تحدثنا في مقالنا السابق عن بعض الحيل والآليات الدفاعية في علم النفس، وأوضحنا مفهومها واستخداماتها، وقدمنا بالشرح المبسط بعض أشكال الحيل الدفاعية والتي تندرج تحت نوعية الحيل الدفاعية الانسحابية.
وفي هذا المقال نستكمل بعض الحيل الدفاعية الانسحابية كما نعدد بعض الحيل الدفاعية الأخرى والتي تندرج تحت نوعية الحيل الإبدالية.
 



تعد هذه النوعية من الحيل الدفاعية "الإبدالية" في معظمها حيلاً نافعة ووسيلة إيجابية إذا ما كان استخدامها في نطاق ومسار صحي، ويستخدمها الفرد بطريقة شبه واعية  للتغلب على القلق الناجم عن وجود رغبات لا يمكن تحقيقها في الوقت الراهن؛ فإذا استخدمناها بصورة غير سوية وبشكل أكثر من اللازم ستصبح ذات ضرر على الصحة النفسية، كما سيتضح من شرحنا لها في السطور القادمة. 

1- التسامي أو الإعلاء  sublimation 
وهو أن يرتفع الفرد بالدوافع التي لا يقبلها المجتمع إلى مستوي أعلى يستطيع من خلاله التعبير عنها بوسيلة مقبولة؛ فالفرد هنا يسمو بهذه الرغبة ويحاول تلبيتها والتنفيس عنها بطريقة مقبولة اجتماعياً كي يتجنب كبتها.
فنجد مثلا من يُقدم على توجيه ميوله العدوانية إلى رياضة من الرياضات العنيفة مثل الملاكمة؛ ونرى من يعبر عن مشاعره ورغباته الجنسية التي لا يمكن إشباعها في إطار يتقبله المجتمع ويسمو بهذه الرغبات عن طريق التعبير عنها بالرسم أو كتابة الشعر، ونرى من لم يتسنَ لها الزواج أو الإنجاب  تتجه إلى مهنة التدريس أو التمريض كي تشبع دوافع الأمومة الغريزية لديها.
ويعتقد فرويد أن التسامي كحيلة يعد علامة على النضج الذي يجعل الفرد يطلق رغباته بطرق مقبولة اجتماعياً.

2- التعويض  compensation
 وينتج التعويض من إخفاق في شيء ما، ويستخدم الفرد هنا المبالغة في شيء آخر بديلاً عن إخفاقه، أو كي يقوم بتغطية صفة ما بشخصيته لا ترضيه أو لا يرضى عنها المجتمع.
والأمثلة كثيرة على حيلة التعويض؛ فنجد شخصاً لا يرضى عن تكوينه الجسماني الضعيف فيقوم بتعويض هذا برفع صوته بطريقة مبالغ فيها؛ أو نرى فتاة تفتقر إلى الجمال فتحاول تعويضه بخفة الظل وإضفاء البهجة بين رفيقاتها، ونجد من فشل دراسياً يقوم بتعويض هذا الفشل بتفوق رياضي.

3- التعميم generalization 

وهو تعميم تجربة معينة على كل التجارب المشابهة لها أو القريبة منها، وتعد حيلة التعميم حيلة لا شعورية يلجأ إليها الفرد كي لا يكرر تجربة أليمة فيقوم بتعميم التجربة على كل ما يشبهها من تجارب لاحقة، إذ يقوم باستثناء فئة معينة من التعامل أو يمتنع عن الذهاب لبلد أو منطقة معينة حدث له فيها تجربة سلبية  .
وتعد آلية دفاعية غير سوية وغير مفيدة وتمنع الفرد من تجارب لاحقة  قد تكون ذات منفعة له.

4- التكوين العكسيreaction formation 

ويقوم الفرد هنا بسلوك معاكس تماماً لما يضمره بداخله من سلوك أو أفكار مقلقة ولا يقوى على التصريح بها حتى أمام نفسه، ويتسم السلوك العكسي بصفة المبالغة دائماً .
فنجد مثلاً أن المبالغة في التأدب وإظهار اللطف الزائد قد يطوي في باطنه عداوة لا شعورية تتخذ من اللطف تحايلاً لإخفائها ، كما ترى المدرسة التحليلية أنَّ التشدد الديني والمغالاة قد يكون فيه تكوين عكسي لرغبة في التمرد على القيم الدينية وإتيان النواهي.
وعلى الجوانب البسيطة في حيلة التكوين العكسي تجد الفرد الخائف داخلياً يغالي في إظهار سلوك الشجاعة!، وترى المهموم منكسر القلب يتخذ من النكات والضحك المستمر حيلة دفاعية يدرأ بها شعوره بالحزن.
كذلك نجد من تبالغ في إظهار الحياء ومن يبالغ في التأفف والاشمئزاز كلما طُرح موضوع الجنس؛ كل هذا يعتبر تكوين عكسي لرغبات جنسية مكبوتة.

5- التقمص أو الدمجidentification 

 وهو اندماج الشخص في شخصية الآخر، وتبدأ مع الطفولة في تقمص الطفل شخصية والده ليشعر بالقوة؛ وقد يتحد مع شخصية والده ويتقمص أفكاره ومشاعره وسلوكه؛ فإن كان الأب يولي اهتماماً بالعمل والكد يشب ابنه على ذلك وإن كان مزهواً بنفسه يشب ابنه على ذلك أيضاً.
كما أن التقمص كظاهرة تكون مميزة لمرحلة المراهقة، عندما يتقمص المراهق شخصية لنجم أو لاعب رياضي أو أحد المدرسين والذي يرى المراهق في شخصيته جانباً يفتقده، فيحاول بتقمص شخصيته أن يغطي جوانب الضعف التي تثير قلقه؛ فنراه يتحدث ويمشي ويتصرف بطريقة هذا النجم السينمائي أو هذا اللاعب... وعلى جانب آخر من الممكن أن يكون التقمص لجماعة ما أو لفريق ويتباهى بهذا ويشكل شخصيته بأفكار تلك الجماعة ويسلك سلوكياتها.
ويعد التقمص حيلة إيجابية لو اتخذها المراهق عاملاً لتطوير شخصيته، لكنه يعد خللاً في الشخصية في مراحل عمرية متقدم إذا لم يستطع المراهق تطوير شخصية مستقلة.
حيث يجب التفريق بين التقمص كحيلة دفاعية لا شعورية وبين أسلوب " النمذجة السلوكية" الذي يطبق على مستوى شعوري كي يكسب الفرد نفسه عادة جديدة أو يستخدم من قبل معالج سلوكي لإكساب الفرد ما يعد تطويراً لأداء أو تغييراً في سلوك .
وعلى مستوى آخر يكون التقمص سلوكاً مرضياً يستوجب العلاج النفسي في حالة مثل  التقمص بالمعتدي؛ وأيضاً في حالات المرض العقلي يظهر التقمص واضحاً جلياً كمن يتقمص شخصية نابليون وهتلر ويرتدي مثل ثيابهم ويتحدث مثلهم ويعيش في شخصية غير شخصيته.

6- الإزاحة  Displacement

هي حيلة كثيراً ما نمارسها؛ وهي حيلة يتبعها الفرد نتيجة انفعالات محبوسة لا يستطيع التعبير عنها، فيعيد توجيهها إلى أشخاص آخرين، فقد ترى امرأة توجه غضبها غير المبرر إلى البواب أو السائق لا لشيء سوى أنها غاضبة من زوجها ولا تقوى على التعبير عن انفعالها تجاهه؛ فتقوم بإعادة توجيه الانفعال نحو شخص آخر.

7- التفكيك أو العزل  Dissociation

و هي حيلة يجمع فيها الفرد بين سلوكيات متناقضة ولكنه يعزل كل سلوك بعيداً عن الآخر؛ فتشعر وكأنه إنسان مزدوج الشخصية، تراه يؤدى عباداته على أكمل وجه ومع ذلك يخدع ويغش في تجارته أو عمله؛ والطفل الذي يتصرف بسلوكيات عدوانية تجاه زملائه في المدرسة تجده في البيت لطيفاً مع إخوته، ومن البالغين من يجمع بين رغبات سن الراشدين وسلوكياتهم في بعض المواقف ومواقف أخرى  تبرز اتجاهات طفولية ورغبات حمقاء. 
ويعد العزل دليلاً على عدم تكامل الشخصية وانتظام سماتها في وحدة منسجمة الأجزاء، والعزل يشبه الكبت في كونهما خداعاً للذات ولكن الفارق أن الفرد يدرك وجود السلوكيات المتباينة داخله ولا يدرك ما بينهما من تناقض.

8- الانسحاب Withdrawal

من الحيل الانسحابية عندما يتخذ الفرد موقفا هروبياً؛ فيبتعد عن كل موقف محبط أو مقلق تجنباً للفشل بدلاً من مواجهة المواقف وخوض التجارب.
ويظهر الانسحاب في مواقف عدة منها إحجام شاب أو فتاة عن الحب أو الزواج تجنباً للفشل في العلاقة العاطفية؛  أو يكبت إعجابه بفتاة تجنباً وتخوفاً من رفضها لحبه وجرح مشاعره.
وقد تجد زوجاً يكثر من السهر أو السفر تجنباً للتواجد مع زوجته التي بات لا يكن لها أي مشاعر حب ولا يقوى على التعبير عن ذلك.
وتعد الخطورة في الانسحاب عندما يضطر الفرد للخوض في التجربة؛ فالطالب الذي يخشى الرسوب والفشل ولا يريد إكمال دراسته تضطره الظروف لإكمالها، وهنا ينسحب من أقرانه ويعيش إلى جوارهم وليس معهم، فلا يشاركهم شيء وينزوي عنهم، كذلك العامل والموظف الذي لا يرضى عن واقعه والمريض الذي فقد الأمل في العلاج أو أحس باقتراب الأجل؛ هؤلاء يتخذون من عدم الاكتراث واللامبالاة مهرباً لهم وتعبيراً عن موقفهم الانسحابي؛ كذلك نجد من يتخذ من أحلام اليقظة أو الإقدام على تناول المخدرات مهرباً له من عدم قدرته على مواجهة ظروفه  وتعبيراً عن الانسحاب من الموقف الضاغط، وليس هذا كل شيء فهنالك ظاهرة قد يراها بعض الناس سلوكاً حسناً مثل الطالب الذي يذاكر ليلاً ونهاراً أو الرجل الذى يهرب بالإسراف في العمل للهروب من واقعه وتسمى هنا بـ "ظاهرة الاحتماء بالعمل".

والشخصيات الانسحابية يصعب تكيفهم مع المجتمع؛ وإكسابهم المهارات الاجتماعية البسيطة اللازمة لانخراطهم في المجتمع، وعلى عكس الآباء يعتبر النفسانيون السلوك الانسحابي هذا أخطر وأصعب في التعديل من السلوك العدواني.

أخيراً... على الرغم أن معظم الآليات الدفاعية تعتبر جزء من تكوين النفسية الإنسانية نتبعها جميعاً في مواقف مختلفة وتنشط في فترات عمرية محددة أكثر من غيرها، وعلى الرغم أن الهدف من الآليات والحيل الدفاعية هو الحفاظ على التناغم النفسي والاستقرار ومعالجة المشاعر المكبوتة؛ إلا أن السحر قد ينقلب على الساحر عندما نفقد السيطرة على هذه الحيل ونستخدمها بإفراط.
فسلوك الانسحاب مثلاً سيجعلنا بلا شك أقل قدرة على التطور والتقدم، وحيلة التسامي قد تجعلنا أقل قدرة على فهم الدوافع الحقيقية للسلوك الإنساني وأقل قدرة على الاندماج في العالم الواقعي لأننا خلقنا عالماً سامياً موازياً، كذلك التقمص قد يؤثر بشكل كبير على بناء شخصية ذات سمات خاصة ومستقلة.
 

ذات علاقة