مع نهاية الشهر السابع من عمر الرضيع يبدأ بإدراك الغرباء والخوف منهم، وحتى أخر لحظة في حياة الإنسان سيبقى الخوف من التجارب الجديدة والأشياء غير المألوفة ملازماً له كجزء طبيعي من تفاعله مع الحياة من حوله، وهنا تأتي ضرورة التمييز بين الخوف الطبيعي من التجارب الجديدة والخوف المرضي أو رهاب الجديد نيوفوبيا.
في هذا المقال؛ نتعرّف وإياكم عن قرب إلى رهاب التجارب الجديدة والخوف المرضي من الجديد، ونوضّح الفرق بينه وبين الخوف الطبيعي من التجارب الجديدة، ونحاول أن نقدم بعض النصائح والحلول لمواجهة الخوف من التجارب الجديدة.
 



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- ما هو رهاب التجارب الجديدة
2- متى يصبح الخوف من التجارب الجديدة خطيراً؟
3- الخوف الطبيعي من الجديد
4- أسباب الخوف من التجارب الجديدة
5- لماذا يجب أن تخوض تجربة جديدة؟
6- تقنيات مواجهة الخوف من التجارب الجديدة
7- المراجع والمصادر


ما هو رهاب التجارب الجديدة

نيوفوبيا Neophobia؛ هي باختصار حالة من الخوف غير العقلاني من الأشياء الجديدة، سواء كانت أماكن جديدة أو أشخاص جدد أو تجارب جديدة أو أطعمة جديدة أو غيرها[1].
ويتخذ الخوف من الأشياء والتجارب الجديدة مستويات مختلفة، تبدأ عند الخوف الخفيف من الأشياء الجديدة الذي يطلق عليه أحياناً الإقامة في منطقة الراحة، وقد يتطور إلى مراحل شديدة تصبح رهاباً لا تقل حدته عن أنواع الرهاب المختلفة.


متى يصبح الخوف من التجارب الجديدة خطيراً؟

عادة ما يكون الخوف من الأشياء الجديدة طبيعياً لدى معظم الأشخاص، حيث يهاجمنا الشعور بالقلق عند محاولة الاندماج في مجتمع جديد أو دخول تجربة أو مغامرة جديدة، لكن في حالات نادرة يتحول الخوف من الأشياء الجديدة إلى رهاب أو فوبيا، وأشهر أنواع هذا الرهاب هو الخوف من الأطعمة الجديدة.
فعلى الرغم أن معظمنا يمتلك تفضيلات غذائية معينة وقد لا نرغب جميعاً بتجربة أطعمة غير مألوفة لأسباب مختلفة؛ إلا أن رهاب الأطعمة الجديدة عادة ما يرتبط بمرضى التوحد، ومرضى التصلب المتعدد، كما يعتبر الأطفال بين 3 إلى 7 سنوات أكثر عرضة لإظهار أعراض رهاب الأطعمة الجديدة كجزء من نموهم الطبيعي[2].
 أسباب الخوف غير العقلاني من الأشياء والتجارب الجديدة غير معلومة بدقة، وتلعب العوامل الوراثية والاجتماعية وسياق التربية دوراً في تطور حالات الرهاب من الشيء الجديد، وتتشابه أعراض هذا الرهاب مع غيره من أنواع الفوبيا من أعراض جسدية وانفعالية على شكل نوبات.
أما بالنسبة للحالات غير المرضية من تجنب التجارب الجديدة والخوف من الأشياء الجديدة فإن أوجه الخطورة مختلفة كما أن لها أسباب أكثر وضوحاً نتناولها فيما يلي.


الخوف الطبيعي من الجديد

في الفقرات السابقة تحدثنا عن الخوف من الجديد كحالة مرضية تتطلب علاجاً نفسياً متخصصاً ومنتظماً، وفيما يلي نتحدث عن الحالة الأقل شدة، وهي الخوف الطبيعي من التجارب الجديدة.
هذا الخوف الذي يصاحبنا عندما ننتقل من مدرسة إلى أخرى، أو من عمل إلى آخر، وهو الخوف الذي يمنعنا من تغيير مكان السكن والإقامة أو تغيير مصدر الدخل أو المهنة، أو يحول بيننا وبين تعلم لغة جديدة أو مهارات مختلفة عن مجال عملنا...إلخ.
وفيما يعتبر الخوف المرضي من الجديد حالة نادرة عند البالغين والكبار؛ يمكن القول أن الخوف الطبيعي من التجارب الجديدة حالة شائعة، فمن النادر أن نقدم على تجربة جديدة بالكامل دون الشعور العميق بالقلق والخوف، حتى أكثرنا شجاعة في خوض التجارب الجديدة يخبئ خلف شجاعته قلقاً عميقاً من التجربة الجديدة، لكنه يجيد السيطرة على قلقه والتحكّم به بشكل عملي.


أسباب الخوف من التجارب الجديدة

اتفقنا أن الخوف من التجارب الجديدة سمة عامة عند الإنسان وغيره من الخلوقات -فحتى الحيوانات تواجه المواقف الجديدة بحذر- إلا أن قدرتنا على التحكم بخوفنا هذا وتجاوزه تختلف من فرد لآخر، وتختلف عند نفس الشخص من مرحلة إلى أخرى، فما هي الأسباب التي قد تجعل من خوفنا هذا يعيق تقدمنا في مختلف مناحي الحياة.

الخوف من المجهول
الإنسان عدو ما يجهل؛ لذلك فإن مواجهتنا لتجربة جديدة نجهل نتائجها يجعلنا أقل رغبة بخوضها غالباً، فنحن نفضل التجارب ذات النتيجة المعروفة مسبقاً وإن لم تكن هذه النتيجة أفضل ما يمكن مقارنة بالتجارب مجهولة النتيجة[3].
ويعتبر الصراع الداخلي بين الفضول والخوف من المجهول صراعاً يدور داخل عقل كلٍّ من أمام باب مطعم جديد أو عند اختيار وجهة سياحية أو قراءة إعلان عن وظيفة شاغرة، فهل يفوز الفضول أم الخوف!.

منطقة الراحة
تحدثنا في مقالات سابقة عن منطقة الراحة وكيف يؤثر ميلنا إلى الروتين الثابت والآمن على خياراتنا اليومية والمصيرية، فالمكوث في منطقة الراحة حيث كل شيء هادئ وواضح ولا يحتاج للمجازفة أسهل بلا شك من خوض التجارب المختلفة والجديدة، لكن أيهما سيكون مثمراً أكثر؟!.

الخوف من الفشل
الخوف من الفشل مبحثٌ قائم بحد ذاته، فالخوف من الفشل في التجربة الجديدة قد ينتج عن عدم إدراك مهاراتنا وخبراتنا بشكل صحيح يمنحنا الثقة، أو عن سياق تربوي خاطئ يعزز التردد والخوف من الفشل، أو عن تجارب سابقة لم يكتب لها النجاح، وقد تحدثنا عن تحويل تجارب الفشل إلى جزء من النجاح في مقال سابق.
    
السمات الشخصية العامة
قد يكون الخوف من التجارب الجديدة جزءاً من تكوين الشخصية، وهذا لا يعني بالضرورة أن الشخص لا يخوض تجارب جديدة نهائياً أو أنه جبان أو مضطرب، لكن الأشخاص الحذرين بطبيعتهم يبحثون عن الأمان، والأشخاص الأكثر ميلاً للانطوائية قد لا يرغبون بتجربة أشياء جديدة دائماً، وقد تؤثر بعض الصفات مثل البخل على الرغبة بخوض التجارب الجديدة.


لماذا يجب أن تخوض تجربة جديدة؟

قبل أن نتحدث عن التقنيات التي تساعدنا على خوض التجارب الجديدة لا بد أن نتحدث عن الأسباب التي تدفعنا إلى التجارب الجديدة، وقد تناولنا أثر التجارب الجديدة على حياتنا في مقال سابق، ونوضح هنا أهم الأمور التي تجعل من التجربة الجديدة أمراً مهماً بالنسبة لنا[4]:

1- الندم على تفويت الفرصة: إن إحدى النتائج السلبية لخوفك من التجارب الجديدة هي الشعور المتجدد بالندم على تفويت الفرصة، حتى على مستوى الخيارات البسيطة كالذهاب في رحلة مع الأصدقاء إلى مكان أو نشاط جديد.

2- لتعرف ما هو جيد وما هو سيء: من دون التجربة لن تتمكن من معرفة الأمور والأشياء التي تسعدك وتلك التي تزعجك، فمن خلال الجرأة على التجارب الجديدة يمكنك توسيع قائمة تفضيلاتك باستمرار تعزيز معرفتك بذاتك.

3- التجارب الجديدة تعزز الثقة بالنفس: وذلك لأن التجربة الجديدة مهما كانت نتائجها ستمنحك المزيد من الخبرة والمعرفة والثقة.

4- ستصبح أكثر جاذبية: فخوض التجارب الجديدة وما تتركه لديك من معرفة وخبرة في أمور مختلفة يجعل منك شخصاً جذاباً اجتماعياً أكثر بكثير من الأشخاص الذين تمسكوا بروتين حياتهم لسنوات طويلة دون أدنى تغيير والذين لا يملكون ما يتحدثون عنه ويكون جديراً بالاستماع.

5- التجارب الجديدة جزء من النجاح: إن عبارات مثل لا أستطيع أو لا أعتقد أنه سيكون جيداً فعل كذا وكذا، وغيرها من العبارات التي تبرر هروبنا من التجربة الجديدة؛ جميعها تدفعنا نحو الفشل أو على الأقل تمنعنا من التقدم، وفي قراءة قصص النجاح ستجد أن جزءاً أساسياً من رحلة النجاح هو الإقدام على التجارب الجديدة.


تقنيات مواجهة الخوف من التجارب الجديدة

إذا كنت تعتقد أنك تعاني من مخاوف شديدة بمواجهة التجارب الجديدة إلى حد تظهر لديك أعراض الرهاب الجسدية والنفسية عند خوض تجربة جديدة؛ فلا بد من الذهاب إلى العيادة النفسية للحصول على الدعم اللازم في سبيل تبديد هذه المخاوف وعلاج الرهاب.
أما إذا كان خوفك من التجارب الجديدة في الحدود الطبيعية لكنه يسبب لك بعض المشاكل الاجتماعية أو يمنعك عن اكتساب المزيد من الخبرات ويجعلك نادماً على تفويت الفرص؛ فإليك بعض النصائح:

واجه مخاوفك: يعتبر العلاج بالتعرض واحداً من أنجح تقنيات علاج المخاوف وأنواع الرهاب المختلفة، وفي دراسة أجراها الباحثون على الفئران[5] تبين أن مواجهة المخاوف من شأنها أن تقلل من آثار الذكريات السلبية المرتبطة بذكريات معينة، حيث قام الباحثون بتعريض الفئران لصدمات كهربائية خفيفة داخل صندوق، وعند إعادة الفئران للصندوق دون وجود ما يخافون منه أظهرت الفئران في البداية استجابة مماثلة للمرة الأولى من الذعر والخوف، ومرة بعد أخرى استطاعت الفئران التخلص من مخاوفها.

حدد ما يخيفك: الحديث مع النفس هو الخطوة الأهم في مواجهة الخوف من التجربة الجديدة، حيث لا بد أولاً من تحليل خوفنا هذا وفهمه بشكل عميق، هل نخاف من التجربة الجديدة لأننا لا نرغب بكسر الروتين؟ أم أننا مررنا بتجربة فاشلة غيرت نظرتنا للأمور؟ أم ترانا فقط نخشى من ارتكاب الأخطاء أو التنمر؟...إلخ.

ابدأ تجارب بسيطة: إذا كنت تخاف من التجارب الجديدة فربما يجب أن تدرِّب نفسك على خوض مغامرات جديدة بالتدريج، ضع خطة لمجموعة من التجارب الجديدة البسيطة التي ستساعدك على كسر حاجز الخوف. 

تعرف إلى أشخاص مغامرين: إضافة إلى السمات الراسخة في الشخصية فإن الأصدقاء والأقران لهم تأثير كبير على تشجيعنا نحو التجارب الجديدة أو تعزيز خوفنا منها، لذلك عليك أن تختار أصدقاءك بعناية.

اطلب المساعدة: إذا كنت تعتقد أنَّك لا تستطيع تجاوز مخاوفك ذاتياً فمن الجيد أن تطلب الاستشارة والمساعدة من الأصدقاء والأهل ومن الاختصاصيين.


المراجع والمصادر

[1] صفحة. التعريف العيادي لرهاب الأشياء الجديدة في موقع medicinenet.com، تمت مراجعته في 9/6/2019.
[2] مقال. عن رهاب الأطعمة الجديدة، منشور في newbridge-health.org.uk، تمت مراجعته في 9/6/2019.
[3] مقال دكتور Alex Lickerman. حول تجربة الأشياء الجديدة، منشور على موقع psychologytoday.com، تمت مراجعته في 9/6/2019.
[4] مقال Kat George."ستة أسباب تدفعك لعدم الخوف من التجارب الجديدة"، منشور في bustle.com، تمت مراجعته في 9/6/2019.
[5] ملخص دراسة لمجموعة من الباحثين. حول العلاج بالتعرض ومواجهة المخاوف، منشورة في science.sciencemag.org، تمت مراجعته في 9/6/2019.
 

ذات علاقة