمهنة المستقبل، بذلك تحقق أكبر قدر ممكن من فوائد العمل أثناء الدراسة.

- استخدم الوسائل الحديثة والتقليدية في البحث عن عمل على قدر المساواة، حيث يمكنك أن تنشئ حسابك الاحترافي عبر موقع لينكد ان بالتزامن مع استغلال شبكة العلاقات الشخصية لإيجاد الفرصة المناسبة.

- تجنب المستغلين قدر الممكن، ولا تقبل أن تكون ضحية للاستغلال لأن انهماكك في العمل مع المستغلين قد يعمي عيونك عن فرص أفضل.

- حاول أن تحصل على توصية من أساتذتك في الجامعة أو من أشخاص يستطيعون مساعدتك، وحاول أيضاً أن تجد طرق أخرى لتغطية نفقاتك الجامعية بشكل جزئي على الأقل مثل منح المتفوقين.

 

نصائح التوفيق بين العمل والدراسة

- تحديد الأولويات: أول ما يجب فعله في سبيل التوفيق بين العمل والدراسة هو تحديد أولويات الطالب بشكل دقيق وموضوعي، وذلك من خلال إنشاء مفاضلة فعالة بالاعتماد على الأهداف.

- إدارة الوقت: تنظيم وإدارة الوقت من الخبرات التي نكتسبها بشكل تراكمي عبر التجربة، ويلعب تنظيم الوقت الدور الأكبر في جعل تجربة العمل والدراسة تجربة جيدة ومثمرة.

- المرونة: إن الدخول إلى سوق العمل في مرحلة الدراسة يحتاج لمرونة كبيرة في التعامل مع الآثار والمتغيرات في كلا المجالين، حيث يجب أن يتمتع الطالب بالمرونة في اتخاذ القرارات والمفاضلة بين السلبيات والإيجابيات وتحديد الوقت المناسب للإقدام والانسحاب، اقرأ مقالنا عن أهمية المرونة الفكرية.

- مساحة الراحة والنقاهة: مهما كان الضغط شديداً لا بد أن ينظم الطالب أوقات راحته بشكل فعال، بحيث يحصل على فترات كافية من الراحة الجسدية والاسترخاء النفسي ليتمكن من الاستمرار في العمل والدراسة جنباً إلى جنب.

- طلب المساعدة: إذا كنت تعتقد أن العمل إلى جانب الدراسة يشكل ضغطاً إضافياً لا يحتمل أو أنك لا تستطيع إدارة هذه التجربة بالشكل المثالي فقد يكون طلب الاستشارة من الأصدقاء أصحاب التجربة المشابهة أو من الإدارة في العمل أو من الأساتذة في الجامعة خياراً جيداً، حيث ستحصل على نصائح وآليات قد لا تعرفها أو أنك غفلت عنها نتيجة الانهاك والانهماك في العمل والدراسة.