على الرغم من أهمية العوامل الوراثية والكيميائية والمرحلة الجنينية والولادة في تعزيز فرص الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية والعقلية أو تحييدها، إلّا أن للعوامل البيئة والتربوية دورها المهم أيضاً، هذا ما يفسر اختلاف طبيعة ونوعية المشاكل النفسية التي تنتشر في عصر من العصور.
فما هي الأمراض والاضطرابات العقلية والنفسية التي تعتبر شائعة ومنتشرة في وقتنا الحالي، وما أعراض هذه الأمراض والاضطرابات وأسبابها وآليات علاجها، لنتعرف معاً إلى الإجابات.
 


محتويات المقال:

1- الصحة النفسية في العالم الحديث
2- الأمراض والاضطرابات النفسية الشائعة
3- الاكتئاب في المقدمة
4- اضطرابات القلق

5- اضطراب ثنائي القطب
6- انفصام الشخصية والأمراض الذهانية الأخرى
7- الخرف
8- المصادر والمراجع


الصحة النفسية في العالم الحديث

في مقال سابق عن الصحة النفسية في العالم المعاصر تحدثنا عن العلامات التي ترشدا إلى وجود مشاكل نفسية وعن أهم الأمور التي يجب الاهتمام بها للوقاية من اضطرابات العصر الحديث، فقبل فترة ليست بالبعيدة كان الإنسان ينظر إلى معظم المشاكل النفسية والعقلية كزاوية غامضة من تكوينه، وغالباً ما يربط حالات مثل الخرف أو الذهان أو الاضطرابات الانشقاقية بأمور روحانية كالأرواح الشريرة والجن ولا عجب أن سمَّوه مجنوناً أي مسكوناً بالجنِّ.
ومع تطور طب المخ والأعصاب والعلوم النفسية وعملها معاً على إيجاد تفسيرات للحالات غير الطبيعية؛ يمكن القول أن العالم الحديث وضع تصوراً واضحاً لمعظم الاضطرابات النفسية والعقلية من خلال تشخيصها وتمييزها والبحث في أسبابها ووضع الخطط العلاجية المناسبة لها، وما زال العلم يصنِّف اضطرابات جديدة أكثر اتصالاً بروح العصر الحديث مثل اضطراب ألعاب الانترنت الذي أثار تصنيفه كاضطراب مميز جدلاً واسعاً في الفترة الأخيرة.


الأمراض والاضطرابات النفسية الشائعة

من جهة أخرى فإن متطلبات العصر الحديث واختلاف أساليب المعاش والاتصال واختلاف ترتيب الأولويات والاحتياجات وطريقة تلبيتها، كل ذلك غيَّر خريطة الأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية إلى حد بعيد، ليقفز الاكتئاب والقلق مثلاً إلى رأس القائمة وتعتبر أمراض العصر.
سنستعرض في الفقرات القادمة خمسة اضطرابات نفسية وعقلية تعتبر الأكثر شيوعاً في العالم، هي بالترتيب:
1- الاكتئاب.
2- القلق.
3- اضطراب ثنائي القطب.
4- الأمراض الذهانية.
5- الخرف.


الاكتئاب في المقدمة

كما ذكرنا فإن الاكتئاب مرض العصر حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب يعتبر أكثر الاضطرابات النفسية والعقلية انتشاراً في مختلف أنحاء العالم[1]، حيث يقدر المصابون بالاكتئاب بنحو 300 مليون إنسان، كما أن الاكتئاب من الأسباب الرئيسية لخروج الأفراد من الأهلية ومواجهتهم لإعاقة كبيرة في مجالات الحياة المختلفة.

أسباب وأعراض الاكتئاب
تحدثنا بإسهاب عن أعراض الاكتئاب وأسبابه وطرق علاجه في مقالات سابقة؛ ويمكن اختصار الجدل حول أسباب الاكتئاب بالقول أن الضغوط الاجتماعية المختلفة والتجارب الشخصية القاسية إلى جانب العوامل الوراثية وعوامل كيمياء الدماغ والإصابة بالاضطرابات النفسية الأخرى؛ تعتبر جميعها أسباباً رئيسية للاكتئاب.
أما عن الأعراض فأبرز أعراض الاكتئاب حالة الحزن المستقرة أو شبه المستقرة والتي يصعب الخروج منها بالوسائل التقليدية، والإصابة باضطرابات النوم واضطرابات الشهية، وتبدأ الأعرض بالتصاعد بمستوى الخطورة عندما يشكل الاكتئاب عائقاً أمام المريض في أدائه المهني وعلاقاته الاجتماعية، وقد يصل إلى الانتحار.

علاج الاكتئاب
يتوقف علاج الاكتئاب على تشخيص حدة الاكتئاب (خفيف، متوسط، حاد أو شديد)، ويبدأ علاج الحالات الخفيفة من الاكتئاب من خلال جلسات العلاج النفسي والعلاج السلوكي المعرفي، ثم يتم اللجوء في الحالات فوق المتوسطة إلى مضادات الاكتئاب وقد يصل الأمر إلى حجز المريض في مصح نفسي للاستشفاء ومتابعة حالته عن كثب.


اضطرابات القلق

تعتبر اضطرابات القلق من أمراض العصر أيضاً إلى جانب الاكتئاب، حيث يقدر عدد المصابين باضطرابات القلق المختلفة حوالي 284 مليون إنسان حول العالم، 63% منهم من النساء[2].
وتشمل اضطرابات القلق الوسواس القهري والفوبيات والاضطرابات الاجتماعية واضطرابات ما بعد الصدمة إضافة إلى اضطراب القلق العام، وتظهر الأعراض بشكل توتر حركي لا إرادي وحالة من الخوف وتغيرات في العلامات الحيوية ونشاط الجسم كحالات الدوار وفرط التهوية والإغماء...إلخ.
وكمعظم الاضطرابات النفسية يأخذ علاج اضطرابات القلق خطَّين متوازيين؛ العلاج النفسي من خلال جلسات الاستماع والدعم والعلاج السلوكي المعرفي، جنباً إلى جنب مع العلاج الدوائي من خلال مضادات الاكتئاب ومضادات القلق، وقد يرى الطبيب المعالج أن يتخلى عن الأدوية أو يستخدمها حسب الحالة والتجربة[3].


اضطراب ثنائي القطب

يأتي الاضطراب الوجداني ثنائي القطب من حيث التصنيف كأكثر الاضطرابات انتشاراً بعد القلق والاكتئاب، حيث يعاني حوالي 60 مليون شخص حول العالم من اضطراب ثنائي القطب العاطفي وفق منظمة الصحة العالمية في المرجع المذكور سابقاً.
ويتصف مريض اضطراب ثنائي القطب بالتقلبات المزاجية الحادة والدخول بنوبات من الهوس والاكتئاب تفصل بينها حالات طبيعية ومزاج سوي، وعادة ما تترافق نوبات الهوس مع شعور مرتفع بالثقة وتضخم احترام الذات، اضطرابات النوم والشهية، إضافة إلى الاندفاع والتهور، وللتعرف أكثر على أعراض وأنواع اضطراب ثنائي القطب يمكنكم قراءة هذا المقال.
ويكون علاج اضطراب ثنائي القطب من خلال الأدوية التي من شأنها أن تعزّز استقرار المزاج جنباً إلى جنب مع جلسات العلاج النفسي والدعم الاجتماعي والمتابعة الطبية لمواجهة الانتكاس.


انفصام الشخصية والأمراض الذهانية

من الاضطرابات العقلية المشهورة والشائعة اضطراب انفصام الشخصية، حيث يعاني المريض من الذهان وتشوهات في التفكير والإدراك تنعكس على السلوك، وأبرز أعراض انفصام الشخصية والذهان الشكوى من حالات الهلوسة البصرية والسمعية والحسية إلى جانب الشكوى من الأوهام كالشكوك غير المنطقية والمعتقدات الخاطئة.
وتعتبر فترة البلوغ والمراهقة وحتى الثلاثين هي الفترة الأكثر شيوعاً لظهور انفصام الشخصية، وفي حالات أندر قد يصيب الأطفال، أما من حيث الأسباب فتعتبر العوامل الوراثية والبيئية هي الأكثر تأثيراً على فرص الإصابة بالانفصام، إلى جانب مشاكل النمو والتطور.
كما يتم علاج الاضطرابات الذهانية وانفصام الشخصية من خلال برنامج الأدوية المضادة للذهان التي تؤخذ بشكل يومي أو حسب ما يصف الطبيب، وقد يتم إعطاء مضادات الذهان عبر الحقن مرة أو مرتين في الشهر حسب ما يرى الطبيب[4].


الخرف

الخرف Dementia يعتبر من أكثر أمراض الشيخوخة شيوعاً في العالم، حيث يعاني أكثر من 50 مليون إنسان من الخرف، والخرف هو حالة من التدهور المزمن والمتقدم للوظائف الإدراكية يتجاوز الحالة العادية في مرحلة الشيخوخة.
وتنعكس أعراض الخرف على العمليات الفكرية المختلفة مثل اللغة والحساب والفهم والقدرة على التعلم والذاكرة، وهناك مجموعة من الأمراض التي تسبب أعراض الخرف مثل الزهايمر والجلطة الدماغية وهي الأسباب الأكثر شيوعاً للخرف المزمن، فيما توجد بعض الأسباب للخرف المتقلب كمشاكل الغدة الدرقية وعوز الفيتامينات.
في حالات الخرف المزمن والتدريجي لا يوجد علاج نهائي[5]، وتهدف المحاولات العلاجية لمساعدة المريض على التعامل مع أعراض الخرف وتخفيفها إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعية.

أخيراً... تعمل منظمات الصحة النفسية والعقلية حول العالم على فهم أسباب انتشار وتطور اضطرابات بعينها، لتتمكن من محاصرة هذه الاضطرابات من خلال السيطرة على الأسباب قدر الممكن إلى جانب وضع الخطط العلاجية، وتعتبر الصحة النفسية من القضايا الساخنة في عالمنا المعاصر، خاصة وأن أكثر الاضطرابات شيوعاً "الاكتئاب والقلق" من المشاكل التي تطورت مع تطور المجتمع البشري الحديث كأعراض جانبية لحضارة ما بعد الحداثة.


المصادر والمراجع

[1] تصنيف.منظمة الصحة العالمية لأكثر الاضطرابات العقلية انتشاراً في العالم، منشور على موقع المنظمة الرسمي في أبريل 2018، تمت مراجعته في 26/5/2019.
[2] تصنيف.أكثر الأمراض والاضطرابات العقلية شيوعاً لعام 2017، منشور عبر موقع Our world in data، تمت مراجعته 26/5/2019.
[3] مقال.حول اضطرابات القلق وعلاجها عبر موقع مايو كلينك mayo clinic، تمت مراجعته في 26/5/2019.
[4] مقال.عن انفصام الشخصية منشور في موقع المعهد الوطني للصحة العقلية The National Institute of Mental Health، تمت مراجعته في 26/5/2019.
[5] مقال.عن الخرف وأمراض الذاكرة المتعلقة بالشيخوخة، منشور في موقع جمعية الزهايمر ALZ، تمت مراجعته في 26/5/2019.
 

ذات علاقة