لا يعتبر اضطراب الشخصية التجنُّبية من الاضطرابات الأكثر شيوعاً لكنه أيضاً لا يعتبر اضطراباً نادراً، وحتى وقت قريب كان يصعب الفصل بين اضطراب التجنُّب واضطرابات أخرى مثل الانطوائية واضطراب الرهاب أو القلق الاجتماعي.
سنتعرف عن قرب إلى اضطراب التجنُّب من خلال هذا المقال، سنحاول أن نحيط بأسبابه وآثاره، أعراض اضطراب الشخصية التجنبية وطريقة التعايش معه وعلاجه.
 



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- ما هو اضطراب الشخصية التجنبية؟
2- تشخيص الشخصية الاجتنابية
3- أعراض ومظاهر الشخصية التجنبية
4- أسباب الشخصية الاجتنابية
5- آثار اضطراب الشخصية التجنبية
6- التعايش مع اضطراب التجنب
7- علاج اضطراب الشخصية التجنبية
8- المصادر والمراجع


ما هو اضطراب الشخصية التجنُّبية؟

يعتبر اضطراب الشخصية الاجتنابية أو التجنُّبية Avoidant personality disorder واحداً من اضطرابات الشخصية المميزة حيث أدرجه الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية والنفسية في العدد الخامس (DSM5) ضمن اضطرابات الشخصية[1].
وقد عرَّف الدليل اضطراب الشخصية الاجتنابية أو التجنُّبية أنه نمط ثابت ومستقر من التثبيط الاجتماعي وفرط الحساسية للنقد ومشاعر عدم الكفاية، ما يولد حالة من الخجل واجتناب التجارب والمواقف الاجتماعية التي قد تسبب له الإحراج أو تعرِّضه للانتقاد.
ويمكن القول أن اضطراب التجنُّب هو بمثابة استراتيجية تكيف يتبعها المريض بشكل وقائي ودفاعي، فيتعمَّد الابتعاد عن المواقف أو البيئات التي يعتبرها مقلقة ومخيفة، وسنتحدث عن أعراض ومظاهر هذا الاضطراب في الفقرات القادمة بالتفصيل.


تشخيص الشخصية الاجتنابية

حسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية والنفسية فإن هناك مجموعة من المعايير التشخيصية لاضطراب الشخصية التجنبية، ويتم التشخيص في حال انطبق أربعة أو أكثر من هذه المعايير على الحالة، وهذه المعايير هي[2]:
1- الميل للعمل بشكل فردي وتجنُّب بيئة العمل الجماعي أو الأعمال التي تتطلب احتكاكاً بالآخرين، وذلك خوفاً من الرفض أو الانتقاد السلبي.
2- الخوف من الانخراط بأنشطة اجتماعية ما لم يكن مطمئناً لكونه مقبول ومحبوب مسبقاً.
3- متحفِّظ في علاقاته الحميمة لأنه يخشى أن يتعرض للخزي أو السخرية.
4- يعتقد أنه مرفوض اجتماعياً.
5- متحفظ تجاه الأشخاص الجدد نتيجة تدني احترام الذات.
6- يعتقد أنه أقل أهمية من الآخرين وغير كفؤ اجتماعياً وأنه شخص غير مرغوب وغير جذاب.
7- يعاني من خشية التجارب الجديدة خاصة التي تنطوي على مجازفات أو التي تحتاج لجرأة.


أعراض ومظاهر الشخصية التجنبية

من خلال المعايير التشخيصية التي ذكرناها سابقاً يمكن فهم حالة الشخصية التجنبية بصورة عامة، وهناك الكثير من الأعراض المشتركة والمتشابكة بين اضطراب الشخصية التجنُّبية وغيره من اضطرابات الشخصية مثل الانطوائية والانهزامية واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع والرهاب الاجتماعي، وفيما يلي نستعرض أبرز أعراض ومظاهر اضطراب الشخصية التجنبية[3].

الأعراض النفسية لاضطراب الشخصية التجنبية
1- تدني احترام الذات:
يعتبر انخفاض تقدير الذات والصورة الذاتية السلبية من الحالات النفسية الشائعة، وقد قدمنا لكم في السابق مقالاً مفصَّلاً عن اضطراب تدني احترام الذات وأسبابه وأعراضه.
حيث يعتبر تدني احترام الذات وتشوّه الصورة الذاتية من أبرز مظاهر وأعراض اضطراب الشخصية الاجتنابية، ذلك أن المصاب بالشخصية الاجتنابية يشعر أنه أقل شأناً من الآخرين وأقل قدرة منهم على الأداء في المجالات المختلفة.

2- الحساسية تجاه النقد السلبي: في سياق متصل بانخفاض احترام الذات يكون المصاب باضطراب الاجتنابية شديد الحساسية للنقد السلبي أو الملاحظات أو التنمر والسخرية حتى لو كانت على سبيل المزاح، هذا ما يجعله يتجنّب المواقف التي قد يتعرض من خلالها للنقد.

3- الخجل: يعتبر صاحب الشخصية التجنبية الأكثر فهماً لمشاعر الخجل الاجتماعي، فشعوره الدائم بالخجل من ذاته والخجل من مواجهة الآخرين أو أداء أعماله بوجودهم هي الدوافع الأساسي لتجنّب الاجتماع.

4- الخوف من الرفص: يمتلك الشخص المصاب باضطراب التجنبية مشاعر خوف عميقة من الرفض والصد، هذه المشاعر تجعل خياراته دائماً ضيقة وغير حكيمة، كما يمتنع عن الكلام وإبداء الرأي خوفاً من قول شيء خطأ أو مواجهة آرائه بالرفض أو النقد.

5- الخوف من التجارب الجديد: ليس غريباً بعد كل ما قلناه أن الشخصية التجنبية تخاف من التجارب الجديدة بشكل كبير، وتفضل التعامل مع بيئيات وأشخاص ومهام سبق وتم اختبارها وتبيّن أنها آمنة وبعيدة عن كل تهديد أو النبذ والرفض، راجع مقالنا عن الخوف من التجارب الجديدة والنيوفوبيا.

6- اضطرابات نفسية مصاحبة: إلى جانب اضطراب انخفاض تقدير الذات واحتقار الذات فهناك مجموعة من الاضطرابات النفسية المصاحبة لاضطراب الشخصية التجنبية، أبرزها اضطرابات القلق والرهاب الاجتماعي، الاكتئاب، اضطراب الشخصية النرجسية ومتلازمة المحتال، وعادة ما يكون التعامل مع اضطراب التجنبية منفرداً أسهل بكثير من علاج الاضطرابات المتزامنة.

7- من الجدير بالذكر أن المصاب باضطراب الشخصية الاجتنابية يدرك نفسه إدراكاً عالياً، ويعرف تماماً أنه غير مرتاح في المواقف الاجتماعية المختلفة وأنه يسعى لتجنّب الاختلاط بالآخرين، وقد يعي الأسباب بشكل مذهل، لكنه قلما يكون قادراً على التحكم بسلوكه ومشاعره ذاتياً دون مساعدة.

الأعراض السلوكية لاضطراب الشخصية الاجتنابية
1- تجنّب التجمّع:
ويشمل تجنّب التجمّع الانسحاب من الحفلات أو الأنشطة المشتركة وتجنّب الحديث إلى الآخرين والهروب من العلاقات الجديدة، قد يصل إلى الاعتماد على وسائل النقل الخصوصية خوفاً من التجمع في سائل النقل العامة، أو الانسحاب من المدرسة أو الدورات التدريبية خوفاً من النقد العلني.

2- تجنّب العمل مع الفريق: لا يستطيع المصاب باضطراب التجنبية العمل ضمن الفريق بسهولة، لذلك نجده غالباً يتجنّب العمل في بيئة جماعية ويفضل نوع المهام التي يتولاها من الألف إلى الياء، وذلك لأنه يشعر بانعدام الكفاءة ويخشى من النقد والإساءة.

3- التردد في العلاقات الاجتماعية: قلة الثقة بالآخرين واحدة من سمات الشخصية التجنبية، لكن ليست قلة الثقة ما تجعل الاجتنابي متردداً بعلاقاته؛ وإنما خوفه الدائم من الرفض هو ما يجعله أقل إقداماً على علاقات جديدة، حيث يأخذ وقتاً طويلاً في محاولة الحصول على قبول مسبق من الآخرين قبل أن يدخل معهم في حديث عابر.

4-  تجنب الاحتكاك الجسدي: وقد تصل رغبة الشخص بتجنب الاحتكاك الجسدي إلى التحفظ الكبير حتى في العلاقة الزوجية.


أسباب الشخصية الاجتنابية

اضطراب الشخصية التجنبية يصيب الرجال والنساء على قدم المساواة، علماً أنه لا يعد من الاضطرابات النفسية أو العقلية الأكثر شيوعاً (راجع أكثر الاضطرابات العقلية والنفسية شيوعاً في العصر الحديث).
وما زالت أسباب الإصابة باضطراب الشخصية المتجنّبة مجهولة، مع وجود مجموعة من العوامل التي يرجح وجود صلة بينها وبين هذا الاضطراب أبرزها[4]:

- تجارب الطفولة المبكرة: يعتقد الباحثون أن تجارب الطفولة المبكرة قد تكون ذات صلة باضطراب الشخصية التجنبية، فانخفاض الرعاية العامة والتعرض لإساءة المعاملة والإهمال العاطفي والسياق التربوي غير الداعم أو المحبط إضافة إلى التقليل المستمر من القيمة الذاتية والتعرض للانتقاد السلبي من الأهل ومقدمي الرعاية؛ كل ذلك يجعل الطفل يطوِّر شخصية تتجنب المواقف المختلفة كوسيلة للتكيّف.

- المظهر الخارجي: من جهة أخرى يتم الربط بين ما يتعرض له الإنسان من مشاكل صحية كفيلة بتغيير المظهر الخارجي وبين الشخصية التجنبية.

- الفئة العمرية: غالباً ما يظهر اضطراب الشخصية المتجنبة في مرحلة متقدمة من المراهقة بشكل واضح، ويعتقد أن الاضطرابات المصاحبة للمراهقة مثل القلق والاكتئاب قد تلعب دوراً في ترسيخ سلوك تجنب المواقف الاجتماعية.

- عوامل وراثية: على الرغم من عدم وجود أدلة كافية إلا أن العوامل الجينية والوراثية قد تلعب دوراً أيضاً برفع فرص الإصابة باضطراب الشخصية الاجتنابية.


آثار اضطراب الشخصية التجنّبية

جميع الاضطرابات النفسية تنعكس على الحياة الاجتماعية والأداء المهني بشكل واضح، وفي حالة اضطراب الشخصية الاجتنابية فإن الآثار الاجتماعية تكون عميقة وواضحة وخطيرة لأن الأصل في هذا الاضطراب هو الابتعاد عن التجمع وتجنّب التجارب والمواقف المختلفة، ما يعني تضييق الدائرة الاجتماعية قدر الممكن[5].
وينعكس اضطراب الشخصية التجنبية على أداء المريض لمهامه اليومية العادية من مهام أسرية ومهام وظيفية، ويقلل كفاءة الفرد وقدرته على التعلم واكتساب المهارات الجديدة، كما يكون هذا الاضطراب مسؤولاً في بعض الحالات عن الامتناع عن الجنس نتيجة تجنب الاحتكاك الجسدي من جهة والخوف من الرفض والنقد من جهة أخرى.


التعايش مع اضطراب التجنّب

إلى وقت قريب لم يكن اضطراب الشخصية التجنبية قد حظي بالدراسة اللازمة أو الاهتمام الكامل لأن معظم الباحثين والدارسين وضعوه كمظهر من مظاهر الرهاب الاجتماعي أو غيره من الاضطرابات المشابهة، كانت نقطة البداية هي التأكيد على أن اضطراب الشخصية التجنبية هو اضطراب مميز مستقل منفصل ومغاير لاضطراب الرهاب الاجتماعي[6].
وفي واحدة من الدراسات المهمة والسبَّاقة لفهم التعايش مع اضطراب التجنب[7] قام الباحثون باستجواب مجموعة من المرضى الذين يتلقون العلاج من اضطراب التجنّب، وخلص الباحثون إلى أن الشخصيات المتجنبة تجد الراحة في الوحدة والعزلة، ويشعرون بالخوف من المواجهة أو التعامل مع الآخرين بالتزامن مع الشوق لتحقيق الذات والاندماج الاجتماعي، كما وصف معظمهم الوحدة أنها مريحة لكنها خانقة في نفس الوقت[8].


علاج اضطراب الشخصية التجنبية

كمعظم اضطرابات الشخصية فإن الشخص المضطرب يميل إلى التعايش مع المشكلة ويتجنب طلب المساعدة النفسية، إما لعدم إدراكه مدى الخطورة أو لأنه لا يثق بتقنيات العلاج النفسي أنها قادرة على جعل الأمور أفضل، وعادة ما يلجأ المصابون باضطراب الشخصية المتجنبة إلى العيادة النفسية لعلاج مشاكل محددة أكثر من رغبتهم بالحصول على علاج شامل للاضطراب، وهذا ما يعتبر عائقاً في وجه علاج هذا النوع من الاضطرابات عموماً.
من جهة أخرى فإن علاج اضطراب الشخصية المتجنبة يستهدف تقليل الأعراض وتعزيز سلوك المواجهة، ما يعني أن بعض مظاهر  الاضطراب ستبقى حاضرة وخاصة الخجل العام، لكن من شأن العلاج أن يقلص الرغبة بالهروب وتجنب المواجهة، وأن يساعد المريض على الاندماج وانتهاج آليات تكيّف جديدة تزيد من كفاءته الاجتماعية واستقراره النفسي[9].
وعادة ما يكون العلاج السلوكي المعرفي وجلسات العلاج النفسي والعلاج الجماعي والتدريب على بعض المهارات الحياتية هي الأساليب الناجعة، وقد يستعين المعالج ببعض الأدوية المضادة للقلق الاكتئاب كعلاج مساعد.


المصادر والمراجع

[1] تعريف اضطراب الشخصية التجنبية في DMS 5،. منشور في emedicine.medscape.com، تمت مراجعته في 13/6/2091.
[2] تحميل الدليل. الإحصائي التشخيصي للاضطرابات العقلية والنفسية DMS 5.
[3] مقال الدكتور Joseph Goldberg. "اضطراب الشخصية التجنبية"، منشور في webmd.com، تمت مراجعته في 13/6/2091.
[4] مقال الدكتور Kathleen Smith. "اضطراب الشخصية المتجنبة" منشور في psycom.net، تمت مراجعته في 13/6/2091.
[5] مقال."اضطراب الشخصية المتجنبة، الإحصاءات، الأعراض والآثار الجانبية" منشور في addictionhope.com، تمت مراجعته في 13/6/2091.
[6] دراسة Lisa Lampe and Gin S Malhi.بهدف تمييز التجنب عن غيره من الاضطرابات "اضطراب الشخصية المتجنبة: الأفكار الحالية"، منشور في ncbi.nlm.nih.gov، تمت مراجعته في 13/6/2091.
[7] دراسة Kristine D. Sørensen.وآخرين "تكافح لتكون شخصاً: تجربة التعايش مع اضطراب الشخصية المتجنبة"، منشور في مجلة علم النفس العيادي وموقع onlinelibrary.wiley.com، تمت مراجعته في 13/6/2091.
[8] مقال Christian Jarrett.مراجعة لدراسة Kristine D. Sørensen حول تجربة التعايش مع اضطراب التجنب، منشور في digest.bps.org.uk، تمت مراجعته في 13/6/2019.
[9] مقال Arlin Cuncic والدكتور Steven Gans."أعراض وملامح اضطراب الشخصية المتجنبة" منشور verywellmind.com، تمت مراجعته في 13/6/2091.
 

ذات علاقة