مفهوم الطفل الداخلي وتمارين شفاء الطفل الذي بداخلك

من هو الطفل الداخلي؟ مفهوم الطفل الداخلي ومرحلة كبت الطفل في داخلك، أسباب جرح الطفل الداخلي وعلامات إصابة طفلك الداخلي، وأهم تمارين شفاء الطفل الداخلي

مفهوم الطفل الداخلي وتمارين شفاء الطفل الذي بداخلك

مفهوم الطفل الداخلي وتمارين شفاء الطفل الذي بداخلك

مع ظهور التحليل النفسي على يد عالم النفس الكبير سيغموند فرويد أصبح من الممكن فهم الروابط بين الأحداث والتجارب المبكّرة للإنسان وبين سلوكه وملامح شخصيته، ويعتبر عالم النفس كارل يونغ -تلميذ فرويد- من أوائل الباحثين الذين صاغوا مفهوم الطفل الداخلي وانعكاس تجارب ومشاعر الطفولة على السلوك والشخصية، وأهمية التواصل مع الطفل الداخلي والجانب الطفولي من الشخصية.
نتعرف أكثر إلى مفهوم الطفل الداخلي، مرحلة كبت طفلك الداخلي، وعلامات تعرض الطفل الداخلي للجرح والإصابة، ونتوقف مع أهم تمارين شفاء الطفل الداخلي.

تعريف الطفل الداخلي ومعنى الجانب الطفولي من الشخصية
يتم تعريف الطفل الداخلي في علم النفس أنه الجانب الطفولي من الشخصية، والذي يحمل جميع الخبرات والتجارب التي نمرّ بها في مرحلة الطفولة وحتى مرحلة البلوغ، متأثراً بعملية الكبت التي نحاول من خلالها الانتقال من النظرة الطفولية للعالم إلى نظرة البالغين، وإقناع الأهل والمحيط أيضاً أننا غادرنا الطفولة، من خلال كبت الرغبات والسمات الطفولية.

ينظر بعض علماء النفس إلى الطفل الداخلي Inner child بوصفه جزء شبه مستقل من العقل اللاواعي، تجتمع فيه التجارب العاطفية والذكريات المخزنة في اللاوعي من المرحلة الجنينية وحتى البلوغ، وتؤثر هذه التجارب الطفولية على سلوكنا كبالغين وعلى نظرتنا للذات وللعالم من حولنا.[1]
يعود الفضل بوضع مفهوم الطفل الداخلي إلى كارل يونغ، حيث اعتقد يونغ أن التواصل مع مشاعر وعواطف وأفكار الطفولة من شأنه أن يعزّز فهمنا لأنفسنا، وقد طبّق يونغ فكرة الطفل الداخلي على نفسه ليكتشف تأثير استعادة الطفولة على العواطف والمشاعر.[2]

يقول الطبيب النفسي Stephen A. Diamond "معظم الاضطرابات العقلية وأنماط السلوك المدمرة -كما أشار فرويد لأول مرة- ترتبط إلى حد ما بهذا الجزء اللاواعي من أنفسنا -الطفل الداخلي- كنا جميعاً أطفالاً ذات يوم، وما زال ذلك الطفل يعيش فينا؛ لكن معظم البالغين لا يدركون ذلك تماماً، وهذا النقص في الارتباط الواعي بطفلنا الداخلي هو بالتحديد مصدر العديد من الصعوبات السلوكية والعاطفية والعلاقاتية". [3]

بالمحصلة يمكن القول أن الطفل الداخلي هو تعبير مجازي عن مخزون ذكريات وتجارب الطفولة التي تؤثر تأثيراً عميقاً على سلوكنا ومشاعرنا كبالغين، وفكرة إصابة أو "جرح الطفل الداخلي" تتمثل في الصدمات أو التجارب السلبية التي نتعرض لها في الطفولة ونحملها معنا إلى البلوغ.
ويميّز علماء النفس بين البلوغ بمفهومه الجسدي المعروف وبين البلوغ النفسي أو النضج النفسي، ويعتقدون أن اكتشاف الطفل الداخلي وفهم مشاعره وهواجسه، والعمل على شفاء جروح الطفل الداخلي، والتعامل معه باحترام، والتواصل مع الطفل بداخلنا؛ هو ما يقودنا فعلياً للبلوغ الحقيقي والنضج النفسي والاتزان، وبالتالي يعزّز معرفتنا بذواتنا وتحكّمنا بمشاعرنا وسلوكنا.

تبدأ مرحلة كبت الطفل الداخلي بعد مغادر الطفولة المبكرة وبدء التواصل مع العالم الذي تحكمه القوانين والتعليمات والضوابط، وتستمر حتى مرحلة البلوغ، حيث تبدأ محاولة تعديل سلوكنا كبالغين وإقناعنا بالتخلي عن "أفكار ومشاعر الأطفال" لنستحق بجدارة لقب "كبير أو بالغ".
محاولة محو صورة الطفولة من مظهرنا الخارجي وسلوكنا المعلن تتزامن مع محاولة طمس معالم طفلنا الداخلي وطرده إلى دائرة اللاوعي، لكننا ندرك اليوم أن ما نقوم بدفعه إلى اللاوعي أكثر قدرة على التحكم بالمشاعر والسلوك والموقف من الذات والعالم؛ مقارنة بما ندركه أو يقع في وعينا! بالتالي تقود محاولة كبت وإسكات صوت الطفل الداخلي إلى مشاكل واضطرابات نفسية وسلوكية مجهولة الأسباب نظرياً.
وإعادة اكتشاف الطفل الداخلي والعمل على شفاء الطفل الداخلي من الخطوات العلاجية المهمة التي يتبعها عدد كبير من المعالجين النفسيين لفهم أسباب الاضطرابات النفسية وإيجاد طرق العلاج الأفضل بالتعامل مع جذر المشكلة "طلفنا الداخلي". [4]

لنتفق أولاً أنّ معظمنا يحمل معه بعض الجروح أو الندوب من الطفولة، لأن حياة الأطفال غالباً ما تختبر العديد من التجارب القاسية بالنسبة للطفل، حتى التجارب التي لا نتذكرها مثل الفطام وتعليم الدخول إلى الحمام واليوم الأول في المدرسة... إلخ، جميعها قد تشكّل ندوباً عميقة للطفل الداخلي.

وهناك مجموعة كبيرة من الأحداث والتجارب التي قد تكون مسؤولة عن إصابة وجرح الطفل الداخلي، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر:[5]

  • التفكك الأسري مثل انفصال الوالدين أو البيئة الأسرية غير المستقرة.
  • موت أحد الوالدين.
  • التعرض للعنف الأسري.
  • التعرض للعنف الجسدي خارج الأسرة.
  • التعرض للإساءة الجنسية.
  • التنمر بأشكاله وأنواعه.
  • أن يكون أحد أفراد الأسرة مضطرباً نفسياً.
  • أن يكون أحد أفراد الأسرة مدمناً.
  • ازدواجية الثقافة، حيث يحاول الأهل الحفاظ على تقاليد وعادات متباينة مع الثقافة التي ينشأ فيها الطفل، أو ينتمي الوالدان لثقافات متباينة دون تسامح فيما بينهما.
  • التعرض للتمييز العنصري.
  • تعرض الطفل لمرض خطير أو مزمن.
  • الانطوائية والشعور بالغربة عن الأسرة.
  • الإهمال العاطفي.
  • المقارنة المستمرة.
  • الشخصية الكمالية للوالدين والتوقعات المرتفعة.
  • الكوارث الطبيعية والحروب.

يظهر تأثير الطفل الداخلي بوضوح في المواقف التي تسبب لنا التوتر والإرهاق العاطفي بشكل خاص، حيث نميل إلى استرجاع الآليات الدفاعية النفسية من مرحلة الطفولة لمواجهة هذه المواقف، وعادةً ما تكون نوبات الغضب من المظاهر الشائعة للطفل الداخلي، لكن بعض تجارب الطفولة قد تجعل الفرد أكثر ميلاً للتجنب والانسحاب، وفي الحالتين هناك طفل داخلي يتحكّم بردة الفعل هذه.[6]

بمكنك الآن إجراء اختبار الطفل الداخلي من خلال النقر على هذا الرابط، ونتعرف أكثر على بعض علامات جروح الطفل الداخلي والمشاعر التي تنتج عن إصابة الطفل الداخلي:

  • تشعر أن هناك شيء ليس بخير داخلك دائماً.
  • تشعر بالقلق والخوف من الأشياء الجديدة.
  • تشعر أنك تابع للآخرين وشعورك منخفض بالهوية.
  • تشعر أن الصراع مع الآخرين يساعدك، بمعنى آخر تشعر أن الحياة لا معنى لها دون صراع.
  • تعاني من التكديس القهري للأشياء.
  • تجد صعوبة في التخلي عن الأشياء أو الانسحاب من العلاقات المزعجة.
  • تشعر أنك لست قادراً على تحقيق سعادة الشريك العاطفي.
  • تنتقد نفسك باستمرار وتشعر أنك لا تبذل ما يكفي من الجهد.
  • لديك قواعد كمالية ومثالية في حياتك لا تستطيع التخلي عنها.
  • تجد صعوبة ببدء أو إنهاء الأشياء.
  • تعاني من فقدان السيطرة على أعصابك أحياناً حتى وإن كنت خجولاً بالتعبير عن غضبك عادةً.
  • لديك أزمة ثقة بالآخرين، وبذاتك.
  • لا تستطيع أن تقول "لا" بسهولة.
  • عشت في بيئة أسرية متوترة.
  • عانيت من التنمر في مراحل مختلفة من حياتك.
  • تعرضت للإساءة في الطفولة.

إذا كانت إجابتك على معظم هذه النقاط هي نعم؛ فأنت تعاني من جروح الطفل الداخلي، وتحتاج لإعادة التواصل مع الطفل بداخلك لتفهم أكثر العلاقة بين سلوكك ومشاعرك وبين ذكريات وتجارب الطفولة.

  1. الاعتراف بوجود وتأثير الطفل الداخلي: الخطوة الأولى في شفاء الطفل الداخلي هي الاعتراف بوجوده وتأثيره على سلوكنا ومشاعرنا، وذلك من خلال فهم أعمق لتفاعلنا كأشخاص بالغين مع طفولتنا وتجاربها.[7]
  2. العودة بالذاكرة إلى الطفولة: الهدف من الرحلة إلى الطفولة هو إعادة استكشاف الأشياء التي كانت تمنحك السعادة والطمأنينة عندما كنت طفلاً، وكذلك الأشياء التي كانت تجعلك حزيناً، وإعادة تقييم مرحلة الطفولة والكشف عن الأمور التي ظلت عالقة بسبب كبت الطفل الداخلي في مرحلة البلوغ.[8]
  3. راجع أمنيات الطفولة: من أفضل طرق التواصل مع الطفل الداخلي التفكير بما كنت تتمناه كالطفل ولم تحصل عليه، أو حتى بما كنت تحصل عليه ولا تريده، وهذه المرحلة ستمهد لك الطريق لإعادة إشباع رغبات الطفل الداخلي بطرق أكثر حكمة وملاءمة.
  4. أعطِ نفسك ما كنت محروماً منه: جميعنا كنا محرومين من أشياء معينة كأطفال، على مستوى الرغبات المادية أو المعنوية، ومن خطوات شفاء الطفل الذاتي أن نعود إلى هذه الرغبات ونحاول إشباعها.
  5. فهم سلوك التخريب الذاتي ومراقبته: قد نعاني من بعض السلوكيات التي لا نفهمها لكننا نعلم أنها تدمر علاقتنا وتؤثر علينا سلباً وتولّد مشاعر سلبية لدينا، وجزء من شفاء الطفل الداخلي هو تحديد أنماط التخريب الذاتي -مثل الغضب والانفعال والابتزاز العاطفي والخوف من التجارب الجديدة وغيرها- والتعامل معها عن قرب.
  6. التواصل المباشر مع الطفل الداخلي: قم بالتواصل مع طفلك الداخلي وكأنّك تتحدث مع طفل حقيقي، تواصل مع طفلك الداخلي باحترام ومحبة، واكتب حواراً بينك وبين الطفل الداخلي.
  7. استشارة تخصصية: اكتشاف الطفل الداخلي ووضع خطة لشفاء الطفل الذي في داخلك يعتبر جزءاً من استراتيجية العلاج النفسي التي يتّبعها عدد كبير من الأطباء والمعالجين، لذلك سيكون طلب المساعدة من المختصين خطوة مهمة في سبيل شفاء الطفل الداخلي.

في هذه الحلقة من "غسيل دماغ" مع المدربة مريم غوث تتعرفون عن قرب إلى تأثير تجارب ومعتقدات الطفولة على طريقة تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين، وكيف تؤثر جروح الطفل الداخلي على سلوكنا وتصرفاتنا، شاهد الفيديو بالنقر على علامة التشغيل أو من خلال الانتقال إلى هذا الرابط:

المصادر و المراجعadd