في عام 2017 سجلت مصلحة الضرائب الأمريكية 12ألف شكوى عن التهرب الضريبي تقدم بها أشخاص بدافع الانتقام والثأر وليس بدوافع أخلاقية، منهم موظفون سابقون وشركاء، فكان الانتقام أحد عوامل مكافحة التهرب الضريبي!.
لكن هل الانتقام حلو أم مر؟ هل الانتقام هو الحل أم أنَّ هناك خيارات أفضل؟ ما هي أسباب ودوافع الانتقام ولماذا نفكر بالانتقام؟ وكيف يعمل عقلنا مع الانتقام؟ ثم ما هي أفضل النصائح لمواجهة مشاعر الانتقام؟، نجيب عن هذه الأسئلة في السطور التالية.
 


ذات صلة


ما هو الانتقام؟

يعتبر الانتقام واحداً من أقدم الدوافع الإنسانية حتَّى أن البعض يعتبره من الغرائز الأساسية، فإذا نظرنا في قصة قابيل وهابيل سنجد أن القتل لم يكن بدافع الغيرة فقط، بل بدافع الانتقام أيضاً.
ويكاد يتفق الباحثون أن التفكير بالانتقام عند التعرض للإساءة أمر طبيعي يصعب تجنبه، حتى الأطفال يمتلكون دوافع انتقامية واضحة من الأشخاص وحتى من الأشياء التي تزعجهم، ما يتغير من شخص لآخر هو القدرة على ضبط هذه الدوافع والتحكم بها، ثم اتخاذ القرار بالانتقام من عدمه، ثم القيام بالأفعال الانتقامية، ففي أي لحظة من اللحظات قد يتراجع المقدم على الانتقام عن قراره بسبب تغيير بسيط في المعطيات.
 

ذات علاقة


لماذا نفكر بالانتقام؟

للوهلة الأولى قد يبدو الانتقام مجرد ردَّة فعل غاضبة، وقد يعتقد كلٌّ منا أنه يعرف لماذا يريد أن ينتقم، ويفهم تماماً نتائج انتقامه، لكن الأمر قد لا يكون بهذه البساطة، فالانتقام من أكثر الدوافع البشرية تعقيداً وغموضاً، من أكثر الدوافع التي تعرضت للنقد العلني من فلاسفة ومفكرين، لكنها على الرغم من ذلك لطالما حصلت على استحسان الناس ونظروا إلى المنتقم كشخص جيد!، مع أنهم قد ينظرون للانتقام نفسه غالباً كدافع سيء!، وهذا ما استغلَّه الكتَّاب وصنَّاع السينما جيداً في كتابة وصناعة المزيد من قصص الانتقام المؤثرة.

وقبل أن نناقش التأثير الحقيقي للانتقام على الشخص المنتقم لنتوقف مع حقيقية الدوافع الانتقامية:
الانتقام بدافع الغضب

الشعور بالغضب والاستفزاز نتيجة التعرض للإهانة أو الظلم هو من أبرز الدوافع الانتقامية الظاهرة، فمشاعر الغضب التي تهاجمنا جميعاً بدرجات متفاوتة تمثِّل المرحلة الأولى من التفكير الانتقامي، لكن ليس الغضب وحده ما يجعلنا نفكر بالانتقام، بل هناك جملة من المفاهيم الفلسفية العميقة والعوامل الأخرى التي تجعل الإنسان يفكر بالانتقام.
 
الانتقام والعدالة
ومن أبرز هذه المفاهيم أنَّنا ننظر للانتقام كتحقيق للعدالة، لذلك نشعر برغبة شديدة بإيذاء شخص ما عندما نتعرض للظلم بسببه، بل غالباً ما نفكر على طريقة "يجب أن يشرب من الكأس نفسه" أي من مبدأ العين بالعين والسن بالسن.
حتَّى عندما نكون عاجزين عن رد الإهانة نلجأ إلى الدعاء مثلاً، وإذا تعرَّض الشخص المسيء لمصيبة لا علاقة لنا بها نطلق على ذلك "العدالة الإلهية"، لأننا نرى في الانتقام عدالة، وليس كل دعاء مستجاباً، وليست كل مصيبة انتقاماً من أحد للآخر.

الانتقام وعلاقته بالعار
من الملفت أيضاً أن الانتقام ليس واحداً في كل مكان، بل أن المجتمعات التي تتسم بنمط حياة جماعي كالمجتمعات العشائرية والقبلية يمتلك أفرادها ميولاً انتقامية أقوى مقارنة بالمجتمعات الفردية، وقد يعود ذلك لأحد سببين أو لكليهما:
- الأول أن المجتمعات المترابطة والجماعية كالمجتمعات العشائرية تفرض معايير اجتماعية سائدة على الأفراد تتعلق بصورتهم الاجتماعية، فالتنازل عن الثأر في بعض هذه المجتمعات عار اجتماعي، ومن لا يرد الإهانة بإهانة سيتعرض دائماً لإهانات جديدة لأنه ضعيف، ولأن أحداً لن ينصفه ما لم ينتصف لنفسه من المسيء، وهنا يتضح السبب الثاني....

- معظم المجتمعات العشائرية والجماعية تقع تحت نمط حكم شمولي لا يعتبر العدالة الاجتماعية قضية ذات أهمية، بالتالي يعتقد الأفراد أنهم مسؤولون عن تحقيق العدالة بأنفسهم، لذلك ستجد مفاهيم الثأر والانتقام تترسخ أكثر كلما كانت سلطة القانون أضعف وكلما كان تحقيق العدالة صعباً بطرق أخرى.
هذا لا ينطبق فقط على المجتمعات القبلية أو العشائرية، بل على المجتمعات التي تعيش في ظل حروب والتي يصبح فيها الانتقام واحداً من الأمور التي تجعل الحرب تستمر، كذلك الجماعات التي تنظم نفسها خارج القانون ولا تستطيع أن تلجأ إلى المحاكم للحصول على حقّها مثل العصابات.

الانتقام والردع
من الأسباب التي تجعلنا نفكر بالانتقام أيضاً أن الانتقام من وجهة نظرنا وسيلة فعالة للردع، وفي هذا الاعتقاد قدر كبير من الصحة، هذا ما كان يقوله عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد، أن المستبد لو رأى على جنب الرجل سيفاً لما أقدم على استبداده وظلمه!.
لذلك فإن رغبتنا بالردع ومنع تكرار الفعل المسيء تدفعنا للقيام بالعمل الانتقامي كعقوبة وكتحذير في آنٍ معاً، وعادة ما نستخدم عبارة تدل على ذلك مثل: سأجعله يتعلم ألَّا يعيدها ثانيةً.

الانتقام والدماغ
في سبيل فهم ما يحصل في دماغنا عندما نفكر بالانتقام ونتخذ إجراءات انتقامية قام الباحثون بتطوير لعبة يتعرض فيها اللاعبون للاعب غير نزيه يكسب بطريقة غير عادلة، وتمكن الباحثون من تحديد المناطق التي تنشط في الدماغ عندما شعر اللاعبون بالظلم والغضب.
ثم أتيحت للمظلومين الفرصة للانتقام، ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين كافحوا الانتقام أظهروا نشاطاً في القشرة الجبهية الظهرية الأمامية DLPFC، وفي الحالات التي كان فيها نشاط هذه المنطقة محدوداً كان الانتقام أكثر وضوحاً، هذا ما جعل القائمين على الدراسة يفكرون أن تحفيز هذه المنطقة سيؤدي إلى مكافحة الدوافع الانتقامية.
 

الانتقام الحلو والانتقام المرّ!

هل الانتقام جيد؟
على مستوى الأشخاص فهناك انقسام واضح، البعض يرى أن الانتقام فيه تحقيق عادل للعدالة بالتالي سيساعد الانتقام على تجاوز الإساءة والشعور بالظلم، وهناك من يعتقد أن الانتقام ردة فعل غاضبة وغير عقلانية، وأن الشخص الذي ينتهج الانتقام لن يكون مرتاحاً كما لو قرر تجاوز الإساءة.
وهذا الانقسام واضح أيضاً في الأقوال المأثورة، العين بالعين والسن بالسن، أم أن مبدأ العين بالعين سيجعل الجميع عميان وأن المنتقم يجب أن يحفر قبرين أحدهما له؟.

الانتقام المُّر
في تجربة استهدفت فهم نتائج الانتقام على الأشخاص المنتقمين بشكل أفضل، قام الباحثون بتصميم لعبة استثمارية يشارك بها الطلاب باستثمار الأموال، وفي حال امتنع أحدهم عن الاستثمار سيحصل على مرابح غير متناسبة على حساب المشاركين بالاستثمار، وقام الباحثون بتعيين شخص يقوم بإقناع جميع المشاركين باتخاذ نفس الإجراء.
الذين لم يشاركوا بالاستثمار ربحوا ضعف الذين شاركوا، وعندما عرض الباحثون على الأشخاص الذين تعرضوا للغبن أن ينتقموا كانوا جميعهم يرغبون بذلك فعلاً وسيدفعون جزءاً من أرباحهم لقاء الانتقام.
كانت النتيجة باختصار؛ أن الأشخاص الذين قاموا بالانتقام كان شعورهم أسوأ من الذين لم ينتقموا، مع أنهم توقعوا أن يكون الانتقام حلواً!.

الانتقام الحلو
بعد أن وجد الباحثون أن الانتقام لا يخلق مشاعر إيجابية كما نتوقع تساءلوا: لماذا إذاً نفكر بالانتقام أو نتوقع منه أن يكون مفيداً؟ ولماذا نضحي برفاهيتنا وقد نخسر في سبيل الانتقام أكثر مما خسرنا بسبب الإساءة نفسها؟.
فعلياً تختلف ردة فعلنا على الانتقام وفقاً للعديد من المعايير، وقد يكون الانتقام مفيداً للبعض إذا تم تنفيذه بطريقة غير مؤذية أو إجرامية، قد يبدو هذا الكلام غير مفهوم...
فعلياً يحقق الانتقام شعوراً إيجابياً بالانتصار واستعادة الحق والعدالة، ونتيجة ارتباط الأفكار الانتقامية بمنطقة المكافأة في الدماغ، لكنه أيضاً يخلق شعوراً سلبياً نتيجة ما نخسره في سبيل الانتقام وشعور الذنب والتفكير إذا ما كان الانتقام خياراً صحيحاً، لذلك فالانتقام حلوٌ ومر، وأغلب حلاوته قبل وقوعه، وأغلب مرارته بعد تنفيذه!.
ولذلك فكر الباحثون بطريقة مبتكرة لمعالجة دوافع ومشاعر الانتقام لدى من يتعرضون للإساءة، وذلك من خلال تجريب إشراك المجني عليه بمحاكمة وهمية للجاني، هذه المحاكمة مطابقة للمحاكمة القانونية التي لا تعتبر انتقاماً، لكن مشاركة المجني عليه بمحاكمة الجاني عالجت مشاعر الحقد ودوافع الانتقام، بل أنها خلقت نوع من التعاطف مع الجاني.
 

كيف نواجه مشاعر الانتقام

يبدو أنَّ الانتقام غالباً ما يتطلب منَّا مجهوداً أكثر مما تتطلب المسامحة أو الغفران، وغالباً ما يتحول الانتقام إلى دائرة لا تنتهي من الانتقام والانتقام المضاد، انظر إلى الحروب الأهلية التي تنشأ أساساً على تغذية مشاعر الانتقام بين الأفراد وعلى تناميها، ثم ينتهي الأمر بعقد هدنة قبل أن ينقرض أطراف الصراع!.

إذا كنت مقتنعاً أن الانتقام ليس هو الحل؛ إليك بعض النصائح التي تساعدك على مواجهة مشاعر ودوافع الانتقام:
- تذكر أن الانتقام رد فعل غاضب:
ذكرنا في البداية أن أبرز الدوافع للانتقام هو الغضب الذي ينتج عن الشعور بالظلم أو الغدر أو الاضطهاد، وكما هو معروف فإن المشاعر التي تنتابنا في حالات الغضب والأفكار أو القرارات التي تترافق مع نوبات الغضب لا تكون حكيمة دائماً، لذلك فإن تهدئة النفس حتى زوال مشاعر الغضب قد تساعدنا على اتخاذ خيارات أفضل من الانتقام.

- ما الذي سيحصل عندما لا تنتقم؟: نقاشنا في الفقرات السابقة ما يحصل عندما تنتقم، لكن هل فكرت بما سيحصل عندما لا تنتقم؟، بباسطة لا شيء يذكر، بل أنك قد تستطيع تقييم الأمور بطرق مختلفة ربما تجعلك سعيداً لأنَّك لم تنتقم!.

- فكر بالظروف والحقائق: من الأسباب التي قد تجعلنا نندم بشدة على الانتقام أن نكتشف لاحقاً فهمنا الخاطئ للأمور، أو أننا بالغنا بالانتقام تناسباً مع الإساءة، لذلك من المفيد أن تأخذ وقتك في التفكير والاستطلاع لتفهم أكثر سبب الإساءة أو الظلم.

- هل أنت متأكد أنك ضحية: في كثير من الأحيان قد نتعرض للظلم ونغضب وننتقم، ثم نكتشف أننا كنا قادرين على تجنب كل ذلك منذ البداية، وأننا وقعنا تحت الظلم أو الاساءة باختيارنا، تماماً كما ينتقم المجرم من القاضي.

- قارن بين النتائج: أيهما أفضل أن تنتقم من الزوجة الخائنة أم أن تخرجها من حياتك؟ أيهما أفضل أن تنتقمي من شاب مخادع أم أن تتعلمي من التجربة وتتابعي حياتكِ؟ قارن دائماً بين معطيات الانتقام ونتائجه وبين فائدة أن تتابع حياتك.

- الانتقام والقانون: تذكَّر أن التنازل عن الانتقام لا يعني التنازل عن الحقوق، فإذا تعرضت للاحتيال بطبيعة الحال يجب أن تلاحق المحتال قضائياً، لكن الانتقام منه خارج هذا الإطار قد يجعلك أنت المجرم ويرمي بك خلف القضبان.