العقل الباطن والحب وبرمجة العقل الباطن في العلاقات العاطفية

العقل الباطن والحب، قوة العقل الباطن وعلاقته بالحب والمشاعر العاطفية، كيفية استخدام برمجة العقل الباطن في الحب، وتقوية الحب عن طريق العقل الباطن

العقل الباطن والحب وبرمجة العقل الباطن في العلاقات العاطفية

العقل الباطن والحب وبرمجة العقل الباطن في العلاقات العاطفية

يؤمن الباحثون اليوم أننا نعيش حياتنا بدفعٍ وتحفيزٍ كامل من العقل الباطن، وأننا نمتلك نسختين من حياتنا إن صح التعبير؛ نسخة نعيها ونفهمها ونتفاعل معها في وعينا، ونسخة لا نعرف عنها الكثير لكنها هي التي تؤثر بمشاعرنا وسلوكنا وترسم خطواتنا وتحدد طريقتنا بالاستجابة للعالم من حولنا، ما يعنى أن نسخة العقل الباطن واللاوعي هي النسخة الأساسية، ونسخة الوعي هي المختصر المفيد الذي نختبره على شكل سلوك ومشاعر ونتائج لما يجري خلف الكواليس "وراء الوعي".

وبطبيعة الحال فإن علاقات الحب ليست معزولة عن العقل الباطن، بل أن النظريات الحديثة تميل إلى وضع العقل الباطن بمثابة عرّاب الحب منذ اللحظة التي تبدأ عندها شرارة الحب واختيار الشريك، مروراً بكل تفاصيل العلاقة، وصولاً إلى نتائجها الإيجابية أو السلبية، كل ذلك يأتي من العقل الباطن، فما علاقة العقل الباطن بالحب؟ وكيف يؤثر عقلنا الباطن على الحب والخيارات العاطفية؟

تحدثنا في مقال سابق عن اختيار الجسد لشريك الحياة، ونحاول في مقالنا هذا أن نحلل دور العقل الباطن في البحث عن الحب وإيجاده، ودور اللاوعي في إدارة الحب والعلاقات العاطفية، ولا بد كبداية أن نحدد طبيعة العلاقة بين العقل الباطن والحب!

في الحقيقة يتداخل عمل العقل الباطن مع جميع مشاعرنا بطريقة درامية وخبيثة أحياناً، نحن لا نحب شيئاً ولا نكره شيئاً إلا وله أساس في عقلنا الباطن ونسخة كبيرة من المعطيات التي يحجبها اللاوعي عنّا ويعطينا النتيجة النهائية فقط، فحتى حبنا للأطعمة محكوم بالتجارب التي يختزنها العقل الباطن، ورغبتنا بعيش تجربة ما أيضاً تبدأ وتنتهي عند العقل الباطن.

هل فكرتَ مثلاً بسبب وجود سمات عامة مشتركة للميول العاطفية لدى شريحة كبيرة من الناس في وقتٍ من الأوقات؟! كاختلاف طبيعة الطموحات الرومانسية بين جيل السبعينات وجيل اليوم، هل تعتقد أن ذلك يتعلق بالوعي؟!
في حقيقة الأمر يقع الناس ضحية النمط، وتحت تأثير الأنماط التي ترسخها وسائل الإعلام والإعلان من مسلسلات وروايات وقصص، والأنماط التي يرسخها المقربون في أذهاننا من خلال التكرار وتعزيز الاستجابة، لذلك ستجد أن صورة الحبيب المنتظر متأثرة دائماً ببيئتنا وما تعرضه علينا وسائل المعرفة والنمذجة المختلفة، وذلك لأن العقل الباطن هو من يقوم برسم صورةِ هذا الحبيب استجابةً لمجموعة كبيرة من التجارب والمعلومات والبيانات.

خلاصة القول؛ أن العقل الباطن هو من يمتلك سلطة التحفيز والدفع نحو الدخول في علاقةٍ ما، والعلاقة بين العقل الباطن والحب علاقة لا يمكن منعها أو فصل تفاعلها، لكن من خلال بعض التقنيات يمكن السيطرة أكثر على تأثير العقل الباطن على الحب والخيارات العاطفية، سنتوقف مع هذه التقنيات والتمرينات لاحقاً، لكن دعنا أولاً نرصد تأثير العقل الباطن على اختيار الشريك وجذب الحب. [1]

تقول الخبيرة في موقع حلوها الدكتورة سناء عبده: " قد تتفاجأ بالقدرات التي نمتلكها ومن الطريقة التي يمكن أن ندير بها حياتنا إن ركزنا في أمر العقل الباطن والأوامر التي يمكن بثها للجزء اللا-واعي أو الباطني."

هل يؤثر العقل الباطن على جذب الحب واختيار الحبيب؟
"في اللحظة التي ترى فيها شخصاً وتنجذب إليه؛ يجب أن تبحث عن قوة عقلك الباطن"

عملية الانجذاب المعقدة هذه والتي لا يستطيع عتاة الطب النفسي تفسيرها بسهولة والاتفاق على ماهيتها؛ إنما تحدث كمحصِّلة لمجموعة كبيرة من الأفكار والمعتقدات والذكريات المخزّنة في العقل الباطن، فأنت لطالما بحثت عن هذا الإنسان، وكنت تجمع عنه الصور والمعلومات في عقلك الباطن، وترسم ملامحه وحتى تضع تصوُّراً لصوته ورائحته بطريقة أو بأخرى، وتراكِمُ البيانات التي تشكل تصميماً للشخص الذي تحبه.
وعندما يظهر أمامك -وإن كانت هناك فروق بين الأصل والتصميم- يقول لك عقلك الباطن "هو ذا... مرحى أنَّك وجدته أخيراً!"، ويبثُّ هذه الرسالة إلى جسدك على شكل أعراض جسدية تعرف بأعراض الحب، خفقان القلب وألم المعدة والتعرق والخجل والدوار والشعور العارم بالسعادة...إلخ، وما الاشتياق واللهفة إلّا رغبة جامحة من العقل الباطن لاختبار هذا الانتصار مجدداً!
 
هذا ليس تفسيراً للحب من النظرة الأولى بالضرورة، فحتى العلاقات التي تمر بمراحل متسلسلة قبل الوقوع في الحب ينطبق عليها ذات الأمر، فالوقوع بالحب هو استنتاج يقوم به العقل الباطن وفق معايير اجتماعية وعاطفية وجنسية مخزَّنة في برنامجه.
سيقال لك أن الانجذاب الجنسي هو جوهر الحب من النظرة الأولى، والتوافق الفكري والجسدي والعاطفي هو جوهر الحب الحقيقي، وسيقال لك أن التكافؤ هو السرّ، أو أنَّ اكتشاف المساحات المشتركة يخلق الحب، وسيقال لك أيضاً أن الحب يأتي من تأثُّرك بوالدك المغاير لجنسك -بالأب للفتاة، وبالأم للشاب- وأنّك تبحث عن صورة الوالد المغاير في شريك حياتك، وسيقال لك أن مفهوم الحب يتم بناؤه على أساس معارفك المبكرة عن العواطف والجنس؛ كل هذا صحيح ولا شيء منه صحيح!
لأن انجذابك نحو شخص والوقوع في غرامه عملية معقدة ومتداخلة من كل ما يقال لك عن الحب، وعقلك الباطن هو المكان الذي يدير هذه العملية ويعطيك النتائج النهائية -الوقوع في حب هذا الشخص دون غيره- لأنك تجد فيه فرصة لتحقيق توقعاتك ومخططاتك العاطفية الراسخة في نظام التشغيل الباطني. [2]

ستدرك قصدنا أكثر عندما تقرأ كيفية تأثير العقل الباطن على العلاقات العاطفية القائمة، وكيف يقودنا العقل الباطن إلى الإخلاص أو الخيانة، إلى الشجار أو التفاهم، تابع القراءة إن كنت مهتماً بتحسين إدارة حياتك العاطفية.

إذا كنا نتحدث عن العقل الباطن وعلاقات الحب القائمة؛ سنجد أن دور العقل الباطن مركزي وأساسي في الحفاظ على علاقة الحب أو إنهائها، بل أن العقل الباطن يتخذ قرارات مصيرية في العلاقات العاطفية، منها مثلاً قرارات الوفاء والخيانة! لنتعرف أكثر إلى تأثير العقل الباطن على الحب والعلاقات العاطفية القائمة من خلال النقاط التالية:

صورة العقل الباطن والحب

  1. العقل الباطن والخيانة العاطفية
    العقل الباطن يكره الخيانة! لكنه أيضاً يحتاج إلى البيانات والمعلومات اللازمة التي تحدد مدى التزام الشخص بعلاقته مع الآخر، فكلّما كانت العلاقة ملتزمة وعميقة وطويلة الأجل، كلّما عمل العقل على تجنيبنا الوقوع في الخيانة، أما عندما يكون الالتزام بين الشريكين ضعيفاً؛ فإن العقل الباطن يفسح المجال أمامنا للبحث عن خيارات أخرى بغض النظر عن الرابط القانوني مع الشريك، لأن العقل الباطن لا يقرأ عقود الزواج أو وعود العشاق، بل يقرأ المشاعر والأفكار ويعزّزها.
    فكِّر بعبارة "لا أرى أحداً سواك" هذا تماماً ما يفعله العقل الباطن، حيث تشير الدراسات أن الأشخاص الأكثر التزاماً في علاقاتهم العاطفية والزوجية يمتلكون قدرةً لا واعية على تجاهل الشركاء الجنسيين المحتملين، حيث يقوم العقل الباطن بتعزيز صورة الشريك العاطفي من جهة، وتقليل التميّز لدى أي شخص من الجنس الآخر من جهةٍ أخرى كي لا يكون شريكاً محتملاً! بمعنى أن عقلنا الباطن يقوم بحماية العلاقة العاطفية الملتزمة والعميقة من خلال تقليل فرص الانتباه والانجذاب إلى المنافسين من الجنس الآخر. [3]
  2. العقل الباطن منبع الخلافات العاطفية
    سواءً بين الأزواج أو بين العشاق؛ العقل الباطن هو مصدر الشجار غير المبرر وغير المنطقي الذي تشتهر به العلاقات العاطفية، حيث يتخذ العقل الباطن ردة فعل سريعة على الخلاف مع الشريك ليعزّز قدرتنا الدفاعية، وربما تكون ردة الفعل هذه مبالغ بها ما يدفع الشجار أو الخلاف إلى حلقة مفرغة.
    بكلمات أبسط؛ ردة فعلنا على انتقاد الشريك العاطفي -التي هي أقوى من ردة فعلنا على أي انتقاد- تأتي من دافع الفرار والقتال، لأن النقد في الحب غالباً ما يخلق شعوراً أنك تتعرض للرفض أو أنك غير محبوب أو حتى شعوراً بتقليل الاحترام، ما يعمل على تشغيل آلياتك الدفاعية في حالة التأهب القصوى وكأنك تتعرض لهجوم من المفترسات في الغابة! هذا ما يفعله العقل الباطن.
    في الكواليس لا تأتي ردة فعل العقل الباطن بتحفيزنا على الفرار أو القتال من الفراغ؛ بل يبنيها اللاوعي على أساس المعتقدات والأفكار الراسخة في برنامج التشغيل الخاص بنا، والدليل على ذلك معرفتك الواعية أن انتقاد الشريك لا يشكل تهديداً يتطلب منك ردة فعل قوية، لكنك مع ذلك تقوم بردة فعل دفاعية كأنك تواجه نمراً. [4]
    ما يجعل الفتاة مثلاً تشعر بالحزن والقلق إذا لم يتذكر حبيبها مناسبةً مهمة مثل يوم ميلادها؛ هو اعتقاد راسخ ومسبق ومبرمج في العقل الباطن أن نسيان الحبيب لمثل هذا اليوم يعني قلة اهتمامه أو حتى عدم التزامه بالعلاقة، وغالباً ما يكون الواقع مغايراً لهذا الاعتقاد، وحتى مع فهم الفتاة للظروف التي أدت إلى نسيان حبيبها يوم ميلادها، يبقى شعور الحزن والقلق مسيطراً عليها، لأن فهمها الأسباب وقبولها لها تفاعلٌ واعٍ، وأما شعورها بالقلق والتهديد فهو في عقلها الباطن!
  3. العقل الباطن والرضا العاطفي
    في سياقٍ متّصل؛ يلعب العقل الباطن الدور الأبرز في الرضا العاطفي على مدى العلاقة وفي مراحلها المختلفة، وذلك من خلال محورٍ أساسي هو التصوّر والافتراض.
    فإذا اتفقنا على تعريف الرضا العاطفي أنه تلبية العلاقة العاطفية للحاجات التي دفعتك إليها أصلاً؛ سنجد أن ما يتحكم بالرضا هو التصوّر المسبق للعلاقة العاطفية والافتراضات التي تتحكم بتحديد مدى تلبية الحب لهدفه، وبطبيعة الحال فمكان التصوّرات المسبقة والافتراضات هو العقل الباطن، العقل الباطن يقوم برسم صورة علاقة الحب التي نسعى إليها بناءً على ما يعرض عليه بشكل واعٍ أو غير واعٍ من رغبات ومعلومات وبيانات وأمنيات.
    دعنا نتحدث بالأمثلة؛ من أين يأتي شعورك بعدم الرضا العاطفي بعد أربع سنوات من الزواج؟؛ إنه ببساطة يأتي من الصورة التي رسمتها في عقلك الباطن للحب الأبدي المستمر بالقوة نفسها، لكن الحقيقة أن جميع العلاقات الرومانسية تتغير بعد الزواج والارتباط وبعد الإنجاب، لا تتحول لبغض أو كره لكنها تتغير بطبيعتها وتوصيفها واحتياجاتها وشكلها وعمقها وشدتها، وما يجعلك تفقد الرضا العاطفي هو تمسُّك عقلك الباطن بالصورة والافتراض، وعدم قبوله للواقع.
    خذ مثالاً آخراً؛ لماذا يصاب العاشقون بالصدمة إذا تعرضوا للخيانة، على الرغم أن الخيانة لا تسبب أذى مادي أو جسدي، ولا تهدد حياة الإنسان؟، لأن العقل الباطن ببساطة يمتلك صورة ثابتة عن الإخلاص، ويربط بين الرضا العاطفي والوفاء، فعندما يتعرّض أحدهم للخيانة؛ ما يستجيب فعلياً هو معتقدات العقل الباطن وتصوُّره عن الوفاء والإخلاص، لذلك لا يكون ألم الخيانة واعٍ أو قابلاً للتحليل ببساطة، وإنما يكون عميقاً وثابتاً وغير متاحٍ للنقاش في الفترة الأولى على الأقل، لأنه يتعارض مع برنامج العقل الباطن عن الحب والوفاء.
  4. التوقعات في العقل الباطن وتأثيرها على الحب
    في سياقٍ متّصل؛ يشكِّل العقل الباطن مجموعة مترابطة من التوقعات المحددة مسبقاً في العلاقات الرومانسية، هذه المعتقدات المقيدة Limited Beliefs تدخل في صلب نظام التشغيل الخاص بنا، وتتحكم بشكل أو بآخر بتفاعلنا مع شريكنا العاطفي.
    فعندما يخزِّن عقلك الباطن بعض التوقعات والمعتقدات غير الواعية (يجب أن يفهمني دون أن أتكلم، إن كان يحبني عليه أن يتذكر كل التفاصيل المتعلقة بي، يجب أن يحب ما أحبه ويرغب بما أرغب به إن كان يحبني فعلاً، إن كان يحبني بصدق سيبادر أولاً...إلخ) تصبح هذه التصورات والمعتقدات هي التي تتحكم بمشاعرك تجاه شريكك وطبيعة العلاقة بينكما، فإذا خالف بعض توقعاتك -وهذا ما سيحصل دائماً لأنه لم يصنع خصيصاً ليكون متوافقاً مع برنامج عقلك الباطن- ستجد نفسك في حالة من القلق والتوتر الذي يدفعك بطبيعة الحال لتفاعل سلبي مع الشريك.
    هذا القلق ليس مصدره التفكير فقط، بل تفاعل الجسد مع الأفكار أيضاً، فعندما يخالف الشريك ما تتوقعه منه أو حتى عندما تتوقع أنه قد يخالف توقعاتك؛ يقوم الجسد بإفراز هرمونات القلق والتوتر والخوف مثل الكورتيزول، ويؤثر بشكل كبير على مزاجك وسعادتك، وهذا ما يحدث أيضاً عندما يوحي لك العقل الباطن بالنتائج مسبقاً، ويجعلك تتجه نحو السلبية كلما فكر الوعي بإجراء إنقاذي إيجابي، لأنك مسبقاً وضعت برنامجاً سلبياً وقواعد صارمة تقيِّد علاقة الحب. [4]

هل تعتقد أن مشاعرك السلبية ستكون مكتومة، وأن توقعاتك السلبية لن تؤثر على شريكك ما دامت لم تخرج على شكل سلوك أو تعبير لفظي؟ للأسف هذه ليست كل الحقيقة.
عندما تقوم ببناء سيناريو سلبي في عقلك الواعي بناءً على برنامج العقل الباطن "سأتحدث معه بصراحة وعندما يغضب سأرد عليه بقوة، وإذا أساء لي سأرد له الإساءة" ما يحدث أن جسدك يستجيب بطريقة عجيبة لهذا السيناريو، وبمجرد أن ترى شريكك سيبدأ الاتصال غير اللفظي بخلق الانطباع، فجسدك يعبّر عن أفكارك بنظرة العيون والأنفاس وطريقة الوقوف ونبرة الصوت، والعقل الباطن لدى شريكك العاطفي يستطيع التقاط هذه الإشارات بذكاء منقطع النظير، فيقوم بدوره بتجهيز أدواته الدفاعية والاستعداد للمعركة.

لاحظ أن المعركة بدأت قبل أن يقول أحدكما كلمة للآخر، المعركة بدأت ببناء السيناريو السلبي لها، وستشتعل لأن السيناريو معد مسبقاً، ثم ستقف مع نفسك وتقول "لقد كنت على حق، توقعت أن هذا سيحدث" وأما الحقيقة أنَّ هذا حدث فقط لأنّك توقعته!

قيل أن أرسطو يقول: "الخوفُ ألمٌ ينبع من توقُّع الشرّ!".

الخبر السيء أن عقلك الباطن يقودك غالباً إلى رفض التغيير؛ فإن كنت تعاني من مشاكل عاطفية نتيجة موقفك من الشريك؛ ستجد أن اللاوعي يمنعك من اتخاذ موقف مغاير، حتى وإن اتخذت قراراً على مستوى الوعي بتحسين علاقتك مع الطرف الآخر، سيخلق عقلك الباطن عقبات كثيرة، لأنه يستجيب إلى برنامج راسخ، وستحتاج إلى الاتصال مع العقل الباطن وإعادة برمجته من جديد لتحقيق ما تريده في علاقتك العاطفية.

وهنا الخبر الجيد؛ من خلال بعض التقنيات والتمرينات البسيطة لبرمجة العقل الباطن يمكنك تغيير تأثيره واستجابته في علاقة الحب، ويجب أنْ تعلم أنَّ برمجة العقل الباطن للسعادة في الحب ليست سحراً أو شعوذة -وإن كانت تبدو كالسحر- وإنما تعديل لموقفك أنت من مشاعرك، حيث يتيح لك هذا التعديل المجال لرؤية فرص مختلفة للتلاقي، وتلافي فرص الشجار والنفور، فالعقل الباطن هو المحفز ومصنع الدوافع وهو ما يجعلك خلاقاً للحلول، أو متجاهلاً لها.

  1. فهم آلية عمل عقلك الباطن أولاً: قبل أن تتجه إلى إعادة برمجة عقلك الباطن في سبيل تقوية الحب وتحسين العلاقة؛ لا بد أن تفهم كيف يعملك الباطن، وإن كنا قد قدمنا في هذا المقال النقاط الأساسية لفهم آلية اللاوعي وتأثيره، لكننا ننصحك أيضاً بقراءة مقالنا عن برمجة العقل الباطن ومفهوم نظام التشغيل الباطني "شبيه الويندوز Windows"، وعندما تتعرف إلى قوة عقلك الباطن وطريقة عمله وتؤمن بتأثيره على حياتك؛ تستطيع الانتقال لبرمجة عقلك الباطن للحب والرفاه العاطفي.
  2. ابدأ بالبحث عن الأفكار والتصورات الضارة لعلاقة الحب: كما ذكرنا؛ يمتلك كل منا قاعدة من البيانات والأفكار والذكريات التي تتحكم بالمشاعر والسلوك، وتؤدي بالتالي إلى اتخاذ موقف، وفي علاقات الحب مع وجود شحنة عاطفية كبير -سلبية أو إيجابية- أنت بحاجة ماسَّة لتتبع النسخة الأصلية المحفوظة في العقل الباطن وتعديلها. إذا كنت مثلاً تعاني من تجاهل شريكك العاطفي لك، وتعتقد أن هذا التجاهل هو سبب تعاستك؛ توقف للحظة وأعد التفكير بأسباب هذا الاعتقاد، وتتبع القاعدة الأساسية التي تجعلك تشعر بالتهديد في هذه العلاقة، قد تجد في المحصلة أن شريكك مهملٌ حقاً، لكن الإهمال الحقيقي يدركه العقل الواعي لأنه تفسير عقلي للسلوك، وأما شعورك أنت بالإهمال فمصدره العقل الباطن.
  3. استبدل توقعاتك السلبية بأخرى إيجابية: هذا ليس سهلاً لكنه ممكن، استبدال الأفكار والتوقعات والقناعات السلبية بأخرى إيجابية سيقودك إلى علاقة الحب المتينة والرضا العاطفي، وسيرشدك إلى الحلول الغائبة عن ذهنك على الرغم أنها كانت أمامك طول الوقت، لكن عقلك الباطن يصرف انتباهك عنها لأنك تغذيه بالتوقعات والأفكار السلبية. [5]
  4. احذر من تكرار الأفكار السلبية: تحدثنا مطولاً في مقالنا عن برمجة العقل الباطن بالتكرار عن مساوئ تكرار الأفكار السلبية، فأنت لا تتنبأ بوقوع خلاف أو شجار؛ وإنما تستعد وتقرر، لذلك كن حذراً من استعادة الأفكار والتوقعات السلبية وتكرارها، وفي كل مرة تهاجمك فكرة سلبية قابلها بفكرة إيجابية وكررها.
  5. استخدم قوة الخيال في برمجة العقل الباطن لعلاقة حب فريدة: العقل الباطن لا يميز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي، بل يتفاعل مع الأفكار ويجعلها تعبر عن نفسها وكأنها حقيقية، لذلك تشعر بالنشوة عندما تتخيل نفسك ثرياً وقوياً وتحظى باحترام الآخرين في أحلام اليقظة، وعلى الرغم من أنه مجرد خيال إلا أن العقل الباطن يستجيب لخيالك ويحوله لمشاعر حقيقية، وحتى هرمونات الجسد تعمل على ترجمة هذه المشاعر، ومع تكرار التجربة واحتراف الخيال يبدأ انعكاس هذه المشاعر على سلوكك وطريقة تفاعلك مع كل شيء حولك. [6]
  6. طوّر وعيك بالكلمات والإيحاءات في علاقة الحب: للكلمات تأثير قوي على عقلنا الباطن، كل كلمة تأخذ مكانها عميقاً وتتردد بشعور وإحساس وكلمات مرادفة، وإيماءات وإيحاءات غير لفظية، وتحسين الخطاب بين الشريكين يقود حتماً إلى نتائج أفضل ورضا أكثر في العلاقة. وتقترح الدكتورة Athena Staik تقنيتان للسيطرة على قوة الكلمات في إعادة برمجة العقل الباطن لعلاقات عاطفية أفضل: [6]
    • تحديد الطلبات بدلاً من الانتقاد والتذمر: الانتقاد والتذمر طريقة لطلب شيءٍ ما، لكنها الطريقة الأسوأ، لأنها من جهة طلب ضمني لا يفضي إلى تحقيق المراد، ومن جهة أخرى يعزز الانتقاد والتذمر مشاعرنا السلبية.
    • ويجب أن نعي أيضاً أن الانتقاد والتذمر هو طريقة من طرق الابتزاز العاطفي، إننا نحاول من خلال النقد المستمر والتذمر أن نظهر مساوئ الشريك وأن نلعب دور الضحية، وأن نخلق شعوراً بالذنب لدى الطرف الآخر لعله يدفعه لتحقيق الطلب الضمني المبهم الذي يختفي خلف الانتقاد والتذمر.
    • لذلك تقترح الدكتورة أثينا ستايك استبدال الطلب المموه بالنقد والتذمر بطلبٍ صريح ومباشر، ويجب أن تكون الطلبات واضحة ومتفائلة وودية، وتستخدم الكلمات الإيجابية في برمجة العقل الباطن، فبدلاً أن تنقد الشريك لأنه لم يدعوك لقضاء ليلة رومانسية، قم بطلب ذلك.
    • استبدال العبارات المطلقة بعبارات تفضيلية: العبارات المطلقة هي العبارات التي تحتوي تأكيدات وأوامر على غرار "يجب عليه، لا بد له، عليه أن يفعل كذا...إلخ" وكلمات التفضيل على غرار "أرغب، وأفضل، أتمنى".
    • القوى التي تمنحنا إياها كلمات التفضيل هي تجنب القلق الذي تنتجه الكلمات المطلقة، وتخفيض سقف التوقعات الصارمة، فعندما نقول "عليه أن يفهمني دون أن أتكلم" نضع أنفسنا أمام طريق مسدود ينتهي بجدار من القلق، لأننا قررنا بشكل مطلق أن هذا ما يجب أن تكون عليه الأمور.
    • قارن بين "لا بد أن يتذكر عيد ميلادي، عليه أن يحتفل بي احتفالاً كبيراً"، مقابل "أفضل أن يتذكر عيد ميلادي، وأرغب لو يحتفل بي احتفالاً كبيراً"، ويمكنك إضافة عبارة إيجابية أخرى "على كل حال لا أحتاج لذلك لأتأكد أنه يحبني!".

أخيراً... أعتقد أن السرَّ الذي يجعل بعض علاقات الحب تعيش طويلاً وإن مرت بمنعطفات كثيرة؛ هو التخلي عن فكرة تعديل استجابة الطرف الآخر لرغباتنا وأمانينا وأفكارنا المسبقة، والعمل على تعديل الاستجابة الذاتية بدلاً من ذلك، وعلى الطرف الآخر ستجد أن العلاقات التي تدخل النفق المظلم غالباً ما تتميز برغبة كل طرف بتغيير طريقة الطرف الآخر بالاستجابة لطموحاته وأفكاره المسبقة عن الحب.
التواصل مع العقل الباطن ومحاولة الدخول إلى مكتبة نظام التشغيل الباطني تهدف إلى تغير طريقتنا نحن وأفكارنا نحن وأسلوب تفاعلنا مع الآخر، لأن محاولة تغيير استجابة الآخر بالنقد والتذمر والشجار؛ حفرٌ بالصخر، وجهدٌ لا طائل منه، والأجدى أن نقوم بتعديل معتقداتنا وجعلها أكثر فاعلية في تحقيق السعادة المنشودة، بدلاً من الحفاظ على النزاع لأنه يمنحنا لذة التضحية وغبطة الشعور بالظلم والمسكنة، وتذكروا أن السعادة قرار.

المصادر و المراجعadd