هناك العديد من طرق التربية المختلفة، بعضها يساعد طفلك على التعلم وبناء علاقة قوية معك، وهناك طرق أخرى قد تجعله مطيعًا ولكنها لا تساعده على النمو الشخصي، وقد تأتي بنتائج عكسية إذا اعتمدت على القهر والعقاب.
وتظهر باستمرار كتب ونظريات وأفكار جديدة في مجال التربية، وقد يحتار الآباء والأمهات أمام اختلاف النصائح والتوجيهات، وعدم فاعلية بعض الطرق المقترحة أحيانًا، ويمكن تلخيص طرق التربية الرئيسية التي تحترم الطفل في خمسة أنواع أساسية، يتفرع عنها العديد من الوسائل والمقترحات.
 


ذات صلة


طرق التربية الحديثة الأساسية

لا يتفق الخبراء على النوع الأفضل للانضباط، فلكل منها فوائد وتحديات، لذا فإن اختيار أسلوب التربية يجب أن يتناسب مع عائلتك وطبيعتك وطبيعة طفلك وقيمك، فلا توجد طريقة واحدة تنجح مع جميع الأطفال والأسر، ومن الأفضل الاطلاع عليها واستخدام التقنيات المختلفة المناسبة من كل نوع.

حيث يمكن تلخيص طرق التربية الحديثة في هذه الأنواع الخمسة:
1- التربية الإيجابية  Positive discipline

- تعتمد التربية الإيجابية على الثناء والتشجيع بدلاً من التركيز على العقاب.
- يساعد الآباء أبناءهم على تنمية مهارة حل المشكلات والبحث عن الحلول.
- تستخدم التربية الإيجابية الاجتماعات والتقارب العائلي نهجًا لتعديل السلوك.
- مثال: طفل يبلغ من العمر 6 سنوات يرفض القيام بواجبه.
طريقة التعامل من خلال التربية الإيجابية تقترح مثلا أن يجلس الأب/ الأم ويقول: "أعرف أن معلمك يريد منك إنجاز هذا الواجب الليلة، وأنك لا تريد القيام به، تعال نفكر ما الذي يمكننا فعله لإنجاز هذا الواجب حتى تكون قد أنجزت واجباتك المنزلية في الوقت المحدد؟"

2- التربية اللطيفة Gentle discipline
تعتمد التربية اللطيفة على محاولة منع المشكلات، وتستخدم أسلوب إعادة توجيه الأطفال بعيدًا عن السلوك السيء.
ولا يعني هذا أن التربية اللطيفة لا حزم فيها، بل إن الطفل يتحمل عواقب سلوكه، ولكنها لا تغرس فيه العار والشعور بالذنب، حيث يستخدم الآباء في الغالب الفكاهة والمرح والتبسيط، ويعمل الآباء في هذا النوع من التربية على إدارة مشاعرهم أثناء معالجة سوء سلوك الطفل.
وفي المثال السابق للطفل الذي لا يريد القيام بالواجب يتعامل الأب/ الأم مع الطفل بشكل لطيف وبروح الدعابة لا السخرية، فيقول مثلا: "هل تفضل أن تكتب رسالة من صفحتين لمعلمك توضح فيها سبب عدم رغبتك في القيام بالواجب الليلة؟".. ويقارن بين هذا وبين القيام بالواجب.
وتعد سارة أوكويل سميث وهي أم لأربعة أطفال، ومؤلفة كتب التربية الأكثر مبيعًا، أهم من شرح هذا النوع من التربية، الذي يدعو إلى التوازن، وبناء نهج موثوق يعتمد على الاحترام والرحمة.
وفي كتابها الجديد " الانضباط اللطيف: كيفية تربية أطفال مهذبين ومتعاونين بدون عقاب" تنصح بأن تبدأ التربية اللطيفة منذ الولادة، وتعرفها بأنها عملية تعلم متبادل، فمنذ اللحظة التي تضع فيها طفلك بين ذراعيك أنت تعلمه تماما كما يعلمك[1].
والرسالة الأساسية لهذا النوع من التربية أن تكون عملية تعليمية داعمة، لا نظامًا للمكافأة والعقاب، حيث توضح المؤلفة أن الفهم الأساسي للمراحل التنموية للأطفال، وتفسير تصرفاتهم يجب أن يكون أساسًا لتقنيات التربية المختلفة.
وبدلاً من القفز لحل المشكلة وتعديل السلوك، تقول إن على الآباء أن يفهموا سبب سلوك الطفل أولا، فهناك عوامل فسيولوجية تؤثر على الطفل مثل: الجوع والتعب، وهناك عوامل أخرى نفسية مثل ضعف التواصل، والتوتر والخوف، وانعدام سيطرة الطفل على حياته الخاصة.
وهناك حقيقة مفادها أن الطفل الصغير يلجأ إلى البكاء للتعبير عن احتياجاته ومشاعره لعجزه عن الكلمات.
وفي التربية اللطيفة يتم تجنب العقاب والضرب والصراخ والتهديد بإلحاق الضرر، فمثل هذه الأدوات التقليدية قد تجعل الطفل يتوقف عن السلوك السيء ولكنها لا تعلمه كيفية التعامل مع الموقف، وفي المقابل فإن التركيز على المكافآت الخارجية سينمي سلوكًا معينًا فقط ويضر بالدوافع الداخلية للطفل.

3- التربية القائمة على الحدود Boundary-based discipline
تركز التربية القائمة على الحدود على جعل القواعد واضحة أمام الطفل والنشء، حيث يمنح الطفل خيارات، وتكون هناك عواقب واضحة لسوء السلوك[2].
وفي مثال الطفل بعمر 6 سنوات ويرفض القيام بواجبه يجعل الأب/ الأم النتيجة واضحة أمامه بقوله: "لن تتمكن من استخدام أي من إلكترونياتك الليلة حتى تنتهي من واجبك".

4- تعديل السلوك  Behavior Modification
يركز تعديل السلوك على النتائج الإيجابية والسلبية، وتعزيز السلوك الجيد بالثناء أو المكافآت، وتثبيط السلوك السيء بتحمل العواقب والتجاهل، مثل: فقدان بعض الامتيازات.
وتطبيقًا على المثال الذي اخترناه لطفل في السادسة يرفض القيام بواجبه، فمن المقترح وفقًا لهذا النمط من التربية أن يذكر الأب/ الأم الطفل بالمكافآت التي اتفقوا عليها مسبقًا، وذلك بقوله: "تذكر أنه بمجرد انتهائك من أداء الواجب فيمكنك استخدام الكمبيوتر لمدة نصف ساعة".
ويترافق مع المكافأة الثناء على امتثال الطفل وإنجازه، وفي المقابل يتجاهل المربي السلوك العكسي.

5- التدريب العاطفي  Emotion coaching
التربية القائمة على التدريب العاطفي تركز على مشاعر الأطفال، وتنطلق من قناعة بأن فهم الأطفال لمشاعرهم يمكنهم من التعبير عنها بشكل سوي بدلا من التصرف بناء عليها بشكل انفعالي.
وفي هذا النوع من التربية يتعلم الطفل تقبل مشاعره، وعدم الخجل أو الخوف منها، ويساعدهم الآباء على تعلم الطرق المناسبة للتعامل والتعبير عنها.
ونعود إلى مثالنا السابق:
في هذا النوع من التربية عندما يجد أحد الأبوين أن الطفل يرفض القيام بالواجب فإنه يساعده على تحديد مشاعره بقوله: "أعلم أنه يضايقك عدم قدرتك على اللعب لأنه يتعين عليك أداء الواجب، وأدرك أن الرياضيات صعبة جدًا في بعض الأحيان مما يجعلك تشعر بالإحباط عندما لا تعرف الإجابة أو تستغرق وقتًا طويلًا. دعنا نقضي بضع دقائق لرسم لوحة تعبر عن مشاعرك وأنت مضطر لأداء الواجب".
وينطلق ها النمط التربوي من فكرة أن فهم الطفل لعواطفه وتعلمه كيفية التعامل مع غضبه وضيقه وإحباطه بطرق آمنة وإبداعية ستجعله أكثر قدرة على المرونة والتوازن وتعديل السلوك.
 

ذات علاقة


فهم اختلاف دماغ الطفل

من المهم أن يُدرك الآباء طبيعة أدمغة الأطفال، فكثيرًا ما يكون السلوك المزعج للطفل هو ببساطة لأنه طفل! وقد يكون السلوك مزعجًا أو محرجًا ولكنه مناسبًا تمامًا لعمره. علينا أن نعي بأن الطفل ليس شخصًا بالغًا صغير الحجم، أو قليل الخبرات يحتاج إلى التعلم والتدريب فقط؛ لأن اختلاف الصغار عن الكبار أعقد من هذا، فالمناطق الرئيسية في أدمغة الأطفال لم تكتمل بعد.
 إن الجزء الأكثر مسؤولية عن السلوك الاجتماعي، واتخاذ القرارات والمرونة الإدراكية، والتناغم بين الأقوال والأفعال هو القشرة الأمامية الجبهية Prefrontal Cortex، وهي غير مكتملة النمو عند الأطفال بل ولا المراهقين، فقد أثبتت الأبحاث أنها تكتمل في الخامسة والعشرين[3].
 

نصائح عامة للتربية تربية الأبناء

يمكن تقديم بعض النصائح التربوية العامة التي تجعل من تربية الأبناء عملية فعالة بغض النظر عن الأسلوب أو النمط التربوي، هذه النصائح كفيلة بتقليل العيوب وتعزيز الإيجابيات في أساليب التربية المختلفة:

1- ابق هادئًا: لا توجه طفلك وأنت غاضب أو متوتر.
2- التوقعات المناسبة: افهم السلوك المناسب للعمر وتطور الدماغ.
3- التقبل: اجعل الأمر واضحًا لطفلك عندما ترفض منه سلوكًا ما، "أحبك بلا شروط، ولكنني لا أحب هذا السلوك".
4- العاطفة: أوصل مشاعرك لطفلك واحتويه عاطفيًا، وساعده على إدارة مشاعره.
5- كن قدوة: كن مثالا جيدًا لطفلك على كيفية التعامل مع المواقف الصعبة.
6- تعلم من الخطأ ولا تقع في دوامة الذنب: كثيرًا ما يقع الآباء والأمهات في دوامة الشعور بالذنب تجاه أطفالهم، ولعدم قدرتهم أحيانًا على تطبيق المعلومات التي يقتنعون بها في التربية، ولكن التوبيخ المبالغ فيه للنفس ليس جيدًا للعملية التربوية بشكل عام، فكما ذكرنا سابقًا فإن التربية هي عملية مستمرة يتعلم فيها المربي كما يتعلم النشء، ويطور كلاهما من نفسه.
إذا شعرت بأن انفعالاتك تخرج عن السيطرة فأعطِ نفسك فرصة للهدوء والتقاط الأنفاس، وبعد أن تتأكد من أن طفلك في مكان آمن ابتعد عنه لبعض الوقت، وعندما تشعر بتحسن عُد إليه واحتضنه.
وإذا شعرت أنك ارتكبت خطئًا حقيقيًا في حق طفلك نتيجة الاتفعال أو الغضب فكن قدوة له في شجاعة الاعتذار، واتفق معه كيف ستتعاملان مع المواقف الشبيهة مستقبلًا، فهذا يعطي لطفلك نموذجًا جيدًا لكيفية التعافي من الأخطاء.
7- ركز على السلوك الجيد: أغلب الأطفال يسعون للفت الانتباه حتى ولو كان عبر السلوك السيء، ويقع معظم الآباء والأمهات في هذا الفخ، حيث يركزون باستمرار على السلوكيات السلبية، بينما قد لا ينتبهون أصلا للسلوك الجيد باعتباره أمرًا طبيعيًا، ويوصي خبراء التربية بعكس هذه الطريقة، فعندما يجلس طفلك هادئًا ويرسم أو يلعب بدون إزعاج وأنت تجري مكالمة هامة ابتسم له، وامتدح سلوكه، وحافظ على انشغاله أثناء قيامك بعمل مهم، لأنه في المرة القادمة عندما يريد جذب انتباهك سيكرر السلوك الماضي وبشكل أفضل، وهو ما يعرف بـ"تعزيز السلوك"، والذي لن يجعله بحاجة إلى إساءة التصرف لجذب انتباهك.

وفي النهاية فإن التربية عملية تفاعلية ودائمة، وتحتاج إلى مزيج من الحب والحزم، مع شجاعة مراجعة الذات وتقييم النتائج، ولا توجد طريقة أو كتاب بعينه، أو خبير تربوي وحيد يمثل المرجعية في مجال التربية، لذا فإن اطلاع المربين على الأطروحات المختلفة مع وعيهم بواقع أبنائهم هو حجر الأساس في كفاءة العملية التربوية.
 

المراجع والمصادر

[1] كتاب (2017) Sarah Ockwell-Smith، "الانضباط اللطيف: كيفية تربية أطفال مهذبين ومتعاونين بدون عقاب" رابط الكتاب في موقع أمازون.
[2] مقال Amy Morin "تقنية التربية القائمة على الحدود للأطفال" منشور في verywellfamily.com، تمت مراجعته في 7/7/2019
 [2] مقال "فهم دماغ المراهق" منشور في urmc.rochester.edu، تمت مراجعته في 7/7/2019