سلوك تقطيع وتمزيق الأوراق عند الأطفال أو تكسير وتخريب الألعاب وسلوك رمي الأغراض وغيرها من سلوكيات التخريب التي يقوم بها الطفل؛ جميعها من المتصرفات التي تضع الأهل في حالة مزاجية عجيبة!، من جهة هم منزعجون لأن الطفل يقوم بالتخريب والتمزيق والرمي، ومن جهة أخرى هم قلقون أن يكون سلوك التخريب عند الأطفال مشكلة سلوكية يجب علاجها وخائفون أن يؤذي نفسه، ذلك كله بالتزامن مع سعادة بعض الأهل لقدرة أطفالهم على التعامل مع الأشياء وتفكيكها أو تخريبها، خاصة في المرات الأولى التي يظهر بها سلوك التخريب عند الأطفال.
في هذه المادة نقدم لكم رصداً عملياً وعلمياً لسلوك التخريب عند الأطفال، أسباب سلوك تقطيع الأوراق وتخريب الألعاب والأدوات وأسباب رمي الطفل للأشياء عند الغضب، تقييم سلوك التخريب عند الطفل لمعرفة كيفية التعامل مع الأطفال المخربين.
 


ذات صلة


سلوك التخريب عند الأطفال

معظم السلوكيات التي يقوم بها الأطفال ابتداءً من الشهر الثالث وحتى بلوغهم مرحلة المراهقة تندرج تحت بندين؛ مجموعة السلوكيات الفطرية التي ينتهجها جميع الأطفال تقريباً بهدف الاكتشاف والتعرّف على العالم من حلوهم، ومجموعة السلوكيات المكتسبة التي يتعلمها الأطفال من محيطهم من خلال التعليم المباشرة ونمذجة السلوك والمحاكاة، وعادة ما تتفاعل السلوكيات الفطرية مثل الإمساك بالأشياء ورفعها وإبعادها عن بعضها ورميها....إلخ مع السلوكيات المكتسبة لتصبح راسخة بمنظومة السلوك عند الأطفال.
وسلوك التخريب عند الطفل ينتمي إلى المجموعتين معاً، فالأطفال الصغار من ثلاثة أشهر وحتى سنتين أو ثلاثة تقريباً لا يدركون بشكل واعٍ وبالقدر الكافي فكرة التخريب وخروج الأغراض من الخدمة بعد إفسادها، وحتى بعد إدراكهم للأشياء المعطوبة التي تتوقف عن العمل وتفقد قيمتها بعد التخريب؛ يتفوق الفضول والغضب لديهم ويدفعهم إلى المزيد من التخريب والتمزيق والرمي!.

متى يكون سلوك التخريب عند الطفل مشكلة حقيقية؟
جميع الأطفال دون استثناء يختبرون تخريب الأشياء وتكسيرها، ويختبرون الصراخ والغضب ورمي الأشياء أو سكب السوائل كردة فعل، لكن متى يكون سلوك التخريب عند الطفل مشكلة حقيقة تحتاج إلى حل[1]:
- استخدام الطفل لسلوك التخريب كوسيلة للضغط على الأهل لتلبية طلباته، أو كوسيلة للفت الانتباه، أو كوسيلة انتقامية، وبشكل مستمر ومستقر.
- وجود اضطرابات سلوكية أخرى مثل اضطراب التحدي والشخصية العدائية، أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.
- عندما يكون سلوك التخريب عند الأطفال غير متناسب مع عمرهم، فإذا كان طفل بعمر السنة والنصف يقوم برمي الأشياء بعيداً هذا يعتبر جزءاً من نموه المعرفي والسلوكي، لكن الطفل في الثامنة عندما يقوم بتخريب أدوات أخيه الأصغر أو تكسير أقلامه فهذا السلوك يعتبر عدوانياً ويحتاج لحل.
- عندما يعبِّر سلوك التخريب عند الطفل عن مشكلة في إدارة العواطف والتعبير عنها.
- عندما يترافق سلوك التخريب عند الطفل مع كسر القواعد المنزلية والاستخفاف بها والاستخفاف بمنظومة الثواب والعقاب الأبوية.
- عندما يكون سلوك التخريب طارئاً في عمر كبير ويرتبط بضغوطات أسرية أو أزمات نفسية معينة، فقد يلجأ الطفل لهذا السلوك عند إدراكه لشجار والديه أو عند انفصالهما أو تحت وطأة الصدمة...إلخ.

تقول الخبيرة في موقع حلوها دكتورة هداية في إجابتها على سؤال إحدى الأمهات "ابني يكسر كل شيء في البيت ما الحل معه؟": إن كان الطفل لا يزال في مرحلة الحبو يعني حوالي سنة تقريباً فلا يمكن القول أن الطفل يعاني من اضطراب لأن طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها تتطلب الحركة الزائدة وحب الاكتشاف والتجريب مع عدم إدراك حجم الخطر الذي يحيط بالطفل لو قام بهذه السلوكيات، الأمر الذي يتطلب منك الحماية والانتباه قدر الإمكان مع إبعاده عن الأمور التي تلحق به الأذى وتقديم الألعاب له من أجل أن تلهيه بها، فبهذه الطريقة يمكن لك أن تتخلصي من مشاغبة الطفل، فقط عليك الصبر والهدوء خصوصاً في هذه المرحلة".
 

ذات علاقة


أسباب السلوك التخريبي عند الأطفال

يلجأ الأطفال لسلوك التخريب لعدة أسباب بعضها حميد وبعضها يعبِّر عن وجود مشكلة  سلوكية لدى الطفل جديرة بالمتابعة والعلاج، وأبرز أسباب التخريب عند الأطفال:

1- اللعب واللهو بتمزيق الأوراق ورمي الأشياء: جميع الآباء والأمهات يعلمون المتعة التي يشعر بها الرضيع عند تمزيق الأوراق أمامه، وعند سماعه صوت تمزيق الورق، كذلك يلاحظ جميع الآباء والأمهات سعادة الرضيع بالإمساك بالأشياء ورميها ثانية، هذا التطور يعتبر من أهم التطورات المعرفية والسلوكية لدى الأطفال والذي يبدأ في الشهر الثامن تقريباً ويستمر لفترة ليست قصيرة من الطفولة المبكرة، وما دام التخريب عند الطفل الصغير متناسباً مع عمره، كل ما علينا فعله هو حماية الطفل من خلال إبعاد الأشياء المؤذية عنه، وتقديم أشياء معدة سلفاً للتفكيك إلى قطع كبيرة وغير مؤذية.

2- الفضول والاكتشاف من خلال التكسير والتخريب: في المرحلة العمرية التالية -أي بين سنة ونصف وحتى ست سنوات تقريباً- تكون الملامح الأساسية لسلوك التخريب عند الطفل هي الاكتشاف، الأطفال هم الأشد فضولاً على الإطلاق، بل أن الطفولة هي الفضول والبراءة معاً، لذلك فالطفل في هذا السن يقوم بتفكيك كل ما يمكن تفكيكه، ويقوم برمي كوب على الأرض ليسمع صوته، ويقوم بفتح الخزائن لاكتشاف ما تخفيه، وتمزيق الورق لمراقبة العملية نفسها (التمزيق).

3- لفت الانتباه والتذكير: عندما يشعر الأطفال بالإهمال العاطفي وأنهم ليسوا موضوع اهتمام الأهل يلجؤون لأنواع مختلفة من السلوك بهدف لفت الانتباه والتعبير عن أنفسهم[2]، معظم هذه السلوكيات تكون مزعجة مثل البكاء والصراخ والتخريب والتكسير ورمي الأكل وسكب الماء وتوسيخ الأرضيات عمداً...إلخ، وفي حالات أخرى قد تكون أساليب الطفل بلفت الانتباه صامتة، حيث يدخل بحالة من الكآبة المبكرة وعدم الاكتراث.

4- التعبير عن الغضب أو الحزن: يعتبر سلوك التخريب عند الأطفال من السلوكيات الشائعة بالتعبير عن الغضب والحزن وبالتعبير عن التوتر والخوف أحياناً، وفي حال كان الطفل يقوم برمي الأشياء عندما يغضب -كما يفعل الكبار بطبيعة الحال- فلا بد من مساعدته على التعبير عن مشاعره بشكل أفضل، اقرأ مقالنا حول تعليم الطفل التعبير عن عواطفه.

5- الانتقام عند الأطفال: الانتقام من الدوافع القوية جداً عند الأطفال والتي تظهر في سن مبكرة، ويعتبر سلوك التخريب بدافع الانتقام من أخطر مظاهر التخريب عند الأطفال، فقد يلجأ الطفل لكسر الكوب المفضل لوالده انتقاماً منه على ضربه أو الصراخ عليه، ومع تقدم الطفل بالسن واكتساب المزيد من المهارات سيصبح قادراً على القيام بأعمال تخريبية كبيرة في المنزل بدهاء شديد ودون إدانته حتى!.

6- السياق التربوي للطفل: من الأسباب المهمة التي تجعل الأطفال يلجؤون لسلوك التخريب هو السياق التربوي غير المناسب (اقرأ مقالنا عن السياق التربوي)، فالأنماط التربوية المتساهلة بشدة أو المهملة أو حتى شديدة القسوة قد تعبر عن نفسها في سلوك الطفل من خلال التكسير والتدمير.

7- السلوك التخريبي القهري عند الأطفال: عادة ما يكون السلوك التخريبي القهري عند الطفل جزءاً من اضطراب سلوكي أو نفسي معين، وغالباً ما يظهر بعد السنة السابعة أو حولها، حيث يقوم الطفل بالتخريب دون وجود أسباب أو دوافع واضحة، وتكون جميع العقوبات التقليدية غير فعالة في هذه الحالة، ويعتبر اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع عند الطفل والمراهق واضطراب التحدي المعارض من أهم الاضطرابات التي تقود لسلوك التخريب القهري.
 

معايير التعامل مع الطفل المخرب

وفي ضوء هذا الفهم لسلوك التخريب عند الطفل لا بد من تحديد معايير أساسية للتعامل مع الطفل المخرب، أبرزها:
1- لا يمكن النظر إلى سلوك التخريب عند الطفل بغض النظر عن سنه، وتزداد أهمية التعامل مع هذا السلوك وعلاجه كل ما كان الطفل أكبر، فيما يعتبر سلوك التخريب قبل السنة الثالثة تقريباً جزءاً مهماً من تعلُّم الأطفال ونمو شخصيتهم[3].

2- هناك فرق كبير بين التخريب والتدمير بوصفه سلوكاً عدوانياً عند الطفل، وبين الرغبة باكتشاف الأشياء وتفكيكها ورؤية كيفية عملها والتعرف على ما في داخلها، أو حتى إجراء تجارب غريبة كوضع الهاتف المحمول في كوب الماء!، فإذا كانت دوافع تغطيس الهاتف بالماء هي الاكتشاف والفضول سيحتاج الطفل لإدراك قيمة الأشياء وكيفية فهم ما يريد دون إحداث الضرر، أما التخريب بدوافع انتقامية مبحث آخر قد يدل على وجود اضطرابات مميزة تحتاج لعلاج تخصصي.

3- سلوك التخريب عند الأطفال يتفاعل بشكل ديناميكي مع طريقة تعاملنا وردة فعلنا على تخريب الطفل للأشياء، فاستخدام العنف والصراخ كعقاب للطفل المخرب يجعله يفهم أن هذا السلوك جيد لإزعاج الآخرين وسيستخدمه للفت الانتباه أو كردة فعل للانتقام على رفض طلباته، والتعامل مع سلوك التخريب بتساهل شديد سيجعل الطفل متساهلاً بدوره مع الممتلكات الخاصة به وممتلكات الآخرين وغير مهتم بالحفاظ عليها، لذلك يجب اتباع الأساليب الصحيحة المتناسبة مع أسباب سلوك التخريب وسن الطفل للوصول إلى حل مشكلة التخريب عند الطفل.
 

التعامل مع الأطفال المخربين

كيف يمكن علاج سلوك التخريب عند الأطفال؟    
تقول الدكتورة كرايس المتخصصة في التربية الأسرية والمدرسية والخبيرة في موقع حلوها
أن التعامل مع الطفل المخرب مهما كان عمره يتطلب أولاً ردة فعل ثابتة، فوجود عدد كبير من المتدخلين بتربية الطفل من عمات وأعمام وأخوال وغيرهم سيفاقم الحالة ويشتت الطفل بين من ينهره ومن يضحك عند تخريبه للأشياء ومن يتحدث معه بطريقة عقلانية.

وإليكم بعض أفضل الأساليب والطرق للتعامل مع سلوك التخريب عند الأطفال:
1- حماية الطفل أولوية:
مهما كانت طبيعة الأعمال التخريبية التي يقوم بها الطفل فإن حمايته من الأذى يجب أن تكون الأولوية بالنسبة لنا، حيث يجب إبعاد كل ما هو مؤذٍ من أمام الأطفال مثل الزجاج أو الأدوات الحادة أو أعواد الثقاب، كما يجب الحفاظ على أقصى قدر ممكن من الرقابة الأبوية غير المباشرة على الطفل لحمايته من الأذى وليس خوفاً على الأشياء والأغراض!، وهذا ما يجب أن يفهمه الطفل أيضاً، أننا نخاف عليه أكثر من خوفنا على الأغراض التي يدمرها.

2- فهم سلوك الطفل المخرب: كل الفقرات السابقة في هذا المقال تهدف إلى توضيح أهمية فهم السلوك الذي يقوم به الطفل قبل التعامل معه، فإذا كان طفلك يقوم بتقطيع وتمزيق الأوراق لا بد من فهم سلوكه، هل هو من باب اللعب أم بقصد الإزعاج أم للفت الانتباه، وبناء على السبب يمكن تحديد طريقة التعامل معه.
فالطفل الذي يمزق الأوراق لا بد أولاً أن نبعد عنه الأوراق المهمة، ربما نقدم له بعض الأوراق البيضاء ليمزقها ويرضي دوافعه، ثم نحاول تعليمه الرسم على هذه الأوراق أو صناعة أشكال منها بدلاً من تمزيقها، وهكذا.

3- القواعد المنزلية الثابتة والمستقرة: على عكس ما يظن الأهل فإن الأطفال يعشقون الالتزام بالقواعد والروتين، ويحبون ملاحظة آثار التزامهم، وعندما ترى أن طفلك يخالف القواعد لا بد أن تعيد النظر بطريقة فرض قواعدك المنزلية[4]، فالطفل يتشتت عند وجود قواعد غير واضحة وغير ثابتة، وعند وجود عدد كبير من الأطراف المعنيين بمنعه أو السماح له، لذلك لا بد من بناء منظومة قواعد ثابتة مستقرة ومفهومة، اقرأ مقالنا عن وضع قواعد للطفل في البيت.

4- لا تدلل طفلك ولا تقسو عليه: واحد من أسباب استقرار سلوك التخريب عند الأطفال هو الدلال الزائد، وللمفارقة فإن القسوة الزائدة أيضاً تعطي نفس النتيجة، لذلك يجب أن يفهم الطفل محبتنا له، وفي نفس الوقت يجب أن يفهم القواعد التي يجب عليه الالتزام بها.

5- لا تهدد ولا تعوض: تهديد الأطفال بعقوبات مبالغ بها دون تنفيذ هذه العقوبات يجعلهم متساهلين مع القواعد المنزلية وغير مكترثين بهذه التهديدات، لذلك يعتبر التهديد أسلوباً غير فعال بل ويعطي نتائج عكسية.
كذلك سلوك التعويض عن الأغراض التي يخربها الطفل يعتبر سلبياً جداً، فعندما يكسر الطفل إحدى ألعابه عمداً لا يجب تعويضه عنها بأي شكل من الأشكال، وحتى عندما يقوم الطفل بتخريب شيء من أغراض البيت يجب أن يشعر بصعوبة شرائه مجدداً، وقد يلجأ بعض الأهل لخصم مبلغ من مصروف الطفل بهدف التعويض عن الأضرار، شريطة ألا يفهم الطفل من ذلك أن المشكلة هي ثمن الأغراض التي أفسدها!.

6- الثواب والعقاب على سلوك التخريب عند الأطفال: هناك الكثير من المذاهب لعقاب الأطفال التي تتراوح بين الشدة واللين، لكن على وجه العموم يجب أن يكون العقاب واضحاً ومفهوماً بالنسبة للطفل، متناسباً مع عمره، وبعيداً عن الأساليب المهينة أو العنيفة، كما يجب أن يحصل الطفل على مكافآت معنوية ومادية على السلوك الجيد، دون أن تتحول المكافأة لرشوة، اقرأ مقالنا عن الانتهازية عند الأطفال والفرق بين المكافأة والرشوة.

أخيراً... من وجهة نظرنا أن الاهتمام بسلامة الأطفال المخربين هو الأولوية، من خلال تقديم ألعاب آمنة لهم ومنع كل ما يمكن أن يسبب ضرر لهم من زجاج ومواد مشتعلة وأدوات حادة، والأولوية الثانية هي محاولة علاج المشكلة من جذورها بدلاً من عقاب الطفل المخرب بغض النظر عن سبب التخريب، والأهم من ذلك كله ملاحظة رد فعل الطفل على أساليبنا الجديدة بالتعامل معه.
 

المراجع والمصادر

[1] مقال Sagari Gongala "ثمانية مشاكل سلوكية شائعة عند الأطفال مع الحلول" منشور في momjunction.com، تمت مراجعته في 22/9/2019.
[2] مقال  Janet Lancbury"سلوك التدمير: لماذا يحدث وكيف يمكن التعامل معه" منشور في janetlansbury.com، تمت مراجعته في 22/9/2019.
[3] مقال Meghan Fitzgerald "لماذا تخريب الأشياء مفيد لأطفالك؟" منشور في tinkergarten.com، تمت مراجعته في 22/9/2019.
[4] مقال Ahendita "التعامل مع سلوك التخريب عند الأطفال" منشور في wisdomtimes.com، تمت مراجعته في 22/9/2019.