تذكر الماضي فجأة (لماذا يتذكر الإنسان الماضي؟)

تذكر الماضي والتفاعل معه واستحضاره.. ما هو سبب تذكر الماضي وتذكر الماضي فجأة؟ وهل يمكن أن يكون تذكر الماضي نعمة لتجاربنا في الحاضر والمستقبل؟!

تذكر الماضي فجأة (لماذا يتذكر الإنسان الماضي؟)

تذكر الماضي فجأة (لماذا يتذكر الإنسان الماضي؟)

من إيجابيات تذكر الماضي، أنه ينعشك لضرورة العيش بأسئلة جيدة قدر الإمكان، في هذا المقال سنتحدث قليلاً عن استحضار وتذكر الماضي الأليم، ودور تذكر الماضي في رسم تجاربنا الحالية وربما المستقبلية، وبالنسبة لأسباب تذكر الماضي فإن الموضوع لم يُحسم بعد من قبل البحث العلمي وربما لن يُحسم، لا تعلم طالما أن العقل والوعي البشري واسع مدى الخيال!

تحكم بتذكر الماضي الأليم والتفاعل معه واستحضاره 
تعكس أيام الناس ماضيهم بشكل كبير، وبسبب ماضيك والصور النمطية التي تحتل عقلك؛ تكون سهل التأثر بسرعة بأي موقف يمر خلال اليوم وتتحفز بسرعة لكل ما يثير الهلع والقلق لديك، يتضح ذلك من خلال الطريقة التي تستجيب بها بشكل غير مناسب مع بعض الأحداث (الهلع قبل خوض امتحان ما على سبيل المثال)، وذلك لأن لدينا ميل في بعض الأحيان إلى الشعور بالقلق والغضب والقلق أكثر مما ينبغي (من السهل إثارة دواخلنا بلحظة.. تحت تأثير محفزّ ما؛ ارتباطاً بماضينا وهروباً إلى المستقبل)، لكن لماذا لا تحاول أن تقود يومك في كل يوم كما تريد أنت أن يكون هذا اليوم؟! لماذا لا تكون واعياً تماماً، فلا ترد على الحاضر إلا بشروطه الماثلة أمامك؟ وبالطبع ستشعر بالقلق أو تكون غاضباً أو تفسح المجال للقلق فقط بقدر ما تمليه الظروف الحالية والموقف الحالي.. ليس ما حدث في الماضي وما يمكن أن يحدث في المستقبل!

لكن دعنا نتحدث عن هذا التأثر أو التحفيز (Triggers)، الذي يمكن أن يسبب رد فعل عاطفي لديك وتشعر بالانزعاج دون أن تعرف السبب حتى، وبالضرورة هو مختلف من شخص لآخر...
كي تتحكم بعواطفك وما يدور في عقلك من أفكار، عليك التحكم بالمحفزات العاطفية من حولك قدر الإمكان، وقبل كل شيء الاعتراف بأنه يمكن التحكم ببعض المواقف أو الأشخاص أو الأحداث وغيرها من المحفزات، والبعض الآخر خارج عن نطاق سيطرتنا، فعندما نكون أكثر وعياً، يمكننا أن نبدأ في تحمل المسؤولية عن الطريقة التي ندير بها عواطفنا، بدلاً من السماح لها بالسيطرة علينا عند كل محفز يضرب تأثيره في عقولنا؛ وعندما يتعذر علينا إدارة عواطفنا أو معالجتها بشكل مناسب، سنكون مجرد متفاعلين مع المواقف المختلفة والآخرين، ولأن لأمر بالغ الصعوبة عندما يفتح شخص ما محادثة مرتبطة بمثير عاطفي لديك، فمن الصعب عليك أن تنأى بنفسك عن عواطفك وأن تفكر بوضوح، لكن الخبر السار أنك تستطيع، وكي تتحكم بأفكارك وبتذكر الماضي الأليم منه تحديداً؛ عليك أن تدير محفزاتك العاطفية بجدارة على أن تأخذ بعين الاعتبار والحسبان الأمور التالية [1] [2]:

- نية الشخص الآخر: فليس من الضروري أن أحد الأصدقاء أو الأقارب يتقصد أن يصيب الندبة العاطفية من ماضيك، وقد يكون غير مدرك للألم الذي تشعر به! وعلى الرغم أنه لا يمكنك التحدث دائماً حول ما يضايقك أو يحفز لديك عواطف مزعجة، فمن المهم أن تبقى واعياً حول نية الشخص الآخر، وعندما يكون محِباً ومهتماً بك، فإن تعليقاته نادراً ما تكون بنية سيئة، لذلك من المهم التحلي بالصبر مع الآخرين، والتواصل ببطء وحزم وإنشاء حدودك مع الآخرين أيضاً، كي لا يسمحوا لأنفسهم بالتدخل في خصوصياتك.

- آلامك الخاصة: من المهم أن تفهم أن كل ما تشعر به، فلأي سبب تتألم حقيقة في حياتك؟ يجب ألا تهرب من هذه المشاعر الصعبة، ولكن يجب عليك أن تبتعد عن الشعور بالعار منها أيضاً، وأن تمتلكها تماماً لأنها داخلك، فأنت تعيش جميع المشاعر وتستغرق الكثير من الوقت في ذلك، لكنك مسؤول عن تعلم طرق جديدة لإدارة هذه المشاعر، ولا تستهتر بالعلاج النفسي لأنه مساحة مهمة لتعلم كيفية إدارة عواطفك ومشاعرك الصعبة، ويمكنك في أي وقت التواصل مع خبراء حلوها لتحقيق هذه الغاية.
 
وتقول خبيرة موقع حلوها الاختصاصية النفسية، الدكتورة سراء الأنصاري في إجابة على سؤال شاب في الثامنة عشرة من عمره يعاني من فوبيا في كل شيء حوله: " لابد أنك أصبت بصدمة قوية أثرت علي ثقتك بنفسك، وثقتك بالحياة وبالناس، وربما حاولت التعامل مع الوضع لفترة وحدك ولكنك لم تتمكن من علاج المشكلة، فأصابتك نوبات هلع ومخاوف، عليك أن تسترد ثقتك بنفسك لتغير حياتك للأفضل، بالطبع عليك مراجعة الطبيب النفسي والتحدث معه وقد تحتاج لأخذ دواء أيضاً لفترة محدودة".
 

هل يمكن أن ننسى أحداثاً قاسية ومؤلمة من الماضي بشكل نهائي؟
"العقل أوسع من السماء"... هذا الكلام دقيق جداً عندما يتعلق الأمر بتعقيد تخزين الذكريات لدينا، في الجزء الأمامي من الدماغ (الجزء الأكبر من الدماغ) وهو مغطى بطبقة من الأنسجة العصبية المعروفة باسم القشرة الدماغية.
غالباً ما ينسى الدماغ العناصر الموجودة في الذاكرة قصيرة المدى، مثل رقم الهاتف أو اسم شخص تلتقيه لأول مرة، ولم يتم تذكره لبضع لحظات فقط، إلا إذا كان هناك تكرار مستمر، وتشارك الذاكرة طويلة المدى عادةً في الاحتفاظ بالمعلومات لفترات زمنية أطول، مثل تذكر ولادة طفلك.

على الرغم من أن عقلك لا يقوم بتخزين تجاربك تلقائياً في شكل من أشكال الذاكرة، إلا أن هناك أوقات يقوم فيها الدماغ "بإيقاف" تجربة مؤلمة أو صادمة لمصلحته! في تجربة تسمى الانفصال (Dissociation) أو الانفصال عن الواقع، وتحدث هذه الحالة إذا سجل الدماغ حدثاً أليماً أو صادماً، كما يمكن أن تحدث كجزء من اضطراب ما بعد الصدمة، حيث يؤدي هذا الانفصال إلى عدم وجود صلة في أفكار الشخص و / أو ذاكرته و / أو إحساسه بالهوية، ومن الشائع للغاية تجربة حالة من حالات الانفصال المعتدل، على سبيل المثال أن تضيع في قراءة كتاب ما أو في حال كنت تمر بحلم يقظة، حيث يمكن أن تواجه شكلاً شائعاً من الانقسام الخفيف.
كما يُلاحظ وجود شكل حاد ومزمن من حالات الانفصال في الأمراض العقلية والأشكال النادرة من الاضطرابات الانفصالية، مثل اضطراب الهوية الانفصالية، الذي كان يُطلق عليه سابقاً اضطراب الشخصية المتعددة.

بنفس الطريقة التي يمكن بها للمناعة البشرية إيقاف مادة غريبة لحماية بقية الجسم، يمكن للدماغ أن ينفصل عن تجربة ما، وفي خضم الصدمة قد يشرد الدماغ ويعمل على تجنب صناعة ذاكرة لهذه الصدمة، مع ذلك ما قد يكون صدمة شديدة لشخص، قد لا يكون صدمة بالمرة.. لشخص آخر، كما يمكن أن يسهم التركيب الوراثي للشخص وبيئته في كيفية تلقيه الصدمات، فالطفل الذي نشأ في منزل ملؤه الحب وحضور الوالدين، من المرجح أن يكون أكثر مرونة من طفل نشأ في أسرة لا تشعر بالأمان، وإذا كان لدى الطفل في مرحلة نموه النفسي عدم ثقة أو خوف أو هجر؛ الأرجح أن يستجيب لحدث مؤلم بخصائص انفصالية، حيث أن "هناك اعتقاد بوجود عتبة من الصدمات النفسية؛ لا يمكن للدماغ البشري التغلب عليها دون تفكيكها، وبالنتيجة يمكن أن يساهم العمر والعوامل الوراثية والبيئة في ارتفاع عتبة تحمّل الشخص، وكيف يستجيب دماغه للصدمة الشديدة" [3].

لهذا فإن تجربة تذكر الماضي المؤلم قد تحتاج إلى مساعدة تخصصية لعلاج تأثيراتها عليك، حيث يمثل الشعور بالأمان عامل حاسم هام في عملية الشفاء، ويُمكِّنك من استرجاع الذكريات الأليمة للصدمة في ظل ظروفٍ آمنة، وعندما تكون مستويات الإجهاد منخفضة نسبياً وتحت سيطرة الفرد، فمن الممكن ربط الذكرى الصادمة بتجارب أخرى وتقليل تأثيرها المدمر، ويسمي علماء النفس هذا بـ "التطور بعد الصدمة" [4]، فنحن لا ننسى أحداثاً مؤلمة بشكل نهائي، لكن يمكننا التعامل معها بمساعدة متخصصة إذا كانت تأثيراتها أكبر من طاقتنا على التحمل.
 

هل تصبح الذكريات موجِهة لتجاربنا في الحاضر وتقود مستقبلنا؟
ما هو مدى قدرتك على ممارسة قدر معين من السيطرة الإرادية على ذاكرتك اللاإرادية؟ بالأخذ في عين الاعتبار حقيقة أن الذكريات اللاإرادية تحمل دفعة عاطفية أقوى بكثير من الذكريات التي نسترجعها بشكل طوعي (إرادي)، وهل من الممكن أن نستهدف (إرادياً) بعض الذكريات لاسترجاعها بشكل غير طوعي لاحقاً؟

لقد أظهرت نتائج دراسة حديثة [5]، أن مدة فترات الاسترجاع تؤثر على كل من الذكريات الطوعية وغير الطوعية (الإرادية وغير الإرادية)، حيث يظهر كلا النوعين من الاسترجاع انخفاضاً في وتيرة الذاكرة مع زيادة وقت الاستبقاء، فبينما أظهرت الاستعادة الطوعية وصولاً أكبر للذاكرة في فترات استبقاء أقصر مقارنة بالاسترجاع غير الطوعي؛ أظهرت الاستعادة الطوعية معدل نسيان أسرع، بحيث اختفت ميزة التذكر بعد أسبوع. 
يشير هذا الاستنتاج إلى أن الذكريات تصبح أكثر اعتماد على الإشارات بمرور الوقت، مما يجعل الاسترجاع الطوعي أقل فاعلية بشكل تدريجي من الاسترجاع غير الطوعي، كما يحدث التذكر استجابة للإشارات المحيطة بك (مواقف –عبارات -روائح – أشخاص... الخ).

وفيما يتعلق بالإشارات المميزة، فإنها توفر وصولاً أفضل للذاكرة من الإشارات غير المميزة في كلا النوعين من الاسترجاع (الطوعي وغير الطوعي)، مثل الرائحة فهي إشارة مميزة في الاستعادة غير الطوعية لذكرى ما، من خلال إنشاء خزان من الإشارات، التي تؤدي إلى ذكريات لا إرادية (غير طوعية)، فكلما ابتعدنا عن ذكرى من ماضينا، زاد احتمال تعثرنا بها تلقائياً (بشكل غير إرادي أو غير طوعي)، بدلاً من البحث عنها والعثور عليها عن قصد (بشكل طوعي وإرادي)، وفي حال كانت الإشارات المحيطة المرتبطة بها أكثر تميزاً، زاد احتمال ظهورها في طريقنا عندما نواجه تلك الإشارات.
ربما تكون رائحة عطر معينة، (وهي نوع من الإشارات المميزة في ماضينا)؛ بمثابة كبسولات زمنية في حاضرنا! مما يمنحنا إمكانية الوصول غير الطوعي إلى الذكريات بما يتجاوز وعينا [6].

هناك نظرية قوية حول قوة الذكريات في التأثير على كيفية اختبارنا للعالم، من خلال أدق التفاصيل في هذه الذكريات (رائحة أو كلمة أو مكان.. الخ)! فما أطلق عليه الباحثون "اكتشاف التغيير" في دراسة حديثة [7]؛ يلعب دوراً في كيفية بناء الواقع، وعلى الرغم أنك غير قادر على تغير أحداث الماضي، لكن الذاكرة تؤثر بشكل كبير في كيفية عمل دماغك على تأطير الأحداث في الوقت الحاضر، وحتى تصوّر نماذج لما سيحدث في المستقبل!

في النهاية.. يمكن إذاً.. أن يكون تذكر الماضي نقمة وقد يكون نعمة كبيرة، لا يمكنك التحكم بما حدث في الماضي، وقد لا تكون قادراً على نسيان حدث مؤلم أو صدمة تعرضت لها في الماضي إلا مع المساعدة الطبية المتخصصة، لكن عليك من الآن فصاعداً أن تتذكر فقط أن تذكر الماضي جزء من رحلة وتاريخ شخصي ينبغي أن يجعلك تشعر بالفخر لا بالحزن والألم، لأنك اليوم هنا وما زلت تتذكر وتتنفس وتعيش، شاركنا رأيك من خلال التعليق على هذا المقال.
 

[1] مقال "المحفزات (التأثيرات)" منشور على موقع goodtherapy.org، تمت المراجعة في 1/12/2019
[2] مقال Mariana Plata، "كيف تلتقط محفزاتك العاطفية" منشور على موقع psychologytoday.com، تمت المراجعة في 1/12/2019
[3] دراسة "كيف ينسى دماغنا التجارب القاسية دون وعي؟ 2016" منشور على موقع newswise.com، تمت المراجعة في 08/12/2019
[4] مقال "ذكريات الصدمة فريدة من نوعها بسبب كيفية استجابة العقول والهيئات للتهديد" ، منشور على موقع theconversation.com، تمت المراجعة في 08/12/2019
[5] دراسة Søren Staugaard وDorthe Berntsen "استرجاع الذكريات والنسيان 2019" منشورة عل موقع researchgate.net، تمت المراجعة في 08/12/2019
[6] مقال Hal McDonald "ننسى تذكر الماضي " منشور على موقع psychologytoday.com، تمت المراجعة في 08/12/2019
[7] دراسة Christopher N. Zacks وآخرين "الذكريات ترشد تغييرات الحاضر 2019"، منشورة على موقع psycnet.apa.org، تمت المراجعة في 08/12/2019