الخيال ميزة عقلية فريدة لدى البشر، يمكنهم من تكوين الصور، وافتراض الأمور، وتصور الأحداث، واسترجاع الذكريات والتلاعب بها وتغييرها بدون أي مساعدة من الخارج.
وفي هذا المقال نتعرف على مفهوم الخيال، وعلاقته بالعمليات العقلية الأخرى، والأنواع المختلفة للخيال، ونبحث عن إجابة للسؤال الذي يطرحه الكثيرون: هل تتخيل الحيوانات؟
 


ذات صلة


ما هو التخيل والخيال؟

الخيال هو القدرة على إنتاج ومحاكاة الأشياء والأفكار الجديدة في العقل دون أي تدخل مباشر للحواس، وهو تكوين تجارب في العقل، والتي يمكن أن تكون إعادة ابتكار تجارب سابقة مثل الذكريات مع تغييرات متخيلة، أو اختراع تجارب جديدة في العقل.
ويحدث التخيل في شبكة عصبية واسعة الانتشار في الدماغ اسمها "مساحة العمل الذهنية" - mental workspace والتي تتلاعب بوعي بالصور والرموز والأفكار والنظريات وتمنح الإنسان التركيز الذهني اللازم لحل المشكلات المعقدة والتوصل إلى أفكار جديدة[1].

ويصنف الخيال إلى أنواع عديدة، ويستخدم للدلالة على الكثير من الأنشطة العقلية، ولكنه بالنسبة لمعظم الناس يطلق على شيئين[2]:

الأول: يستخدم الخيال للإشارة إلى الإبداع بشكل عام، فإذا ما قيل بأن "فلان لديه خيال واسع"، أو "يمتلك مخيلة قوية" فهذا يعني أنه مبتكر وصاحب إبداع، على خلاف وصف أحدهم بأن "خياله فقير".

الثاني: يستخدم الناس كلمة "الخيال" للإشارة إلى التصور العقلي أيًّا كان نوعه، سواء كنت تتصور كيف كانت غرفتك وأنت صغير، أو تحاول تذكر كلمات أغنية، أو تتصور أمرًا مستقبليًا، أو مثلما يحدث للكثيرين من أحلام اليقظة.

تقول الخبيرة النفسية في موقع حلوها سراء الأنصاري ردًا على سيدة تكثر من الخيال وأحلام اليقظة: "أحلام اليقظة اإن كانت معتدلة لا بأس بها، وخصوصا إذا اسغللت الخيال في أمور تفيدك وتطورك وتدفعك للأمام، ولكن لا تكثري منها أو تنغمسي كثيرا فتصبح بديلا عن حياة الواقع، حددي لها أوقات معينة في اليوم، عيشي القصة الخيالية وتعلمي الدروس منها ولكن انتبهي لحياتك الخاصة أكثر وحققي هذه الطموحات واستفيدي من الأفكار التي تطرأ عليك حينها".
وتستخدم عملية التخيل مجموعة كاملة من العمليات المعرفية، مثل: التخطيط، والتفكير الافتراضي، والتصور، والتذكر، وفهم اللغة. 
 

ذات علاقة


أنواع الخيال

هناك العديد من أنواع الخيال والصور الذهنية التي ينتجها العقل، أهمها[3]:
1- الخيال  غير النشط:
حيث تأتي الصور من تلقاء نفسها إلى الذهن ويتم دمجها تلقائيا في المخ دون نشاط واعٍ من العقل.

2- الخيال النشط الفعال: على عكس النوع السابق، فإن العقل يقوم بدور نشط في هذا النوع، حيث يبذل جهدًا لتذكر واستخلاص التجارب والخبرات السابقة وجمعها في أنماط جديدة، فدمج الصور في هذا النوع من الخيال يتم بصورة واعية حيث يرفض العقل صورًا ويقبل أخرى.

3- الخيال التقديري: وفيه يبذل العقل جهدًا لتصور مشهد موصوف، وترتيب الخيال ومزجه بعد تلقي مثيرات خارجية، مثل قراءة القصص والروايات والمسرحيات والقصائد، أو دراسة التاريخ والجغرافيا، حيث يتلقى العقل وصفًا خارجيًا ويقوم بتخيله.

4- الخيال الإبداعي: في هذا النوع يبني العقل من داخله، وينتج صورًا جديدة ويرتبها في ترتيب جديد، مثل تصميم المهندس لمبنى، أو كتابة الروائي لقصة.

5- الخيال المعرفي: ويرتبط بالتفكير والمعرفة والتعلم، ومن أشهر أمثلته: قصة اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية بسقوط التفاحة، وهذا النوع غالبًا ما يرتبط إما بالخيال التقديري أو الإبداعي.

6- الخيال العملي: ويسمى أيضًا الخيال البراجماتي، حيث يتم التحكم فيه بظروف موضوعية لأجل تحقيق غايات معينة، فهذا النوع من الخيال يلتزم بأطر الواقع للتعامل الأمثل معه، مثل إعداد خطة، أو بناء آلة، أو التخطيط لنزهة أو رحلة، أو خطة تعليمية، لتلبية احتياجاتنا العملية الحياتية.

7- الخيال الجمالي: وعلى عكس الأنواع السابقة فإن هذا النوع لا يلبي أي حاجة عملية، ولا يضيف إلى المعرفة، وإنما يشبع الحاجة إلى الجمال، ويشارك في إنتاج وتقدير الجماليات، عندما يرسم الرسام صورة، أو يؤلف الموسيقي مقطوعة، أو يكتب الشاعر قصيدة فإنهم  يستخدمون الخيال الجمالي.

8- الخيال التصويري: وهنا يستنسخ الخيال لتجارب السابقة، ويوسع نطاقها ويشكلها في نمط جديد.

وهناك أنواع مختلفة من صور الخيال، فلدى العقل تصورًا لجميع الأحاسيس، ومنها التصور المرئي كأن تتخيل الزهور أو الحدائق، أو التصور السمعي بتذكر الأصوات وتداخلها، أو التصور الحسي كمن يتخيل البحر وبرودة الماء، وأقل منه شيوعًا الصور الشمية والتذوقية.
 

هل تمتلك الحيوانات قوة الخيال؟

على الرغم مما يلاحظه الباحثون من مهارات صنع أدوات معقدة وحل المشكلات لدى دراسة القرود وغيرها من الحيوانات الذكية مثل الغربان والشمبانزي وغيرها، إلا أن قوة الخيال والقدرة على التخيل تظل ميزة فريدة للبشر.
نعم توصلت العديد من الدراسات إلى المهارات الذهنية الغنية للحيوانات[4]، وتذهب بعض الدراسات إلى أن للحيوانات قدرة على التخيل الإبداعي، على سبيل المثال الكلاب لديها غريزة متأصلة للحفر بأقدامهم، وإخفاء أشيائهم في ثقوب يحفرونها، وحتى الكلاب الأليفة في المنازل تقوم أحيانا بالحفر وتخبئة لعبة مثلا، مما جعل بعض الباحثين يفترضون أن الكلب ينظر إلى هذه الحفرة كمكان في البرية، مما يشير إلى قدرة الكلب على التخيل، ويستبعد آخرون مثل هذا الاستنتاج ويقفون عند احتمالية أن دماغ الكلب قد يكوّن بعض الصور المرئية تجعل حواسه تتفاعل بطريقة معينة.

وفي دراسة حديثة نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، فيما يتعلق بالقدرة الخيالية لدى الحيوانات، قالت إنه بالإضافة إلى القدرة على افتراض الأمور، فإن الحيوانات يمكنها التظاهر أيضًا، حيث قامت القرود بالتظاهر بإخفاء أشياء غير مرئية وإزالتها، وتفاعلت القردة فيما بينها في هذا الأمر مما يظهر أن الحيوانات تمتلك نوعًا من التعقيد العقلي المطلوب للافتراض.
وهناك شكل آخر من أشكال الخيال أثبتت الدراسات أن معظم الحيوانات تمتلكه وهو الأحلام، ودرس الباحثون نشاط المخ لدى الفئران، حيث كانت القوارض تحاول تعلم التنقل عبر متاهات معقدة وهي مستيقظة، ولكن الباحثين عندما درسوا نشاط دماغ نفس الفئران أثناء نومها لاحظوا نشاطًا يماثل نشاط أدمغتهم في اليقظة، ما يعني ان العقل الحيواني نشط أثناء النوم، وأنه يمكن لأدمغتهم تكوين صورًا مرئية في شكل أحلام.

ويظل أقصى ما تشير إليه هذه الدراسات هو قدرة محدودة على بعض مظاهر التخيل لدى الحيوانات، وتبقى الأفعال التي استند عليها الباحثون غير واضحة الدلالة على القدرات التخيلية فقد تكون ببساطة ناتجة عن الغرائز الأساسية.
ويؤكد على هذا جوزيب كول من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في ألمانيا قائلا: إنه لا يوجد أي دليل على أن الحيوانات يمكنها تخيل سيناريوهين مختلفين للمشكلة والاختيار بينهما، ويرجح أن ما تظهره بعض الحيوانات من حل للمشكلات بدون تجربة وخطأ لا ينتج عن التخيل وإنما عن دمج للمعلومات[5].

وفي كتابه "الفجوة: علم ما يميزنا عن غيرنا من الحيوانات" [6] يقول توماس سادندورف إنه من بين المجالات التي اعتقد الناس طويلا أنها تميزهم عن الحيوانات مثل: الكلام والكتابة والزراعة واستخدام النار والأدوات، فإنه يعتقد أن هناك ميزتين رئيسيتين تميزان البشر عن الحيوانات، وهما:
- القدرة غير المحدودة على التخيل والتأمل في مواقف مختلفة.
- الدافع القوي للربط بين الأمور وبناء السيناريوهات العقلية.

ويوضح المزيد عن قدرة التخيل لدى الإنسان بقوله: البشر هم مخلوقات متعطشة لبناء السيناريوهات والفرضيات، يمكننا سرد القصص، وتصور المواقف المستقبلية، وتخيل تجارب الآخرين، والتأمل في التفسيرات المحتملة، والتخطيط للقيام بالأشياء، والتأمل في المعضلات الأخلاقية. وهذه الدافعية والقدرة على بناء السيناريوهات المتداخلة لا تشير إلى قدرة واحدة ولكن إلى العديد من المهارات المعقدة التي تسمح لنا بالمحاكاة والتأمل.

ويقر سادندورف بأن القدرة الأساسية على المحاكاة موجودة في الحيوانات الأخرى، كما أن لديها أساسا عصبيا للتعلم، وأظهرت القردة العليا العديد من القدرات الأخرى مثل تعلم تفسير الرموز البشرية، وحل بعض المشكلات،  وبعض التقاليد، ومظاهر العزاء، والتعرف على أنفسهم في المرايا، والتظاهر أثناء اللعب والخداع، وفي سياقات معينة تكون قدراتهم مماثلة لقدرات الأطفال من عمر 18 إلى 24 شهرًا، ولكن القدرات العقلية للبشر تزداد بشكل هائل بعد سن الثانية، وبخاصة قدرتهم على التخيل، بينما لا تزداد القدرات العقلية للقردة العليا، فالأطفال يقضون وقتًا طويلا في اللعب الخيالي، واستحضار سيناريوهات وتكرارها مع الألعاب والدمى، وفي هذا النوع من الألعاب يطوّر الأطفال مهارات اختبار الفرضيات، والنظر في الاحتمالات، وتخيل السيناريوهات ونتائجها.

وختامًا، فإن التخيل من مهارات العقل المعقدة التي اختص الإنسان بها، وحملته إلى العلم والمعرفة والفنون والاختراع، ولولا الخيال لاختفى الكائن البشري منذ القدم، ولدهسته الطبيعة والكائنات الأخرى الأقوى منه، ولكن سحر الخيال هو الذي حمله عبر الزمن.
 

المراجع والمصادر

[1] مقال "أين يقع الخيال في العقل البشري؟" منشور في kurzweilai.net، تمت مراجعته في 25/10/2019.
[2] مقال Jim Davies "ما هو الخيال؟ الإبداع أم الصور الذهنية؟" منشور في psychologytoday.com، تمت مراجعته في 25/10/2019.
[3] مقال Garima panch "الخيال: المعنى، الطبيعة، والأنواع" منشور في موقع psychologydiscussion.net، تمت مراجعته في 25/10/2019.
[4] مقال Sucheta Pradhan "هل لدى الحيوانات خيال؟ إليك ما تقوله الأبحاث"، منشور في animalsake.com، تمت مراجعته في 25/10/2019.
[5] مقال  "الخيال: أعظم مهاراتنا" منشور في موقع newscientist.com، تمت مراجعته في 25/20/2019. 
[6] كتاب "THOMAS SUDDENDORF "The Gap: The Science of What Separates Us From Other Animals" رابط الكتاب على موقع أمازون، تمت مراجعته في 25/10/2019.