تبدأ تجربتنا مع التَّعلُّق العاطفي بالأشخاص والأشياء من مرحلة الطفولة المبكرة، فمن التطورات النمائية المهمة في حياة الرضيع ظهور علامات التَّعلُّق العاطفي بالأشخاص المحيطين به الأكثر قرباً، وفيما يعاني بعض الأطفال والرضع من اضطرابات التَّعلُّق المتمثِّلة بفقدان القدرة على بناء الرَّوابط العميقة مع الأهل؛ يعاني المراهقون والكبار من مشكلة أكثر تعقيداً هي التَّعلُّق المرضي أو الارتباط المريض بالأشخاص.
في هذا المقال؛ نحاول أن نناقش أسباب التَّعلُّق المرضي وسمات الشخصية الاعتمادية، أشكال التَّعلُّق المرضي، وكيف يؤثِّر التَّعلُّق المرضي على حياتنا، وكيفية التخلص من التَّعلُّق المبالغ به بالأشخاص، وغيرها من المعلومات عن اضطراب التَّعلُّق العاطفي المرضي.
 


ذات صلة


ما هو التَّعلُّق العاطفي المرضي؟

كما ذكرنا فإن التَّعلُّق هو أحد أهم التَّطورات النَّفسية التي يشهدها الأطفال في مراحل مبكرة، بل أنَّ التَّعلُّق من صفات الحيوانات أيضاً، لكن التَّعلُّق المرضي هو حالة نفسية موصوفة، تعرف أيضاً باسم اضطراب الشخصية الاعتمادية أو الشخصية الاتكالية أو التابعة Dependent Personality Disorder اختصاراً DPD.
حيث يتصف الشخص باعتماده على غيره اعتماداً شبه كامل في تحقيق حاجاته العاطفية أو الجسدية، بكلمات أخرى فإن من يعاني من التَّعلُّق المرضي أو اضطراب الشخصية الاتكالية ينظر إلى نفسه أنه غير قادر على الاستمرار دون وجود شخص أو أشخاص في حياته، هذا الاعتقاد يجعله خاضعاً إلى الشخص موضوع التَّعلُّق خضوعاً كاملاً في تخطيط حياته اليومية والمستقبلية.
عادة ما يترافق التَّعلُّق المرضي مع خوف هستيري من الانفصال أو الهجر أو الفقدان، وفي بعض الحالات يؤدي الانفصال عن الشخص الآخر إلى أزمات نفسية عميقة، لكنه في حالات أخرى قد يكون سبيلاً للشفاء من التَّعلُّق المرضي وإن كان سبيلاً وعراً.

الاتكالية المادية والاتكالية النفسية
من الضروري الفصل بين مفهوم الاتكالية كمصطلح نفسي مقيَّد، وبين الاتكالية كصفة عامة،
فقد يصح أن نقول عن الزوج الكسول أنه اتكالي لكنه ليس بالضرورة مصاباً باضطراب الشخصية الاعتمادية، كما أن الشخص المصاب بالتَّعلُّق المرضي ليس بالضرورة اتكالياً فيما يتعلق باحتياجاته المادية أو العملية.
مثلاً؛ قد تكون الزوجة موظفة في منصب يحقق لها ضعفي مرتب زوجها، لكنها في نفس الوقت غير قادرة على اتخاذ قراراتها الشخصية بشكل منفرد، وغير قادرة على معارضة آراء الزوج خوفاً من خسارته، وتعاني من هوس الانفصال وتعتقد بشكل يقيني أنها لن تتمكن من الاستمرار في حياتها دونه، ربما سيكون ذلك أوضح عند الحديث عن أعراض اضطراب الشخصية الاعتمادية.
 

ذات علاقة


أعراض التَّعلُّق المرضي

السمة الرئيسية للشخصية الاعتمادية أو التي تعاني من التَّعلُّق المرضي بالآخرين هو عدم ثقة الشخص بقدرته على اتخاذ القرار بشكل منفرد، وشعوره الدائم أن قدرته على البقاء متعلقة بشخص آخر، ما يترك عنده خوفاً عميقاً من الخسارة، ويمكن تلخيص الأعراض المصاحبة لاضطراب الشخصية الاعتمادية أو الاتكالية كالآتي:
- لا يستطيع أن يأخذ قرارات منفردة مهما كانت صغيرة، ويعتقد أن هناك من هو أفضل منه في اتخاذ هذه القرارات، لذلك نجده يصرّ على الاستشارات في أبسط الأمور كاختيار الثياب.
- دائم التهرب من المسؤولية، ويلجأ دائماً إلى غيره ليتحمَّل المسؤولية بالنيابة، وذلك لا يكون بدوافع انتهازية وإنما لتثبيت العلاقة الاعتمادية الاتكالية وتعزيز سلطة الآخر.
- يمكن أن يقوم بالكثير من التصرفات التي تتنافى مع أفكاره ورغباته في سبيل استمرار الدعم العاطفي من الآخرين، فالشخصية الاعتمادية أكثر قابلية للرضوخ للابتزاز العاطفي والتهديدات.
- تقديم تنازلات غير مبررة لإثبات حالة التبعية والخضوع.
- الخوف الدائم والمرضي من الهجر أو الانفصال أو الفقدان.
- الشعور بالعجز الخوف من المضي منفرداً في أي شيء.
- الخوف الدائم من الوحدة.
- الحساسية المفرطة تجاه النقد حيث يعتبر النقد تهديداً للطمأنينة، والخوف من الرفض.
- الخوف الدائم من التعبير عن الآراء أو اتخاذ مواقف مستقلة، على أن يكون هذا الخوف نابعاً من خشية الخسارة وليس خوفاً من العقاب أو ردة الفعل العنيفة.
- انخفاض قدرة الأشخاص الذين يعانون من التَّعلُّق المرضي على البدء بمشاريع أو أعمال.
 

أشكال وأسباب التَّعلُّق المرضي

عادة ما تظهر علامات التَّعلُّق المرضي والشخصية غير المستقلة في مراحل المراهقة المبكرة، وعلى الرغم من عدم وجود أسباب مؤكَّدة لهذا الاضطراب إلا أن هناك بعض الحالات التي يرجَّح أن تكون أكثر عرضة لانعدام الاستقلال، مثل الأطفال الذين عانوا من أمراض مزمنة في الطفولة تحتاج لرعاية استثنائية أو الذين عاشوا في ظل حماية مفرطة أو الذين اختبروا الخوف من الانفصال والهجر في مراحل مبكرة من عمرهم وتعرضوا لحالات مزمنة من الابتزاز العاطفي.
ويعتقد أن المبالغة بحماية الأطفال تشكل حجر الزاوية في الكثير من حالات التَّعلُّق المرضي، فحرمان الطفل من تحمُّل المسؤولية والإفراط في تقديم الرعاية يؤدي إلى تنمية شعور الطفل بحاجته إلى الآخرين للقيام بأبسط الأمور، هذا ما يحصل عندما ترى الأهل يحافظون على طقس اختيار الثياب وتحديد الأولويات البسيطة في حياة أبنائهم حتى مرحلة متأخرة من المراهقة، ثم يحرمون أطفالهم الكبار من حق اختيار التخصص الجامعي والمهنة وشريك الحياة ومكان السكن وكل القرارات المصيرية منها وحتى اليومية.
وعادة ما تنحصر أشكال التَّعلُّق المرضي بالأشخاص الأكثر صلة وقرباً، مثل الأبوين أو الأخوة أو الشريك العاطفي، ولا يوجد أي شروط محددة لهذا التَّعلُّق مثل الجنس أو العمر، وفي حال فقدان موضوع التَّعلُّق لسبب ما غالباً ما يكون صاحب الشخصية الاعتمادية سريعاً للغاية في إيجاد البديل.
 

علاج التَّعلُّق المرضي

في حالات التَّعلُّق الزائد تحت المرضي قد يتمكن الشخص من تجاوز الأمر ذاتياً من خلال تجربة الاعتماد على الذات ومحاولة التخلي عن مساعدة الآخرين أو كما يحصل عند المرور بتجارب الفقدان والهجر حيث يكتشف الشخص أنَّه قادر على إدارة أموره بنفسه دون الحاجة إلى الآخرين.
أما في حالة التَّعلُّق المرضي فلا بد من تدخل علاجي تخصصي، وعادة ما يلجأ الأطباء والمعالجون إلى العلاج السلوكي المعرفي، حيث يحاول المعالج أن يصل إلى جذور وأسباب المشكلة، وذلك لتغيير العلاقة بين السبب والنتيجة، وتغيير نظرة الشخص إلى نفسه وإلى علاقاته بالآخرين، وتهدف جلسات العلاج أيضاً إلى إعادة بناء ثقة الشخص بنفسه وقدراته.
من سوء الحظ أن من يعاني من اضطراب الشخصية الاعتمادية نادراً ما يلجأ للمعالج النفسي ما لم يتعرض لتجربة الفقدان أو الهجر، لأنّه بطبيعة الحال يكون مرتاحاً ومتصالحاً مع الحالة إلى أن يقفد موضوع التعلُّق، لكن من حسن الحظ أن أصحاب الشخصية الاتكالية أو التابعة يُظهِرون بطبيعتهم التزاماً كبيراً بحضور جلسات العلاج كما يلتزمون بشكل كبير بالتعليمات بسبب طبيعة شخصيتهم المنصاعة والتابعة، ما يساعد بشكل كبير على التعاون بين المعالج والحالة.
كما يولي المعالج أهمية كبرى للتحدث مع أهل المريض والأشخاص المقربين منه لأن طريقة تعاملهم معه تعتبر جزءاً لا يتجزأ من المشكلة، وقد يقوم الطبيب النفسي بوصف بعض مضادات الاكتئاب كمساعد على العلاج.
 

الاعتمادية المشتركة

من التطورات التي رصدها علم النفس للتعلق المرضي هو اضطراب الاعتمادية المشتركة Co-Dependency وهو شكل مختلف بالظاهر عن الشخصية الاتكالية التي تحدثنا عنها، لكن في الجوهر هناك الكثير من الصفات المشتركة بين الحالتين.
عادة ما تظهر الاعتمادية المشتركة في العائلات التي يعاني أحد أفرادها من الإدمان أو من الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى رعاية خاصة، أو حتى وجود شخص مضطرب نفسياً بشكل واضح.
ويكون الشخص المصاب بالاعتمادية المشتركة متعلقاً بشخص آخر يمارس سلوكاً سيئاً أو قهرياً، كما يحصل بين الزوج المدمن على الكحول عندما تصر زوجته على البقاء معه ودعم سلوكه السيء، وتقدم الكثير من التنازلات وتحتمل المزيد من سوء المعاملة.

أخيراً... كلما انتبه الأهل والمربون إلى ظهور أعراض وعلامات اضطراب الشخصية الاعتمادية على الأطفال والمراهقين بشكل مبكِّر كلما كان العلاج أسهل، في المراحل المتقدمة يتطلب العلاج فترة طويلة، وتزداد فرص الارتكاس فيما بعد عند التعرض لضغط زائد أو صدمة نفسية.