يلاحظ لدى بعض الأشخاص منذ ولادتهم وجود دافع للتملك والسيطرة لديهم، وذلك من خلال الرغبة الملحة لديهم باقتناء الأشياء والحفاظ عليها أو الميل نحو بناء مجموعات من الأغراض الشخصية والتحفظ عليها تجاه الآخرين والاحتفاظ بها حتى لو لم تكن لديهم حاجة بها، مثل مجموعات الألعاب أو الكتب والملابس، ربما يبدو الأمر طبيعياً في بدايته ولا يستدعي القلق، ولكن عند تطور الأمر وتحوله من دافع ورغبة إلى هوس قد يصل لمرحلة الرغبة بامتلاك الأشخاص كالوالدين أو الأصدقاء وتصبح رغبة امتلاك الأشياء غاية بذاتها بعد أن كانت وسيلة لتحقيق غايات أخرى وعادة لا يمكن التخلص منها، فهنا يجب التوقف لفهم أسباب هذا الدافع وما يمكن أن يفضي إليه من آثار ونتائج، والطريقة الأمثل للتعامل مع هذه المشكلة وعلاجها.


ذات صلة


معنى هوس التملك والسيطرة

يمكن شرح هذا المفهوم على أنه شعور داخلي غير إرادي لدى الإنسان بالرغبة الملحة برؤية أشياء معينة أو كل الأشياء في الوجود كملكية خاصة للشخص وحده ولا يشاركه بها أحد، ولديه السيطرة التامة عليها والقدرة الكلية على التحكم بها.
وحب التملك هذا يمكن في حالات معينة أن يتحول من حيث موضوعه من تملك الأشياء والسيطرة عليها إلى تملك الأشخاص كما يحدث عند الطفل الذي يشعر أن والديه ملكه ويغضب عندما يقترب منهما طفل آخر حتى لو كان أخاه.
 

ذات علاقة


أعراض هوس الامتلاك عند الطفل

أعراض وآثار هوس التملك والسيطرة عند الطفل
عند خروج دافع حب التملك والسيطرة عند الفرد عن حدود الطبيعي والمألوف سرعان ما تتضح آثاره وأعراضه على شخصية الطفل وما قد ينجم عنها من مخاطر وآثار سلبية، حيث يمكن لهذا الهوس إذا ما تطور فيه الأمر أن يصبح الموجه الأساسي لمعظم تصرفات صاحبه والمتحكم الوحيد بسلوكه وأفعاله وهنا تبدو علامات هذه المشكلة واضحة من خلال بعض السلوكيات؛ مثلاً:

- الغيرة: تعد مشاعر الغيرة من الآخرين من أبرز مظاهر وجود هوس التملك عند الأطفال، حيث تصل حدود غيرته هذه إلى درجة لا يمكنه فيها رؤية من يملك شيء ليس لديه، ويريد الحصول على كل شيء له وحده.

- الحسد: فالطفل الذي لديه هوس التملك تجده يحسد الآخرين على ما لديهم من أشياء حتى لو لم تكن له حاجة بها، فيحسد أقرانه على ألعابهم أو ملابسهم أو الإطراء الذي يوجه لهم من الآخرين، فهو يريد كل شيء ملكه وحده ولا يتقاسمه مع أحد.

- الفضول والحشرية: حيث أن دافع التملك والسيطرة يدفع صاحبه لمحاولة معرفة كل شيء عن الآخرين بجميع الوسائل سواء التدخل في شؤونهم أو مراقبتهم والتجسس والتنصت عليهم، وذلك ينتج عن الحسد والرغبة في معرفة ما يملكونه وكيف حصلوا عليه بغية تقليدهم أو الحصول على ما يملكون حتى لو كان ذلك عن طريق سرقته منهم.

- سرعة الغضب عند اقتراب أحد من الخصوصيات: مثال عند اقتراب أحد أشقائه من ألعابه أو أغراضه الشخصية فسوف تجده في هذه الحالة سرعان ما يدخل في نوبة غضب شديدة قد تصل إلى الصراخ والبكاء أو حتى الاعتداء على من يقترب من أشيائه فهي ملكه وحده.

- فقدان الثقة بالنفس والآخرين: في هذه الحالة يشعر الطفل أن جميع من حوله يريدون الحصول على أشيائه ومشاركته ملكياته ولذلك قد يفقد الثقة بنفسه وبالآخرين ولا يتمكن من تنمية علاقات جيدة معهم.

- البخل: من نفس منطلق الحفاظ على أشيائه نلاحظ أن الطفل الذي لديه دافع التملك لا يتنازل عن أي شيء من أملاكه لغيره ولا يسمح لأحد بالاقتراب من أشيائه ولا يتشارك مع أحد فيما لديه إلى حد وصفه بالبخل فهو يريد مشاركة الآخرين أشيائهم ولا يريد من أحد الاقتراب من أشيائه.

- عدم احترام خصوصيات الآخرين: فالطفل في هذه الحالة يرى له الحق في كل شيء وقد يعتدي على خصوصيات الآخرين وأملاكهم وربما يحاول أخذها منهم فهو يجد في نفسه الأحق في الحصول على كل شيء.

- تعلم السرقة: حتى يتمكن الطفل من تلبية دافعه في الحصول على كل ما يريده قد يتعلم السرقة سواء سرقة والديه لجلب الأشياء التي يرغب باقتنائها أو سرقة الأشياء التي تعجبه لدى الآخرين سواء من زملائه أو من المنازل التي يدخلها مع ذويه.

- تعلم الانتهازية: بهدف الوصل إلى غاياته والحصول على ما يريد قد يتعلم هذا الطفل الانتهازية فقد يستغل مشاعر الآخرين أو ضعفهم لاستغلاهم وأخذ ما يريد منهم.
 

دوافع هوس التملك عند الطفل

عوامل وأسباب تكوَن هوس التملك والسيطرة لدى الأطفال
بالحديث عن أسباب وعوامل تشكيل دافع حب السيطرة والتملك لدى الإنسان عموماً والطفل على وجه الخصوص فسوف نلاحظ اختلاف من حيث طبيعية هذه العوامل تبعاً لطبيعة وموضوع دافع التملك الذي نتحدث عنه، فهناك ما هو ذو منشأ مرضي عقلي أو نفسي، ويوجد ما ينشأ عن حدث أو حالة اجتماعية معينة لدى الطفل، أو ربما تتشابك هذه الدوافع لتشكيل دافع جديد وبالتالي نوع جديد من دوافع التملك.

ومن الأسباب التي تعتبر أكثر شيوعاً لتكوين هذا الدافع:
- الغيرة:
فعندما يلاحظ الطفل أن أحد أقرانه يملك ألعاباً أو ملابس أكثر منه فهذا سوف يولد لديه شعوراً بالغيرة ورغبة في الحصول على هذه الأشياء أو مثلها حتى لا يرى أحد أفضل منه.

- الحرمان: بعض الأطفال ولأسباب عديدة يعيشون في حالات حرمان مادية أو عاطفية بسبب الفقر أو فقدان أحد الوالدين أو التفكك الأسري، وهذا الحرمان يشكل لديه دافعاً للتملك لتعويض مشاعر الحرمان لديه.

- الشعور بالنقص: يأتي دافع التملك لدى بعض الأطفال من مشاعرهم بالنقص وأنهم أقل من الآخرين ومن أقرانهم، وهم يريدون امتلاك الأشياء لتعويض هذا النقص لديهم.

- ضعف الشخصية: يرى بعض الأطفال الذين يتصفون بضعف الشخصية بسبب وضعهم في المنزل أو المدرسة أو بين الأقران أن امتلاكهم لما ليس عند غيرهم سوف يجعلهم في مكانة أفضل وينظر إليهم الآخرين باحترام ومن هنا تنبت بذور دافع التملك لديهم.

- وجود أمراض عقلية أو نفسية: في بعض الأحيان يكون سبب وجود هوس التملك والسيطرة عند الأطفال بحالاته المتقدمة هو وجود مشكلة أو اضطراب عقلي أو نفسي لديه مثل حالات جنون العظمة.

- الطموح الزائد: قد يصل الطموح عند بعض الأطفال إلى حد الطمع، وقد يجد الطفل الذي لديه هذا الطموح أن تلبية رغباته تحتاج قدراً من الإمكانات أكبر بكثير مما يملك فعلاً، وفي سبيل تأمين هذه الإمكانات المطلوبة ينمو لدى الطفل دافع الحصول على المزيد من الأشياء ومن ثم دافع التملك، حتى يبدو التملك غاية بحد ذاته.

- التقليد والاقتداء: فبعض الأطفال يرغبون بتقليد شخصياتهم المفضلة سواء الواقعية منها أو الخيالية إلى حد امتلاك ما تمتلكه هذه الشخصيات مثل السيارة أو الهاتف المحمول والعديد من الأشياء الأخرى.

- إثبات الذات: قد يرى الطفل الذي لديه دافع التملك والسيطرة أن امتلاكه لأشياء أكثر سوف يضعه بمركز أفضل بين الآخرين سواء في أسرته أو بين أقرانه وهو يحاول اقتناء الكثير من الأشياء للوصول لهذه الغاية.
 

علاج هوس التملك والسيطرة عند الأطفال

خطوات هامة لوقاية الطفل من تحول دافعه للتملك من رغبة إلى هوس ومرض
على غرار مختلف الاضطرابات والمشكلات النفسية يأتي علاج هوس التملك والسيطرة عند الأطفال من خلال اتباع خطة منهجية معينة تقوم على مجموعة من الخطوات الوقائية ضمن عدة مراحل متتابعة تبدأ من الحد من أثر المشكلة ثم استبعاد أسبابها وعوامل تشكلها وصولاً للتخفيف من مظاهرها وأعراضها.

ويمكن ذكر بعض الخطوات التي تساعد في الوصول لهذا الهدف كما يلي:
- علاج أسباب المشكلة:
فالخطوة الأولى دائماً لعلاج أي مشكلة هي البحث في أسبابها ومحاولة إزالة هذه الأسباب أو التقليل من أثرها، فالغيرة والكبت والحرمان تعد من الأسباب الرئيسة لتكوّن دافع التملك لدى الطفل وعلاج هذه المشكلات يعد بحد ذاته علاجاً أو وقاية غير مباشرة من نمو هوس التملك لدى الطفل.

- زيادة ثقة الطفل بنفسه: فعندما يثق الطفل بنفسه يتمكن من تحديد حاجاته وغاياته بشكل أفضل وهنا يصبح لديه دافع للوصول إلى غاياته والحصول على ما يحتاج له بدلاً من هوس التملك لأشياء قد لا يكون منها منفعة أو فائدة له.

- تعليم الطفل قيم العطاء والمشاركة والكرم: ويتم ذلك من خلال تعليمه أن يشارك أقرانه مثلاً بألعابه كي يشاركوه بدورهم بألعابهم، وهكذا تنمو لديه فكرة التعاون بما لديه ولدى الآخرين للحصول على نتيجة أكثر فائدة له ولغيره.

- تعليم الطفل مبادئ القناعة واحترام ملكيات الآخرين: حيث يجب أن يتعلم الطفل ويعرف أن ليس كل ما في الوجود متاح له وهو ملكه وحده فكما هو لديه ما يملكه ويخصه للآخرين أيضاً ما يملكونه ويخصهم وكما يرغب باحترام الآخرين لخصوصياته يجب عليه أن يحترم خصوصياتهم.

- إشباع رغبات الطفل قدر المستطاع: فالأطفال بطبيعتهم لا يدركون معنى الصبر على الظروف والواقع، وهم لديهم حاجات أساسية يعد الحرمان منها خطر على شخصياتهم وعلى الطرق التي يمكن أن يسلكوها للحصول على هذه الحاجات، لذا يجب العمل على إشباع هذه الحاجات قدر المستطاع.

- تعليم الطفل أن ليس كل ما يريده متاح ويمكنه الحصول عليه دون تعب: الحياة تحتاج للعمل والكفاح وليس كل شيء يأتي بسهولة ودون عناء ويجب أن يتعلم الطفل هذه القيم ليعرف قيمة الأشياء التي يملكها وصعوبة الحصول عليها حتى لا يعتاد الحصول على كل ما يريد فوراً ويفقد صبره بسرعة في حالات الظروف الصعبة.

- توجيه دافعه هذا نحو النجاح والتفوق بدلاً من الانحراف: حيث يمكن تحويل دافع التملك لدى الطفل لغايات جيدة ومفيدة مثل الحفاظ على أغراضه والسعي للنجاح والتفوق للحصول على المكافئات واحترام وتقدير الآخرين، أو محاولة تعلم أشياء جيدة يملكها وحده مثل المواهب والمهارات المتنوعة.

هوس حب التملك والسيطرة ليس حكراً على الكبار فقط ولا يمكن النظر إليه باعتباره مرضاً على غرار باقي الأمراض العضوية الشائعة، أو عارض صحي طبيعي يصيب الإنسان بصورة مباشرة ثم يعالج بأساليب معروفة كالأدوية وغيرها ثم تختفي أعراضه بطريقة تدريجية ومباشرة؛ وإنما هوس التملك هذا هو مشكلة متشابكة ومتراكمة من حيث الأسباب والعوامل والمؤثرات، متعددة ومختلفة من حيث الآثار والأعراض، ولهذا يحتاج علاجه إلى عملية منهجية وقائية تسير قدماً مع العملية التربوية في حياة الطفل اليومية، وهذا ما حاولنا توضيحه في هذه الدراسة حول هوس التملك والسيطرة عند الأطفال بين المفهوم والأسباب والمظاهر وخطوات الوقاية والعلاج.