قد لا نرتقي إلى مستوى توقعاتنا، لكننا بالتأكيد نصل إلى مستوى ما نتمرن عليه، قد تسأل: وما علاقة ذلك بموضوع حديثنا عن الأفكار السلبية والمشاعر المنفعلة، التي يمكن أن تدمر حياة صاحبها؟ العلاقة في التدريب وقدرته على تحويل أفكارنا السلبية إلى أفكار إيجابية بناءة، وهناك العديد من التفاصيل التي سأناقشها معك في هذا المقال.


ذات صلة


التخريب الذاتي

كيف تدرب عواطفك وتحد من سيطرتها على حياتك؟
لكل منّا طريقته الخاصة في تحقيق نوع السكون الداخلي من خلال أفكاره؛ الشعور بالأمان المادي، الاستقرار، العمل المريح... الخ، لكن قد يحدث موقف معين أو تمرّ بظرف خارج سيطرتك، مما قد يتسبب بانهيار بعض من هذه المنظومة الفكرية وبالأحرى المعيشية، والتي تظنها تعكس سلاماً داخلياً (برأي لا يمكن أن يصل إليه إنسان، والتوازن الذاتي كلام رومانسي بعيد عن الواقع)، المهم.. هذا الخلل في الأفكار لديك، قد يعني مشكلة تتفاقم حتى تسيطر على حياتك بأكملها، فماذا تفعل؟ كيف لك بتحويل هذا الأمر لصالحك، وتحدي نفسك لخلق الإيجابية من قلب السلبية والمشاكل؟ أظن أنك تهذي لو فكرت بالإجابة على هذه التساؤلات، لذا.. دعنا نتحدث بشكل منطقي.

أولاً يتركز جوهر التخريب الذاتي؛ في أن كل ما هو غير مألوف.. يكون أيضا غير مريح، بالتالي كل ما هو غير مريح يؤذي غريزة البقاء لدينا، ثم كل ما يؤدي غرائز البقاء لدينا.. لا محالة يصبح عدواً، وهنا يأتي دور تدريب عواطفنا ومشاعرنا وأفكارنا، من خلال تخفيفها وتحديد ما الذي سنسمح له بالسيطرة علينا، مثلاً اسمح لمشاعرك بالتدفق لمنظر غروب هادئ، وحدد مشاعرك السلبية وردود فعلك الغاضبة، لأن زملائك في الجامعة مثلاً؛ حققوا الآن في منتصف أعمارهم، ما تعجز أنت عن تحقيقه حتى اليوم!
إن أعدائك هم أفكارك أو وضعك الاجتماعي، أو أشياء أخرى موجودة بأشكالها الرمادية وغير الملموسة وغير المحددة أيضاً، تشعر بالخوف ولا تتغلب عليه، وأنت تعلم أن بعض الناس لا يفسدون حياتهم لأنهم أغبياء! إنهم يدمرون حياتهم لأنهم يشعرون بالغباء، ولأنهم بائسون وغير مرتاحون، بينما يجب عليهم الوصول إلى أي شيء؛ يخدر هذا الألم مؤقتاً، فليس الشعور بالحزن هو الصدمة، لكن أن تخشى شعور الحزن، لأن شيئاً سيئاً قد يحدث، إنه ليس الشعور بالسعادة والهموم، إنه الخوف من هذه العواطف، حيث تم تمزيق أحدنا يوماً.. بسبب السعادة أو الهموم!

- فالمشاعر تهدم حياتك (بسلبها وإيجابها حتى)؛ عندنا تحكمك هذه المشاعر والأفكار التي تحرضها، وأنا لا أبالغ بالقول: "أنها تهدم ولو بأجزاء صغيرة يومياً"، إنها تدمر حياتك عندما تقنعك بأن القلق هو درع حاجز بينك وبين الألم، بينما في الواقع أنت تمتص الألم وتدفنه داخلك.
- كما أن الأفكار تدمر حياتك في كل مرة تسمح فيها لفكرة مثيرة بإحداث دوامة عاطفية في أعماقك، تليها حفرة عند حافة هذا الشعور الجارف، مثل السعادة بسبب ترقية وظيفية، تتبع بمهام تفوق قدرتك على التحمّل!
- كما أن الأفكار تدمر حياتك في كل مرة تصدق، بأن المشاعر يمكن أن تكون مضللة، بقدر ما تكون مفتاحاً مهماً لحدسك.
- أخيراً.. يمكن للأفكار أن تدمرنا بسهولة كما يمكن أن تصنع منّا أشخاصاً أقوياء، فأولئك الذين يسيطرون على حياتهم، لا يسمحون بسيادة العواطف عليهم.

المشاعر أداة للأفكار.. وليس العكس.. حيث تتولد المشاعر بفعل الأفكار، لأن العواطف غير واعية ويمكن أن تتأثر بعوامل خارجية وداخلية بعيدة عن سيطرتك، مثلاً إذا نجح شخص ما في استفزازك، فكن على علم بأن عقلك متواطئ مع هذا الاستفزاز! وهو السبب في أنه من الضروري؛ ألا نستجيب بشكل سريع وأن نتحكم بردود فعلنا، اصمت لحظة قبل الرد على الاستفزاز، سوف تجد أنه أصبح من الأسهل عليك السيطرة على عواطفك، لأنك تتحكم باللحظة الحالية لدماغك وتغيرها كما تريد، وهذا ما يحتاج إلى الوقت والتدريب بالطبع.. (وهذا بيت القصيد).
 

ذات علاقة


سرّ السعادة

تتعلق السعادة بطريقة تفكيرك الحالية
يمكنك ضبط ورفع درجة سعادتك باختيار تغيير تفكيرك الحالي، حيث يواجه أغلبنا صعوبة في تحقيق التوازن في حياتهم، ويبدو أنه لا يوجد ما يكفي من الوقت لإنجاز كل ما علينا إنجازه، لترتفع بالنتيجة.. مستويات الإجهاد والشك في الذات، كذلك الغضب وعدم اليقين والخوف، ومجموعة كبيرة من المشاعر السلبية الأخرى، التي يمكن أن تخلق عقلية خطيرة قد تسبب في تدمير حياتنا.. 
دون أن ندرك ذلك، بتنا نفقد القدرة على الضحك والمرح، من مبدأ "لا ألم... لا ربح" [1]؛ ثقافة تبنتها المجتمعات الغربية في ثمانينات القرن الماضي، تمثيلاً لبطل الرواية الذي لا يمكن أن يحقق الإنجاز في حياته دون المرور بمراحل صعبة من المشقة والمعاناة، ويبدو أن هذا المبدأ هو ما يحكم حياتنا الحالية... للأسف، فتضيع الحياة في براثن سباق محموم لا ينتهي، بينما تنسى حقك في أن تستمتع بكل خطوة تخطوها لتحقيق أهدافك، لأنك في حال اتخذت خيارات الاستمتاع أثناء عملية تحقيق أي هدف؛ ستصل إليها بطريقة أسهل وأسرع.
حتى لو اخترت مبدأ ألم المتعة (لا ألم.. لا ربح)، يجب أن تكون مدركاً في الوقت نفسه للأفكار، التي تخلقها لتأجيل السعادة في حياتك، كما يجب أن تكون حريصاً وتذكر نفسك؛ بأن الضغط المستمر لتحقيق أهدافك المهنية والشخصية؛ ليس سبباً لعدم التمتع بخطوات هذه العملية على طول الطريق! وحان وقت التحول إلى طريقة تفكير أكثر سعادة! وهذا هو اختيارك ومسؤوليتك، لذا عليك أن:

- تحوّل تركيزك وطريقة تفكيرك: إلى ما ينجح في حياتك، بدلاً من التركيز على ما لا يعمل.
- تكون ممتناً لما لديك: كل يوم وطوال اليوم، بدلاً من أن تتذمر على ما لم تعطيك إياه الحياة أو الحظ.
- تتعامل مع الحياة باعتبارها لعبة.
- تطلق العنان للطفل بداخلك وتستمتع بالحياة. 
- تعزز إحساسك بروح الدعابة كخيار أمامك
، بشأن كيفية التعامل مع الأشياء المزعجة، التي تثيرها عليك الحياة كل يوم.
- تبحث عن الضحك داخل وحولك.
 

تحقيق عقلية إيجابية

كيف يمكن أن تكوّن طريقة تفكير إيجابية؟
يمكن أن تمنحك طريقة التفكير الإيجابية؛ المزيد من الثقة وتحسن حالتك المزاجية، كما تقلل من احتمالات الإصابة بأمراض مثل: ارتفاع ضغط الدم والاكتئاب، والاضطرابات الصحية الأخرى المرتبطة بالتوتر [2]، وإليك أهم النصائح لتعزيز قوة التفكير الإيجابي [3]:

- أكد الإيجابية منذ الصباح: بأي طريقة تختارها؛ بالتمارين الرياضية والاستماع إلى موسيقاك المفضلة، أو بالنظر إلى المرآة وقول الأشياء الإيجابية (التي قد تبدو سخيفة) عن نفسك وعن عملك ويومك هذا، لذا حاول أن تستيقظ أبكر من وقتك المعتاد لتستمتع بهذه اللحظات من بدء يوم جديد، وافعل ذلك كل يوم.. حاول مهما كانت ظروفك، وحوّل أفكارك للحظة الحالية، لأنك تستحق ذلك.

- ركز على الأشياء الجيدة، مهما كانت صغيرة: من الطبيعي أن تواجه عقبات طوال نهارك، لا يوجد نهار مثالي! وعند وجود تحديات ما؛ ركز على الفوائد، بغض النظر عن مدى صغرها أو اعتبارها تافهة مثلاً، ابعد تفكيرك عن مشكلات ازدحام المرور، وحاول أن تشغل نفسك بالتحضير لأولى مهامك في العمل، أو الاستماع إلى برنامجك الإذاعي المفضل.

- عزز روح الدعابة لديك: لنقل أنك متأخر عن دفع أقساط أطفالك للنادي الصيفي، وأنت مهدد بالطرد من وظيفتك، ما هي أسوء الاحتمالات.. التي يمكن أن تحصل أكثر من ذلك؟ لذا فكر بالأوقات الممتعة التي ستقضيها مع أطفالك في المنزل؛ طالما أنكم ستعانون لبعض الوقت من البطالة، فهم خسروا تسجيل النادي وأنت خسرت وظيفتك، وسوف تقضون أوقاتاً ممتعة معاً ريثما تعود الأم من عملها!

- تعلّم من الفشل: وكما قال ونستون تشرشل: "النجاح ليس دائماً، والفشل ليس مصيرياً".. ثم قال شيئاً عن أهمية الشجاعة لا أتذكره الآن، المهم بالنسبة لك.. بدلاً من التركيز على فشلك ولماذا فشلت؟ فكر فيما ستقوم به مستقبلاً، لذا حوّل فشلك إلى درس، مثلاً فشلت في مقابلة عمل مهمة اليوم، لا تركز على الأسباب والنتيجة، لكن حاول أن تتعلّم كيفية الحصول على منصب أهم في مقابلة وظيفية قادمة.

- أهمية الحديث الإيجابي مع.. وعن النفس: الحديث السلبي عن النفس يمكن أن يحصل بسهولة كما تصعب ملاحظته غالباً، فقد تعتقد أنك سيئ للغاية في أداء مهمة وظيفية ما أو لا ينبغي أن تحاول بذل الجهد في الأصل، لكن هذه الأفكار السلبية تتحول إلى مشاعر داخلية، بالتالي تعزز تصوراتك (السلبية) عن نفسك، عندما تمسك نفسك تتحدث سلبياً عنها وبالجرم المشهود؛ أوقف هذا السيل من الأفكار السلبية واستبدلها برسائل إيجابية، مثلاً "لماذا أقحمت نفسي في هذا المشروع كان لا بد لي من الحصول على مزيد من التمرين.. سأكون أفضل حالاً من وضعي الآن، لا يجب أن أحاول فأنا لن أنجح... ربما في المرة القادمة".. إذاً.. هل انتهيت؟ نعم وأشعر بمزيد من السلبية الآن!.. سأحاول تغير طريقة تفكيري هذه بالقول: "لا بد أن أحاول، لم يُولد المرء متقناً لكل شيء، حسناً سأبدأ من هنا..."، وهكذا إنها لحظات ويبدأ مفعول قوة التفكير الإيجابي؛ في شحذ همتي!

- عش اللحظة: ليس اليوم، وليست هذه الساعة، لكن هذه اللحظة فقط، بحيث تنبع معظم مصادر الأفكار السلبية من ذكرى حدث قريب أو تخيل مبالغ فيه لحدث مستقبلي.. سيئ.. محتمل، لذا عليك البقاء في الوقت الحاضر، فأنت الآن تقرأ هذه الجملة؛ لا تفكر بقدرة أفكارك السلبية على تدمير حياتك، كما لا تخشى من الألم والحزن والفشل مستقبلاً، أكد على نفسك أهمية عيش اللحظة الحالية، وربما إعداد كوب من الشاي الأخضر، قبل البدء بوضع خطة عمل ليوم غد.

- أحط نفسك بالأشخاص الإيجابين: قد يكون العثور على أشخاص إيجابيين في حياتك أمر صعب، لكن يجب عليك التخلص من السلبية في حياتك قبل أن تستهلكك، لذا ابذل جهدك لتحسين الأفكار الإيجابية لدى الأشخاص الآخرين المهمين في حياتك، بالتالي ستؤثر الإيجابية لديهم.. عليك أيضاً.

في النهاية.. السعادة عقلية وطريقة تفكير، وقوة التفكير الإيجابي ليست من النوافل أو الكليشيهات الجاهزة، كيف إذا للتفكير السلبي تلك القوة على تدمير حياتنا.. في حال لم يكن العكس صحيحاً، أي قدرة تحويل التفكير والسيطرة على العواطف المدمرة؟ شاركنا رأيك من خلال التعليقات.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال Jennifer Kunst، "لا ألم.. لا ربح، ينمو العقل بالعمل الشاق" منشور على موقع psychologytoday.com، تمت المراجعة في 07/07/2019
[2] مقال "التفكير الإيجابي"، منشور على موقع mayoclinic.org، تمت المراجعة في 07/07/2019
[3] مقال Larry Alton، "نصائح تعزيز التفكير الإيجابي"، منشور على موقع success.com، تمت المراجعة في 07/07/2019