لغات الحب الخمسة بين الزوجين وتأثيرها على العلاقة

اكتشف مستشار العلاقات الزوجية الأمريكي غاري تشابمان اكتشافاً مهمّاً، الكثير من المشاكل التقليدية بين الزوجين قد تكون بكل بساطة بسبب اختلاف اللغة التي يعبّر كلّ منهما بواسطتها عن مشاعره، وتباين قدرة كل منهما بفهم "لغة الحبّ" الخاصة بالآخر! في هذا المقال نشرح معنى لغات الحب الخمسة وأهميتها في تحسين العلاقات الزوجية.
يقوم مفهوم "لغات الحبِّ الخمسة" على قاعدة بسيطة: لكلِّ إنسان "لغة عاطفيّة" أساسية خاصة به، يستخدمها للتعبير عن مشاعره واستقبال أو فهم مشاعر الآخرين. ما يعني أن المشاكل الزوجية المستمرة والشعور بالجفاء وغياب التفاهم قد لا يرتبط بغياب المحبّة أو المودّة بين الزوجين، بل بغياب فهم الطريقة التي بعبّر من خلالها كلّ منهما عن مشاعره، ويفهم من خلالها مشاعر الشريك.
نشر غاري تشابمان "Gary Chapman" نظريته عن لغات الحبِّ الخمسة عام 1992 في كتاب يحمل نفس العنوان "The Five Love Languages"، اعتمد فيه على أكثر من عشرين عاماً قضاها في تقديم الاستشارات الزوجية، حيث لاحظ أن الأزواج كثيراً ما يتحدثون عن شعورهم بالجفاء العاطفي رغم أن شركاءهم يؤكدون أنهم يحبونهم.
ليستنتج في النهاية أن الأمر لا يرتبط دائماً بالمشاعر الحقيقية بين الزوجين، قد تكون المشكلة الحقيقية هي أن الزوجين لا يتحدثان اللُّغة ذاتها، ما يجعل مشاعر كلّ منهما مبهمةً وغير واضحة أو متناقضة، وهذا ما يمكن تسميته "سوء الترجمة" الذي يقود في نهاية الأمر لسوء الفهم.
صنّف تشابمان هذه اللغات في خمس فئات رئيسية أصبحت مرجعاً أساسياً في تحسين العلاقات الزوجية:
- لغة الكلمات والتشجيع اللفظي (Words of Affirmation)
- لغة الوقت النوعي (Quality Time)
- لغة الهدايا (Receiving Gifts)
- لغة المساندة والمساعدة (Acts of Service)
- لغة اللمسة الجسدية (Physical Touch)

أولاً: لغة التشجيع اللفظي (Words of Affirmation)
تعتمد هذه اللُّغة على التعبير اللفظي المباشر عن المحبة والتقدير والاهتمام، هذا يعني أن الشريك الذي يستعمل هذه اللغة يشعر أيضاً بالحبِّ حين يسمع كلمات مثل "أنا أحبك" أو "أنتَ أهم شخص في حياتي" أو "أنا فخورة بكِ".
الأشخاص الذين يتكلمون لغة الحب اللفظية المباشرة هم أيضاً أكثر حساسية بالضرورة للانتقاد، وأكثر تأثّراً بالصمت العاطفي أو العقابي، ويحتاجون باستمرار لتلقي تأكيدات لفظية واضحة من الشريك، واستقبال إشارات الرضا بنفس الوضوح والجلاء عندما يعبّرون عن محبّتهم لفظياً.
أفضل طريقة للتعامل مع شريك -زوج أو زوجة- يستخدم هذه اللغة هي الحفاظ على الكلام الطيب والمديح والثناء وكلمات الغزل والرومانسية، وإظهار التفاعل اللفظي المباشر مع تعبيره عن مشاعره.
ثانياً: لغة الوقت النوعي (Quality Time)
المتحدثون بهذه اللغة يجدون في الحضور الكامل والانتباه والمشاركة أفضل تعبير عن الحبِّ، ويحتاجون لتأكيدات مستمرة على الانتباه الكامل، نظرات متبادلة وأحاديث تفاعلية وأنشطة مشتركة ينصبُّ فيها اهتمام كل طرف على الآخر.
لذلك يميلون إلى أنشطة تشبع حاجاتهم العاطفية مثل الخروج في نزهة، أو تناول الطعام بلا شاشات، أو الجلوس للتحدث بلا مقاطعة، أو الألعاب التقليدية، كل هذه الأفعال البسيطة تشعرهم بأنَّهم محلُّ اهتمامٍ حقيقي.
بناءً على ذلك سيكون من السهل استنتاج ما الذي يجعلهم منزعجين في العلاقة! أكثر ما قد يزعجهم أن يجلس الشريك بجانبهم وهو منشغل بهاتفه أو شارد الذهن، أو أن يكون مستعجلاً لإنهاء الوقت المشترك بأي وسيلة، وشعورهم بأنَّ صوتهم ليس مسموعاً.
ثالثاً: لغة الحصول على الهدايا (Receiving Gifts)
يُسيء كثيرون فهم لغة الهدايا كإحدى لغات الحبِّ الخمسة! فيظنونها لغةً سطحيةً أو مادية، لكنها في الواقع لغة رمزية عميقة، فمن يتحدث هذه اللغة العاطفية لا ينظر للهدية كقيمة مادية، إنّما يقرؤها كرسالة حبّ واهتمام وتعاطف.
عندما يستقبل هديّةً غير متوقعة، يشعر أن شريكه فكّر به دون مناسبة، أو تذكّر رغبةً عبّر عنها منذ أشهر، وبذل جهداً لتحقيق هذه الرغبة وتقديمها كهدية، وحتى الهدايا المتوقّعة في المناسبات لا تجعل الامتلاء العاطفي والتأثر أقل.
الأشخاص الذين يستعملون هذه الطريقة في التعبير عن مشاعرهم، ينزعجون بشدّة من فقدان الهدايا الرمزية التي يقدمونها للشريك أو ضياعها، يتأثرون بنسيان المناسبات المهمة، وينتظرون بفارغ الصبر ردّ فعل الشريك على الهدية التي يقدمونها إليه.
الهدايا بالنسبة لهم تماماً كقول كلمة "أحبّك" التي تجعلهم يترقّبون رد فعل الشريك، ويتوقّعون منه ردّاً بنفس القدر من الرومانسية!
رابعاً: المساعدة والتعاون "تقديم الخدمات" (Acts of Service)
الأشخاص الذين يتحدثون لغة التعاون أو أعمال الخدمة "Acts of Service" حسب التسمية الأصلية يبحثون عن المساندة الفعلية، عن المشاركة في تحمّل الأعباء والمسؤوليات والمهام، خصوصاً عندما يكون ذلك مبادرةً عفويّةً دون طلبٍ مسبق.
أن تعدَّ لزوجتكَ الطعام حين تكون متعبةً، أن تنوبي عن زوجكِ في الذهاب لدفع الفواتير أو شراء بعض حاجيات المنزل عندما يكون مشغولاً، أن تتطوَّع لتدريس الأطفال أو أخذهم في نزهة لمنح زوجتكَ وقتاً خاصاً! كل هذه الأفعال تجسيد لكلمة: "أنا أحبّك".
خامساً: لغة اللمسة الجسدية (Physical Touch)
اللمسة الجسدية لغة حب أصيلة وليست جنسيةً كما تبدو للوهلة الأولى، بل تشمل كلَّ تعبيرٍ جسديٍّ عن الحبِّ والرغبة بالتقارب، وقد تكون قيمة التواصل الجسدي خارج ظروف وأوقات العلاقة الحميمة أكبر قيمةً بالنسبة لمن يتكلمون هذه اللغة من لغات الحبِّ.
من أهم مفردات هذه اللغة العناق، القبلة العابرة، إمساك اليد أثناء المشي، طلب الجلوس معاً مقاربين جسدياً... إلخ. وبطبيعة الحال يشعر الذين ينتمون إلى هذا النمط بالبرود والانفصال والجفاء حين يغيب التواصل الجسدي لفترة طويلة أو يقتصر على العلاقة الحميمة فقط.
- لاحظ ما تطلبه من شريكك كثيراً، فإن كنت دائماً تتمنى أن يقول لك كلمات تقدير والمديح، فهذا مؤشر قوي على أن لغتك الأولى هي الكلمات المعبّرة، أما إذا كنت تتمنى عناقاً متكرراً على مدار اليوم، فقد تكون أقرب للغة اللمسة الجسدية.
- فكّر -أو فكّري- ما الذي يجعلك حزيناً أو منزعجاً من الشريك، إن كان نسيانه إحضار هدية في مناسبةٍ مهمّة يؤلمك بشدة فأنت على الأرجح من المتحدثين بلغة الهدايا، وإذا كنت تشعر بالحزن لأنه لا يتشتت أثناء الجلوس معك، ربّما كانت لغتك هي الوقت النوعي، وهكذا.
- راقب كيف تُعبّر عن حبك للآخرين، هل تبادر بتقديم هدية دون مناسبة، أم تعرض المساعدة والنيابة عن شخصٍ لمنحه فرصةً للراحة، أسلوب تعبيرك عن الحبِّ حتى خارج العلاقات العاطفية أو الزوجية، يكشف اللغة التي تفهمها في الحبّ.
- استرجع لحظات شعرت فيها بالحب الحقيقي، وفكّر ما الذي كان مميزاً في تلك اللحظة، هل كانت للكلمات الدور الأكبر أم للتواصل باللمس، هل كانت مساعدةً منحتك شعوراً بالاهتمام، أم هديّةً غير متوقعة!
- فكّر بالشكوى المتكررة في العلاقات، هل تشكو أكثر من غياب التقدير اللفظي أو "الكلمة الحلوة"، أم تشكو من غياب أوقات مشتركة أو عدم اهتمام الشريك بالتواجد والحضور، أم تراكَ تشكو من عدم تقدير الشريك لهديةٍ رمزيةٍ قدّمتها له!
- راقب ما يقدّمه بعفوية، فالناس يُعطون بلغتهم الخاصة لا بلغتك، والطريقة التي يعبّر بها لك عن حبِّه هي الطريقة التي سيفهم من خلالها أيضاً حبّك واهتمامك.
- انتبه إلى ما يطلبه منك صراحةً أو تلميحاً، فحين يقول "لو كنت قضيت معي وقتاً أكثر" أو "أتمنى لو أخبرتني أنك فخور بي"، فهو يُخبرك بلغته مباشرة.
- لاحظ ما يجعله حزيناً أو منزعجاً، هل ينزعج أكثر حين تتأخر في الرد على الرسائل، أم حين تنسى مناسبة مهمة، أم حين يشعر أن رد فعلك غير متناسبٍ مع ما يقوله من الناحية اللفظية.
- استمع إلى شكواه، فعندما يشتكي الشريك دائماً من البرود أو من كثرة انشغالك أو عدم تقديرك لجهوده وإنجازاته؛ هو في الواقع يخبرك عن لغة الحبِّ التي يفهمها ويشعر أنك لا تقول له "أحبّك" بواسطتها.
- حاول فهم لغة الحبِّ الخاصة به خارج علاقتكما الزوجية، راقب كيف يتفاعل مع الآخرين من حوله ويعبّر لهم عن الحبّ والاهتمام والتعاطف، فهذه الأنماط السلوكية مع الآخرين تعكس بعفوية لغته العاطفية الطبيعية، التي قد تكون أكثر غموضاً في العلاقة الزوجية.
- اسأله مباشرة عمّا يجعله يشعر بالإشباع العاطفي أو الرضا، أحياناً أبسط الطرق وأصدقها هي الحوار المباشر والصريح، وأن تسأل الشريك: "ما الذي يُشعرك بأنني أحبك فعلاً؟".
- تقليل سوء الفهم العاطفي وتجنّب الجفاء غير المقصود من خلال معرفة اللغة الصحيحة التي تجعل "الكلمات" واضحة ومعبّرة وصادقة، لكن باللغة التي يفهمها الشريك.
- تعزيز الرابطة العاطفية بين الزوجين والشعور بالرضا العاطفي، هذا الرضا أو الإشباع هو ما يجعل الزواج بيئة آمنة ودافئة تسودها المودّة والرحمة.
- إعادة اكتشاف الحبّ الحقيقي بين الزوجين، فكثير من الأزواج الذين يعيشون تحت سقف واحد يشعرون بوحدة عاطفية حقيقية لأن لغات حبهم مختلفة ولا يُدركان ذلك.
- تقليل الخلافات المتكررة وفهم جذورها الحقيقية، فعندما يفهم كل طرف لغة الحبِّ الخاصة به وبالطرف الآخر، يصبح من الممكن إيجاد أرضية مشتركة لحلِّ الخلافات دائماً.
- تحسين التواصل بين الزوجين بشكلٍ كبير، حيث يُصبح الحوار الزوجي أكثر نضجاً وعمقاً ويُقلّل من مساحة الصمت أو الملل من محاولة إنعاش العلاقة.
- نقل ثقافة "لغات الحبِّ" للأبناء، ليستطيعوا فهم أن التعبير عن الحبِّ قد يختلف من شخص لآخر، والاهتمام بأمرٍ شخص يعني فهم لغة الحبّ التي يتكلمها، ومساعدته أيضاً على فهم لغتنا الخاصة.
رغم أهمية نظرية لغات الحبِّ الخمسة في فهم الفوارق الرئيسية بين الأشخاص عند التعبير عن الحبّ، لكننا نرى أن الحبَّ مزيجٌ من هذه اللغات جميعاً، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "لغة الحبِّ الجامعة".
فحتى الأشخاص الذين يستمتعون بالهدايا ويعتبرونها أصدق كلمة "أحبّك" يسمعونها من الشريك، يحتاجون أيضاً لكلمة تقدير ومساندة، وسيشعرون بالحزن إذا كانوا منهمكين في مسؤولياتٍ كثيرة والشريك لا يبادر للمساعدة، وسيصابون بالإحباط إذا كانوا يشاركون فكرةً يجدونها عبقريةً فيما يعبث الشريك بهاتفه!
لا شكّ أن هناك قيمةً ترجيحيةً لكل لغةٍ من لغات الحبِّ تختلف من شخصٍ لآخر، لكن القصد أن التعبير عن الحبِّ لا يمكن أن يكون فقط من خلال الكلام الناعم والمديح والثناء، إن غابت المساندة وغاب معها التواصل الجسدي، والمبادرة بالهدايا، والاهتمام بصنع الذكريات معاً.