كثيراً ما نجد في هذه الأيام دراسات مستفيضة وبحوث متنوعة حول حالات الاضطرابات النفسية وخاصة عند الأطفال بكافة أشكالها وأنواعها ودرجات شدتها من حيث الآثار والنتائج، وفي كل من هذه الدراسات كانت الغاية بالطبع البحث عن السبل التي تؤدي إلى العودة بالطفل للحالات النفسية المتوازنة، أو الاقتراب إلى التوازن من حيث أنماط التفكير والسلوك.
ولأن التوازن النفسي هو أحد المعايير الصحية لأنماط التفكير والسلوك، نتوقف في هذه المقالة لنحاول التعرف على مفهوم التوازن النفسي عند الأطفال وعلى مدى أهميته بالنسبة لاستقرار حياة الطفل وتجنبه الاضطرابات والأمراض النفسية وتبعاتها.
 


ذات صلة


مفهوم التوازن النفسي وضرورته

التوازن النفسي يعني أن يتصف الشخص بالسوية النفسية والقدرة على التأقلم مع المواقف المختلفة والتكيف الاجتماعي والقدرة على بناء علاقات جيدة مع المحيط والأقران والتصالح مع الذات، هذا بالإضافة لعدم المعانة من أي عقد ومشاكل نفسية واضطرابات سلوكية، وأن يكون الطفل متوازن نفسياً ضروري حتى تنمو لديه القدرة على التعلم والتطور واتصاف سلوكه وطباعه بالتوازن والقبول.
 

ذات علاقة


أسباب إصابة الطفل بالأمراض النفسية

تتنوع العوامل المؤدية لإصابة الطفل بأحد الأمراض أو الاضطرابات النفسية بحسب نوع هذا الاضطراب أو المرض، فلكل من هذه الاضطرابات سببها الخاص الذي قد ينتج عن عوامل فطرية وطبيعية وخصائص بيولوجية تولد مع الطفل، أو قد تكون في أحيان أخرى بسبب عوامل اجتماعية وبيئية مكتسبة.
وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الأسباب التي تؤدي لإصابة الطفل بمرض نفسي إلى:

أسباب طبيعية وراثية للمرض النفسي
التأخر الذهني والمشاكل الإدراكية:
إصابة الطفل بإحدى المشاكل الذهنية له تأثير واضح ومباشر على حالته وسويته النفسية، حيث أن مثل هذه الاضرابات لها تأثير على الإدراك والوعي العام عند الطفل أو القدرة على فهم بعض الأمور كما لها تأثير على استجاباته السلوكية في المواقف المختلفة ومن هنا كان للإعاقة الذهنية سبب أساسي في المرض النفسي عند الأطفال.

أسباب بيولوجية: حيث أن لبعض العوامل البيولوجية الخاصة بحالة كل طفل تأثيراً معين على حالته وتوازنه النفسي، فمثلاً نتيجة لخلل في إفرازات بعض الغدد في الجسم سوف يلحق به خلل منعكس في الاستجابات النفسية والسلوكية بالنسبة لهذا الطفل.

إصابة أحد الوالدين بمرض نفسي: فوجود اضطراب نفسي لدى أحد الوالدين قد ينتقل إلى أبنائهم، فمن جهة سوف يكون التأثير ناتج عن النهج التربوي المتبع من قبل الوالد المريض نفسياً، ومن جهة أخرى قد يكون التأثير ناتج عن الاستجابات التي سوف يتعلمها الطفل من والديه.

أسباب خلقية وتشوهات ولادية: خلال مرحلة الحمل أو أثناء عملية الولادة قد تحدث ظروف خاصة تؤدي لإحداث أمراض أو اضطرابات نفسية، فإذا جاءت هذه التشوهات على شكل إعاقة جسدية أو حسية سوف تؤثر على قدرات الطفل وبالتالي على نظرته لنفسه واستجاباته السلوكية والنفسية.

الأمراض العقلية: المرض العقلي الذي يصيب الطفل أي كان نوعه أو شكله، سوف ينعكس بطبيعة الحال على توازنه النفسي، فالمرض العقلي قد يصيب الإدراك أو الذاكرة أو حتى الوعي بالمحيط، وهذه الأشياء تعد من الشروط الأساسية للتوافق النفسي عند الطفل وأي خلل فيها سوف ينعكس سلباً على حالته وصحته النفسية.

الحالة الصحية للطفل: فضلاً عن الاضطرابات الإدراكية أو العقلية والذهنية التي تنعكس سلباً على نفسية الطفل؛ قد تؤثر بعض الأمراض والمشاكل الصحية المكتسبة أو الولادية على السوية النفسية للأطفال، كوجود خلل هيكلي في جسد الطفل أو معاناته من مرض مزمن يتطلب منه اتباع حميات معينة أو أخذ أدوية مدى الحياة، بل أن بعض الأطفال يصابون باضطرابات نفسية نتيجة ارتدائهم النظارة أو تركيب تقويم الأسنان وما يتبعه من تنمر المحيط.

أسباب بيئية واجتماعية مكتسبة للمرض النفسي
الغيرة والمرض النفسي:
إذا زادت مشاعر الغيرة عند الطفل وخرجت عن حدود الطبيعي والمألوف، فإنها قد تؤدي لاضطرابات معينة في توازنه النفسي والسلوكي، مثل مشاعر النقص أو الحقد والكراهية.

المواقف الصعبة والصدمات النفسية: خلال حياة الطفل قد يتعرض لصدمات نفسية عنيفة مثل وفاة أحد الأعزاء وخاصة الوالدين أو الأخوة أو الأصدقاء المقربين أو مواقف صعبة مثل رؤية حادث مريع أو المرور بمرض خطير وصعب، وحدوث مثل هذه الأمور في حياة الطفل لها أثر بالغ على حالته النفسية.

المخاوف والهواجس التي يقابلها الطفل خلال حياته: القصص والحكايات التي يسمع عنها ومشاعره تجاهها، استخدام أسلوب التخويف والترهيب في تربيته من قبل الأهل، الخوف من الامتحان والحيوانات والكثير من المخاوف التي تؤثر على نفسيته واستجاباته السلوكية.

الضغوطات المنزلية والعائلية: مثل الأسلوب التربوي المتبع والذي قد يقوم على التدليل والمسايرة أو العنف والكبت، فلكل من هذه الأساليب انعكاسه على الوضع النفسي للطفل.

الفشل والاكتئاب: سواء الفشل في الدراسة أو تحقيق بعض الأهداف والغايات أو القيام بأعمال معينة سوف يؤدي لإحباط الطفل وتشكيل بعض المشاعر السلبية لديه وبالتالي ما لهذا من آثار على توازنه النفسي.
 

مظاهر وأعراض المرض النفسي عند الأطفال

من أهم خطوات علاج المشاكل النفسية عند الأطفال أن نجد الوسيلة التي من خلالها يمكن أن نعرف ونلاحظ أعراض أي من أنواع الاضطرابات السلوكية والأمراض النفسية وبشكل مبكر، فما هي هذه الأعراض وما هي الأشياء التي يمكن عند ملاحظتها الكشف عن وجود خلل ما أو مشكلة في استجابات الطفل السلوكية والنفسية؟:

نوبات الغضب والانفعال على أشياء غير مفهومة: وهذه من أكثر الاستجابات السلوكية المرافقة للاضطراب النفسي عند الأطفال حيث تجدهم سريعو الغضب تجاه مواقف أو أسباب غير مناسبة لشدة غضبهم.

تصرفات لا تشبه سلوك الأطفال: فالطفل غالباً ما يرغب باللعب والتسلية، أما أن نجد له ميول عدوانية أو الابتعاد عن الأطفال الآخرين والرغبة بالانعزال، والاهتمام بأمور غريبة فهذا غالباً ما ينتج عن مشكلة نفسية.

ملامح معينة: مثل النظرات الغريبة والتركيز ببعض الأشياء إلى حد الانفصال عن المحيط والواقع، تكرار أنماط سلوكية غير مفهومة وترديد بعض الهلاوس والكلمات، لكن لا بد أن يتمتع الأهل بالمعرفة اللازمة للتمييز بين ما يعتبر مرحلة من مراحل النمو وبين ما يعتبر عرضاً لمشكلة نفسية، ولا غنى عن الاستشارة النفسية.

استجابات وردود أفعال غير متوازنة: مثل اللامبالاة بالأشياء الضرورية أو التي تهم الأطفال، وسرعة الغضب وشدته تجاه أشياء لا تستحق، الرغبة بالانعزال والبقاء وحيداً عدم القدرة على إقامة علاقات طيبة مع الآخرين.
 

أنواع الأمراض النفسية للأطفال 

نواحي ومكامن النفس البشرية متعددة ومتنوعة، فمنها ما يتعلق بعواطفه ومنها متعلق بأفكاره وطموحاته، بالإضافة إلى أحلامه ومشاعره، ولكل من هذه النواحي خصوصية معينة لدى كل طفل على حدة بحسب ظروفه الطبيعية والاجتماعية الخاصة، وقد يصيب الاضطراب النفسي أي من هذه النواحي ويؤدي لخلل معين في وظائفها، ومن هنا تنوعت الأمراض والاضطرابات النفسية تبعاً للحالة والناحية التي يصيبها الخلل، وأبرزها:

الشعور بالنقص والدونية: حيث يكون لدى الطفل ضعف من حيث ثقته بنفسه ونظرته إلى ذاته، وهذا يؤدي إلى اضطرب وضعف في شخصيته.

الاكتئاب: وهو من الاضطرابات كثيرة الانتشار بين الأطفال والكبار نتيجة الفشل في تحقيق بعض الأهداف أو ضعف الإمكانات وكثرة العقبات.

النشاط الحركي: سواء من حيث الزيادة أو النقصان عندما يخرج النشاط الحركي عن الطبيعي مثل البلادة أو فرط الحركة فغالباً ما يقف وراء هذا مشكلة أو عارض نفسي.

اضطراب طيف التوحد: ومجموعة الاضطرابات النمائية العصبية المشابهة له أو التي تتفرع عنه.

اضطرابات القلق: مثل اضطرابات النوم أو عدم القدرة على التركيز وأداء الواجبات المدرسية.

اضطرابات التواصل: عدم  القدرة على التكيف مع المحيط وبناء علاقات مع الآخرين.

اضطرابات الطعام: وهي من المشكلات التي تعاني منها الكثير من الأسر مع أطفالها مثل حالات فقدان الشهية أو الشهية الزائدة.

اضطرابات ما بعد الصدمة: مثل الانطواء أو العزلة أو فقدان أحد الملكات أو المهارات نتيجة صدمة نفسية كبيرة مثل فقدان أحد الأعزاء.

اضطرابات الشخصية: الانفصام، الشخصية القهرية، الشخصية الحدية الشخصية المرتابة الشخصية المعارضة للمجتمع.

جنون العظمة أو جنون الارتياب: عادة ما يتمثل جنون الارتياب أو المعروف بجنون العظمة بشعور المريض بوجود مؤامرات تحاك ضده، ويتميز جنون العظمة بفقدان شبه كامل للثقة بالآخرين.

اضطراب الشخصية النرجسية: يحدث هذا عندما يقدر الطفل ذاته أكثر من ما تستحق فتلاحظ الأنانية في سلوكه وعدم احترامه للآخرين وحقوقهم أو حاجاتهم ومطالبهم وتمرداً على كل سلطة فوقه فكل ما هو موجود يجب أن يسخر لغاياته كونه يرى نفسه أفضل من الجميع.

الأمراض الذهانية والعصابية: فالكثير من الأمراض التي تصيب الجهاز العصبي تؤدي لنتائج سلبية على التوازن النفسي عند الطفل، بالإضافة للأمراض الذهانية مثل فقدان الذاكرة أو ضعفها وبعض أنواع الهستيريا أو الوساوس أو المخاوف والرهاب واضطرابات الشخصية.

الفوبيات والرهاب المرضي: مثل الخوف من المرتفعات أو الظلام أو الأماكن المغلقة أو المفتوحة أو الخوف من الحشرات أو التواجد وحيداً وأنواع الشك والريبة، ومثل هذه الأشياء تستمر مع الطفل حتى بعد أن يكبر.

السلوكيات العدوانية: مثل سرعة الغضب والاعتداء على الآخرين والرغبة في إخضاع من حوله لرغباته.

الوساوس القهرية: وهي متعددة في أشكالها كقضم الأظافر أو نتف الشعر أو الرغبة في رؤية الأشياء بشكل معين باستمرار أو النظافة الزائدة والتفكير الزائد بأمور غريبة.

العقد النفسية: مثل عقدة أوديب أو عقدة اليكترا المشهورتين والعديد من الأنواع الأخرى التي تحتاج لبحث منفرد كمشاعر النقص نتيجة التجاهل وعدم الاكتراث من قبل الوالدين.

الاضطرابات العقلية: فهذا النوع من الأمراض من الطبيعي أن يتبعه مشاكل واضطرابات وعدم توازن نفسي.

الاضطرابات الجنسية: مثل اضطراب الهوية الجنسية والشذوذ الجنسي أو وجود عقدة جنسية أو ميول جنسي غير سوي مثل السادية والمازوخية أو البودوفيليا أو غيرها من الاضطرابات الجنسية، علماً أن هذا النوع من الاضطرابات ما يزال مجهول الأسباب إلى حد بعيد.
 

الدعم النفسي للأطفال

خطوات الدعم النفسي والتغلب على الاضطرابات والمشاكل النفسية عند الأطفال
من غير الممكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام إصابة طفلنا بمرض أو اضطراب سلوكي أو نفسي، فعندما تهمل مثل هذه الأشياء سوف تتطور وتستفحل وتصبح أكثر تعقيداً إلى مرحلة قد تسيطر فيها على شخصية ونفسية الطفل بشكل كامل وتوجه سلوكه.
بالتالي يجب معرفة كيف يمكن مواجهة هذا الأمر والتغلب عليه، ولتحقيق هذا يوجد مجموعة من الخطوات العامة والضرورية التي تساهم في التقليل من آثار معاناة الطفل من المشاكل النفسية ومنها:

العمل على زيادة ثقة الطفل بنفسه واحترامه لذاته: حيث أن ضعف ثقة الطفل بنفسه ووجود مشاعر النقص والدونية لديه، سوف يجعله ضعيفاً أمام أي موقف أو اضطراب.

التخفيف من المخاوف والهواجس: بما أن مخاوف الأطفال تعتبر من الأسباب الأساسية لعدم توافقهم النفسي فإن العمل على التخفيف من هذه المواقف والتقليل من آثارها يعد من الخطوات العلاجية الهامة التي تبعد الطفل عن الإصابة بمرض نفسي أو عارض سلوكي.

عدم المبالغة في تقييد الطفل وضبط سلوكه: فإعطاء الطفل قدراً من الحرية في سلوكه وتصرفاته ضروري لكي يتعلم من أخطائه ويجرب تنفيذ أفكاره دون كبت أو تقييد وبهذه الحالة سوف يتعلم الطفل من نفسه وسوف يطور مهاراته ويقدر التصرف الصحيح ويميزه عن الخطأ.

استشارة المختصين في الحالات المستعصية: في الأمراض الخطيرة أو المستعصية وخاصة التي تكون ذات منشأ عصبي فلا يمكن الاعتماد على الخطوات الوقائية أو العادية في العلاج، بهذه الحالة يجب عرض الطفل على المختصين لتقدير وضعه بشكل أفضل وبالتالي علاجه بطريقة منهجية، كما أن الاستشارة النفسية الدورية تعتبر حلاً وقائياً ممتازاً.

تنمية قدرات ومواهب الطفل إن وجدت: حيث أن وجود مثل هذه المواهب وتطويرها يزيد ثقة الطفل بنفسه واحترامه لذاته.

معاملة الطفل بشكل طبيعي وعدم إشعاره بمرضه: وهي من الخطوات العلاجية الهامة حتى لا ينغلق الطفل على ذاته وتتطور حالته ويصبح علاجه أكثر صعوبة وتعقيد.

التوازن النفسي والعقلي بالنسبة للإنسان هو أساس التكيف الاجتماعي والاندماج مع المحيط والقدرة على التعلم والتطور، وعند الحديث عن الطفولة فهي المرحلة الأهم التي يمكن خلالها التغلب على الاضطراب النفسي أو القضاء عليه إذا ما أحسن التصرف من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن تؤدي إلى تطور الاضطراب وتعقده حتى يتحول إلى مرض مستعصي، ولذلك كان من الضروري فهم الأمراض النفسية التي تصيب الطفل من حيث أنواعها وأشكالها وأسبابها للعمل على التغلب عليها وتجاوزها في مرحلة مبكرة قبل استفحالها وتطورها.