يعتبر التكافؤ بين الزوجين واحد من المنطلقات الأساسية لزواج الصالونات والزواج التقليدية، وذلك أن الزواج المخطط مسبقاً يقوم على تحقيق التكافؤ الطبقي والاجتماعي والعلمي كوسيلة لتحقيق استقرار الأسرة على المدى الطويل.
لكن هناك الكثير من العوامل التي قد تجعل المقبلين على الزواج يهملون التكافؤ والتوازن بينهم، مثل قصص الحب أو الزيجات الانتهازية أو غيرها من الحالات.
فما هي أهمية التكافؤ بين الزوجين وما هي مجالات هذا التكافؤ؟ وكيف يؤثر عدم التكافؤ بين الزوجين أو تفوق أحد الزوجين على الأخرى في مجال من المجالات على حياتهما وخياراتهما التربوية؟ ثم هل هناك سبيل لردم الهوة وتقليص الفجوة في الزواج غير المتكافئ؟
 


ذات صلة


مفهوم الزواج المتكافئ

على الرغم من بساطة مفهوم التكافؤ بين الزوجين إلَّا أنه يتعرض للكثير من الخلط والفهم الخاطئ نتيجة لحساسية قضية المساواة بين الزوجين أو المساواة بين الرجل والمرأة، ومن هنا تبدو أهمية توضيح الفروق البسيطة بين التكافؤ والمساواة أو المطابقة.
أولاً التكافؤ هو تساوٍ من حيث القيمة مع اختلاف الشكل، أي أن التكافؤ لا يعني التطابق بأي شكل من الأشكال، فتكافؤ الفرص مثلاً يعني أن تكون الفرص متاحة للجميع بنفس الدرجة مع اختلاف نوعية الفرصة.
في ضوء هذا التوضيح يمكن القول أن التكافؤ بين الزوجين يعني أن يكون كلاهما في مستوى متقارب على الأقل في مختلف النواحي والمجالات، كالتعليم والطبقة الاجتماعية والجمال وغيرها من مجالات التكافؤ الزوجي، ما يعني بطبيعة الحال أن التكافؤ بين الزوجين لا يلغي الفروق بين الذكر والأنثى، ولا يؤدي إلى خلط الواجبات الزوجية والأسرية والتربوية المنوطة بكل منهما، ولا يعني أن يكونا نسخة عن بعضهما.
 

ذات علاقة


التكافؤ بين الزوجين في الإسلام

قبل أن نخوض بسرد معايير وأوجه التكافؤ بين الزوجين من وجهة اجتماعية؛ رأينا أنه من المهم الاطلاع على مفهوم التكافؤ بين الزوجين في الإسلام، فعلى الرغم من أوجه الخلاف الكثيرة بين الفقهاء في تحديد أوجه التكافؤ بين الزوجين إلا أنه يعطينا فهماً لأهمية التكافؤ الزوجي في الإسلام.
ذهبت جماعة من الفقهاء للقول أن الكفاءة مطلوبة في الزواج  في الدين والحرفة (أن تكون حرفة الزوج في مرتبة حرفة أهل زوجته) والنسب (فقيل العرب أكفاء العرب)، وذهب ابن حزم لحصر الكفاءة بين الزوجين بالدين والعفة، فكل مسلم يحق له أن يتزوج من أي مسلمة ما لم يكن أحدهما زانياً[1].
والرأي الأكثر شيوعاً هو اعتماد الكفاءة بالدين والاستقامة والخلق لقوله ﷺ "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنْكِحوه"، ومعظم القوانين لا تقيم التكافؤ بين الزوجين في شروط الزواج عملاً بالرأي القائل أن التكافؤ بين الزوجين ليس شرطاً معتبراً، ما خلا قضية فارق السن حيث تنص بعض القوانين على ترجيح رأي القاضي الشرعي إن كان فارق السن كبيراً بين طالبي الزواج.
 

معايير التكافؤ بين الزوجين

عادة ما يكون الزواج التقليدي أسهل في اختبار مدى التكافؤ بين الزوجين قبل الزواج، ذلك أن الزواج التقليدي يعني وجود خيارات عديدة ومفاضلة بين هذه الخيارات، وأمّا الزواج الناتج عن علاقة حب قد يفتقر إلى اختبار التكافؤ لأن الحب أعمى كما يقولون!، هذا لا ينفي طبعاً أن عدم التكافؤ بين الزوجين قد يكون قراراً مسبقاً في البحث عن زوجة، وهو ما نسميه استغلال عدم التكافؤ.
    
بعيداً عن نوع الزواج يمكن تحديد أهم مجالات التكافؤ بين الزوجين على الشكل التالي:

التكافؤ الاجتماعي بين الزوجين
في معظم المجتمعات وخاصة الأكثر ترابطاً يعتبر التكافؤ الاجتماعي المعيار الأهم في اختيار شريك الحياة، يشمل التكافؤ الاجتماعي الطبقة الاجتماعية والاقتصادية والسمعة والصورة الاجتماعية العامة، وكلما صعدنا في الهرم الاجتماعي كلما وجدنا اهتماماً متزايداً بتحقيق التكافؤ.
وينتج عن الزواج غير المتكافئ اجتماعياً مجموعة من العقبات والآثار السلبية خاصة في مجالات التربية والعلاقات الاجتماعية العامة.

التكافؤ الصحي والجسدي بين الزوجين
حيث يتمتع الزوجان بمستوى صحي متكافئ أو متقارب على الأقل، هنا تكمن أهمية المصارحة في فترة ما قبل الزواج حول وجود أي عيوب أو مشاكل صحية مزمنة، بل أن البعض يحاول معرفة القصة المرضية لعائلة شريك المستقبل بشكل مسبق خوفاً من انتقال الأمراض الوراثية للأبناء.
ويميل البعض إلى وضع التكافؤ الجنسي بين الزوجين في نفس الخانة مع التكافؤ الصحي والجسدي، حيث يتمتع الزوجان بميول جنسية متكافئة أو متقاربة على الأقل، ولا يملك أحدهما ميلاً أو انجذاباً جنسياً مغايراً، إضافة إلى التكافؤ بالرغبة الجنسية والتناغم في العلاقة.
وعادة ما يشكّل عدم التكافؤ الجنسي بين الزوجين واحدة من العقبات الأكبر في العلاقة الزوجية، خاصة إذا كانت المشكلة تتعلق بوجود ميول شاذ أو انجذاب جنسي غريب أو تفاوت في الرغبة.

تكافؤ السن عند الزواج
يخضع فارق السن الأنسب بين الزوجين لمجموعة كبيرة من المعايير الاجتماعية والشخصية (راجع مقالنا عن فارق السن بين الزوجين)، فالتكافؤ هنا قد يكون خاضعاً إلى تلك المعايير أكثر من كونه تكافؤاً مطلقاً، كما أن الآثار السلبية والإيجابية لعدم تكافؤ السن بين الزوجين أكثر مرونة وتتعلق أكثر بشخصية الشريكين، ما عدا المشاكل الصحية وتفاوت الخبرات الحياتية الناتج عن الفارق الكبير بالسن بينهما، كما تبين الدراسات أن فارق العمر بين الزوجين يتحكم بعدد الأطفال وجنسهم وتكافؤ الخصوبة على مدى الزواج[2].

التكافؤ بالمظهر الخارجي بين الزوجين
نسمع كثيراً عن تفضيل الأخلاق والنبل والحب على الشكل، لكن الحقيقة أن التكافؤ بالمظهر والشكل الخارجي بين الزوجين ليس أمراً تافهاً أو غير مهم، فمعظم الشعارات التي نطلقها قبل الزواج تضمحل خلال السنة الأولى أو الثانية بأحسن الأحوال، وتظهر بدلاً منها المعايير العملية التي يعتبر الشكل والمظهر جزءاً أساسياً منها.
والتكافؤ بالمظهر لا يعني أن يكونا متطابقين، بل أن يكون فارق الطول بينهما منطقياً مثلاً، وأن يكون كلاهما يتمتع بقدر متقارب من الوسامة، وأن يهتم كلا الزوجان بمظهرهما بمستوى متقارب، قلا يكون أحدهما شديد الأناقة –والأناقة لا علاقة لها بالجمال- والآخر شديد الإهمال لمظهره، انظر مثلاً هذه القصة المطروحة في مجتمع حلواها بعنوان (ساعدوني كيف أتغلب على مظهر زوجي القبيح وأن أتقبله؟).

التكافؤ العلمي والثقافي بين الزوجين
أي أن يكون الزوجان في الدرجة العلمية نفسها بغض النظر عن الاختصاص أو النظرة الاجتماعية للاختصاص، فالتكافؤ التعليمي بين الزوجين لا يعني أن يكونا طبيبين أو محاميين، بل يعني أن يكونا في نفس الدرجة تقريباً، أو أن يكون الشريك الذي لم يستطع الحصول على شهادة جامعية قد حصل على ما يغنيه عنها ويجعله مكافئاً لشريكه.
وتبدو أهمية التكافؤ العلمي بين الزوجين واضحة في العملية التربوية للأبناء كما تنعكس بشكل كبير على التكافؤ الوظيفي في حال كان كلاهما على رأس العمل.
من جهة أخرى فإن التكافؤ بالمستوى الثقافي والمعرفي لا يقل أهمية عن التكافؤ العلمي بين الزوجين بل يتخطاه، فنظرة الزوجين إلى الرومانسية مثلاً تخضع إلى ثقافة كل منهما ومصادر هذه الثقافة، ونظرتهما إلى القضايا العامة كذلك الأمر.

التكافؤ الروحي بين الزوجين
برأينا أن التكافؤ على مستوى المعتقدات الدينية والروحية ومدى الالتزام به أمر بالغ الأهمية، لأن وجود تفاوت في المعتقدات الدينية أو مدى الالتزام بها واحترامها سينعكس غالباً على تربية الأطفال بالدرجة الأولى، فضلاً عن كون التفاوت الروحي بين الزوجين سبب رئيسي من أسباب الخلافات الزوجية العميقة والمزمنة.
ولا يشمل التكافؤ الروحي بين الزوجين الجانب الديني والإيماني فقط، بل أيضاً نظرة كل من الزوجين إلى القضايا الروحية العامة مثل علوم الطاقة وما وراء الطبيعة.

التكافؤ المالي والوظيفي
في مجتمعنا العربي قد لا يعتبر التكافؤ المالي والوظيفي نقطة مهمة في اختيار شريك الحياة، حيث ما زال الرجل في معظم المجتمعات العربية هو المسؤول عن تأمين احتياجات الأسرة حتى وإن كانت المرأة عاملة، وقد تظهر بعض المشاكل العميقة التي تنتج مباشرة عن عدم التكافؤ الوظيفي بين الزوجين (اقرأ مقالنا عن متلازمة تيمور وشفيقة والزواج التنافسي)، فزواج طبيبة من مدرس قد يخلق فجوة كبيرة بينهما خاصة بعد الإنجاب وتنامي احتياجات الأسرة المالية.
 

أهمية التكافؤ بين الزوجين

بعيداً عن التجارب الشخصية الناجحة للزواج غير المتكافئ والتي غالباً ما تجد طريقها إلى النجاح بسبب درجة عالية من الوعي والانضباط عند الزوجين ليست متاحة إلى لقلة نادرة؛ يمكن القول أن التكافؤ بين الزوجين هو بمثابة وضع حجر الأساس لعلاقة زوجية مستقرة وتأسيس أسرة سوية وتنشئة أطفال متزنين ومستقرين عاطفياً ونفسياً.
على سبيل المثال؛ في دراسة ميدانية في الجزائر[3] استهدفت رصد تأثير التكافؤ التعليمي بين الزوجين على تربية الأبناء؛ تبين أن هناك دور فعال وتأثير واضح لمدى تكافؤ أو تقارب المستوى التعليمي بين الزوجين على القيام بالأعباء التربوية، حيث يساهم التكافؤ التعليمي بين الزوجين بتوحيد نظرتهما التربوية وانتقاء الضوابط والأساليب التربوية المتناسقة وتجنب الوقوع في الصراع مع الأطفال أو النزاع فيما بينهما.
ويمكن أخذ هذه النتيجة كنقطة انطلاق لفهم أعمق لأهمية التكافؤ بين الزوجين، فوجود علاقة متكافئة بين الزوجين يضمن وجود بيئة أسرية مستقرة من جهة، كما أن التكافؤ يعزز الاحترام والتناغم حتى في غياب الحب من جهة ثانية.
 

سلبيات الزواج غير المتكافئ

إن الآثار السلبية لغياب التكافؤ بين الزوجين لا يمكن تجاهلها أو تخطيها بسهولة، خاصة إذا كان عدم التكافؤ بين الزوجين في أكثر من مجال واحد، ولنكون منصفين في تغطية الآثار السلبية لعدم التكافؤ بين الزوجين سنتناول جميع وجوه عدم التكافؤ الزوجي بالتفصيل الممكن.

عدم التكافؤ الاجتماعي بين الزوجين
إضافة إلى النظرة الاجتماعية التي قد تجرح الشريك الأدنى اجتماعياً؛ فإن عدم التكافؤ الاجتماعي بين الزوجين له آثار كبيرة وجوهرية في التفضيلات الشخصية والعادات الخاصة واختيار السياق التربوي، كما أن التفاوت في المستوى الاجتماعي قد يكون مأخذاً يتم استغلاله في الشجار والخلاف بين الزوجين.
بعض الأسر والعائلات تتعمد أن تختار شريكاً للشاب أو الفتاة من مستوى أدنى اجتماعياً لأن التكافؤ من وجهة نظرهم يضعف السلطة الذكورية، وهذا ينطبق على معظم أوجه التكافؤ حيث يكون التفاوت خياراً مسبقاً هدفه الحفاظ على سلطة الرجل في بيته.

عدم التكافؤ الصحي والجسدي بين الزوجين
معظم دول العالم تحاول أن ترسخ ثقافة الفحوصات الطبية قبل الزواج، والتي تشمل الكشف عن الأمراض السارية المعدية وغير المعدية والعوامل الوراثية خاصة في زواج الأقارب، وعلى وجه العموم فإن عدم التكافؤ الصحي والجسدي قد يجعل أحد الزوجين ممرضاً للآخر، وقد يعيق أحدهما عن القيام بالواجبات الزوجية المختلفة من السرير وحتى تأمين الاحتياجات المنزلية وغيرها، اقرأ مثلا القصة المطروحة في مجتمع حلوها عن عدم التكافؤ الاجتماعي والصحي والجنسي بعنوان (زوجي أقل مني بكل شيء، تعبت من حياتي الزوجية ماذا أفعل؟)
        
فارق السن عند الزواج
عدم تكافؤ السن عند الزواج مع وجود فارق كبير يؤدي إلى مضاعفة الأعباء على الزوج الأصغر غالباً، لكن فوارق السن غالباً ما تضمحل في ظل تفاهم عميق.

غياب التكافؤ الجنسي بين الزوجين
عدم التكافؤ الجنسي في مستوى الرغبة وفي التفضيلات الجنسية قد يؤدي إلى فتور عميق في العلاقة الزوجية سيؤثر على سياق العلاقة ككل، انظر مثلاً السؤال المنشور عبر مجتمع حلوها بعنوان (زوجي يرفض مجاراتي فيما أتمنى)، من جهة أخرى فإن عدم التكافؤ الجنسي بين الزوجين قد يكون مسوغاً يسوقه الطرف الخائن ليبرر خيانته.

عدم التكافؤ بالمظهر الخارجي بين الزوجين
من أكثر وجوه عدم التكافؤ تأثيراً على الحالة النفسية للزوجين، فالزوجة التي ترى أنها قبيحة وأن زوجها أجمل منها ستقع أسيرة انخفاض احترام الذات من جهة، وستشتعل فيها نار الغيرة لاعتقادها أن زوجها لا بد سيبحث عمَّن هي أجمل من جهة أخرى، وهذا ينطبق أيضاً على الزوج الذي يجد نفسه قبيحاً أو قصيراً أو غير جذاب، يضاف إلى ذلك التنمر الاجتماعي الذي يطال الشريكان.

عدم التكافؤ العلمي والثقافي بين الزوجين
أبرز آثار غياب التكافؤ التعليمي والثقافي بين الزوجين يتجلى باختيار السياق التربوي للأبناء، فكلّما كان المستوى التعليمي والفكري والثقافي متقارباً كلّما كانت الأساليب التربوية التي يتبعها الزوجان أكثر حكمة وتناسق مع مجمل حياتهما.
من جهة أخرى فإن عدم التكافؤ العلمي بين الزوجين يضخم مشاعر الدونية عند الطرف الأقل تحصيلاً، ما قد يدفعه لانتهاج أساليب وآليات للتعويض غالباً ما تكون متهورة خاصة إذا كان الطرف الأدنى هو الرجل في مجتمع ذكوري.

التفاوت الروحي بين الزوجين
الأديان المختلفة اهتمت بشكل استثنائي بانتماء الزوجين لنفس الدين، ذلك ليس فقط حرصاً على انتقال الدين إلى الأبناء وإنما تجنباً للتضارب أو التعارض بين التعاليم والقيم المختلفة التي تميز ديناً عن الآخر، لكن هذا لا ينفي وجود زيجات ناجحة على الرغم من اختلاف الأديان.
لكن التفاوت في النظرة إلى الدين والقيم الروحية ووجود قيم وتعاليم دينية مختلفة قد يكون منطلقاً للخلافات الزوجية العميقة وعاملاً سلبياً في التربية.

وقد قدمنا لكم مقالاً آخر عن آليات تحقيق التكافؤ الزوجي يمكنكم مراجعته من خلال النقر على هذا الرابط

على وجه العموم؛ كلما ازدادت المجالات التي ينعدم فيها تكافؤ الزوجين كلما أصبحت الحياة الزوجية أقل استقراراً، لكن وفي حالات خاصة يحسن الشركاء التعامل مع عدم التكافؤ بطريقة حكيمة من خلال تقليص الفجوات أو السيطرة على آثارها.
 

المصادر والمراجع

[1] فتوى 19166 في موقع إسلام ويب "الكفاءة المعتبرة في الزواج" تمت مراجعتها في 19/6/2019.
[2] دراسة Berenika Kuna وآخرين "تأثير فارق السن بين الوالدين على التكافؤ وعدد الأبناء" منشورة في onlinelibrary.wiley، تمت مراجعتها في 19/6/2019.
[3] دراسة أمينة فراجي جامعة العقيد آكلي محند أولحاج -بويرة- "تأثير تكافؤ المستوى التعليمي بين الزوجين على تربية الأبناء" رابط تحميل الدراسة، تمت مراجعتها في 19/6/2019.